في ذكرى مرور عشر سنوات على الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمنطقة شرق آسيا عام 1997، والتي حلت مؤخراً، اهتمت الكثير من الدوائر والمؤسسات الاقتصادية والمالية العالمية بدراسة البرامج والسياسات التي اتبعتها دول تلك المنطقة في التغلب على أزمتها.
هناك عدد من العوامل أدت إلى وقوع الأزمة المالية التي عصفت بمنطقة شرق آسيا. فقد نشأ موطن الضعف الرئيسي نتيجة لارتفاع مديونية البنوك ومؤسسات الأعمال في تلك المنطقة بسبب حصولها على قروض كثيرة قصيرة الأجل من مصادر أجنبية بالعملة الصعبة. وقد وقع ذلك، جزئياً، في وقت كانت أسعار الصرف مربوطة عملياً بالدولار الأميركي لمدة طويلة، مما أدى إلى خلق شعور زائف بالأمان، وشجع ذلك على الاقتراض الخارجي، الأمر الذي أدى إلى زيادة التعرض لمخاطر الصرف الأجنبي في القطاع المالي وقطاع مؤسسات الأعمال.
وأدى الإخفاق في الحد من وصول النشاط الاقتصادي إلى مستويات محمومة في تايلاند وكثير من البلدان الأخرى في هذه المنطقة، إلى وجود عجز كبير في الحساب الخارجي، وبوادر ظهور فقاعات في أسعار الأصول وسوق الأوراق المالية. وقد أخفقت القواعد التحوطية والرقابة المالية المتراخية في معالجة التدهور الحاد في نوعية حوافظ القروض لدى البنوك.
ما إن حل منتصف عام 1997، حتى بدأ مستثمرو القطاع الخاص، فجأة ودون سابق إنذار، في تحويل قسم كبير من أموالهم من خمسة من بلدان منطقة شرق آسيا، هي: تايلاند وكوريا وماليزيا والفلبين وإندونيسيا. وفي واقع الأمر، جرى سحب أكثر من 100 مليار دولار من هذه المنطقة في عامي 1997 و1998، بواقع حوالي 5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي لهذه المنطقة كل عام، مما أدى إلى حدوث كساد اقتصادي، وتخفيضات هائلة في قيمة العملات، وارتفاع معدلات التضخم بشدة، وانهيار أسواق المال في تلك البلدان الخمسة التي تمر بهذه الأزمة.
وفي غضون ستة أشهر، ازداد عدد العاطلين عن العمل في إندونيسيا بحوالي 800 ألف شخص على الأقل، وفي تايلاند بحوالي 5,1 مليون، وفي كوريا بحوالي 35,1 مليون. ومع انخفاض قيمة عملات تلك البلدان، انخفضت أجور القوى العاملة حيث انخفضت القيمة الحقيقية للأجور بحوالي 5,12 في المئة في كوريا بنهاية عام1998، وبحوالي 6 في المئة في تايلاند.
وبدأت دوامة الفقر ـ الذي كان قد انخفض في مختلف بلدان منطقة شرق آسيا إلى معدل غير مسبوق يبلغ 9 في المئة سنوياً في السنوات الخمس التي سبقت وقوع هذه الأزمة ـ في الارتفاع بشدة ثانية. وشهد عام 1998 سقوط نحو 19 مليون إندونيسي و1,1 مليون تايلندي في براثن الفقر. ولم ينتظم آلاف الأطفال في تايلاند والفلبين وإندونيسيا في المدارس في العام الدراسي الجديد في 1998 بعد أن فقد آباؤهم وظائفهم ومقدرتهم المالية على دفع الرسوم المدرسية. وأشارت بعض التقارير في وقت لاحق إلى سرعة تدهور الأوضاع الصحية بين النساء والأطفال إذ لم يعد الناس قادرين على تحمل أسعار الأدوية.
إلا أن اللافت للنظر حقاً أنه لم تكد تمر هذه السنوات العشر إلا وكانت منطقة شرق آسيا قد انتصبت واقفة على قدميها فازداد ثراؤها وقل فقراؤها، وباتت تلعب دوراً عالمياً أكبر من أي وقت مضى.
وتحسنت مستويات دخل السكان تحسّناً ملحوظاً مقارنة بما كانت عليه الحال قبل وقوع تلك الأزمة، وشهدت بعض بلدانها ـ كالصين وفيتنام وكمبوديا وجمهورية لاو الديمقراطية الشعبية ـ تحقيق معدلات نمو استثنائية في مستويات الدخل. ونتيجة لذلك، استطاع أكثر من 100 مليون شخص في مختلف أصقاع شرق آسيا منذ عام 2000الخلاص من براثن الفقر المدقع، ومازالت معدلات الفقر تواصل تقلصها.
وصحيح أن تلك البلدان حققت الكثير من النجاحات، وانتقلت إلى مراحل جديدة من النمو، إلا أن التحديات الناجمة عن كل مرحلة نمو تختلف عن الأخرى، وهي اليوم تواجه تحديات ما أطلق عليها البنك الدولي مجازاً اسم «شَرَك البلدان المتوسطة الدخل».
ويوضح لنا التاريخ أنه بينما نجح العديد من البلدان في الانتقال من مصاف البلدان المنخفضة الدخل إلى مصاف البلدان المتوسطة الدخل، فإن عدداً قليلاً نسبياً قد واصل تقدمه لينضم إلى شريحة البلدان المرتفعة الدخل. وعلى أي بلد يرغب في الانتقال إلى مصاف البلدان المرتفعة الدخل، أن يكون لديه اقتصاد يتخصص على نحو متميز في مجالات منتقاة بحيث يمكنه تحقيق وفورات الحجم والريادة التكنولوجية.
إلا أن تحقيق ذلك صعب المنال عندما تجد البلدان نفسها محصورةً بين منافسين يتمتعون بانخفاض مستوى أجور الأيدي العاملة في البلدان الفقيرة، وشركات قوامها الابتكار والتقدم التكنولوجي في البلدان الغنية. ويتعين على تلك البلدان التصدي للكثير من التحديات المعقدة التي تتراوح بين ضرورة الارتقاء بمهارات قوة العمل ومستواها الابتكاري، وإقامة أنظمة مالية متقدمة، والحفاظ على التماسك الاجتماعي، وتخفيض الفساد تخفيضاً ملموساً. وما لم تتمكن تلك البلدان من إحداث وتفعيل تغيّرات صارمة من هذا القبيل في سياساتها ومؤسساتها، فإنها لن تبرح مكانها وستظل غير قادرة على الخروج من شرنقة البلدان المتوسطة الدخل.
وتُظهر تجربة كل من اليابان وسنغافورة وتايوان (الصين) وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ (الصين)، وهي بالفعل من بلدان منطقة شرق آسيا، أن الانتقال إلى مستويات الدخل الأعلى هو أمر ممكن. ولكن هذه المهمة ليست بالمهمة السهلة. ويهمنا كثيراً هنا أن نسجل بعض الدروس والعبر المستفادة من الأزمة الآسيوية، والتي يمكن استغلالها لإزالة بعض الحواجز التي تقف عقبة في سبيل تحقيق نمو اقتصادي متوازن بدول مجلس التعاون الخليجي.
ولعل أول هذه الدروس، أن الأزمة الآسيوية بينت لنا انه لا يمكن الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة قائمة على تمويل أجنبي قصير الأجل، وفي ظل نظام مصرفي ورقابة مصرفية ضعيفتين. حيث إن المكاسب التي يمكن إن يتم تحقيقها في تلك الظروف يمكن أن تنهار بسهولة أن لم تتم مراعاة المخاطر المحيطة بها والتعامل معها بيقظة وحذر تام، وهذا ما يدعونا للحرص على تقوية البنوك المركزية والتأكد من عملها في استقلالية تامة، ويعيداً عن الضغوط والتدخلات السياسية والفردية. وثاني تلك الدروس أن المصارف التجارية عموماً لا يمكن لها أن تلعب دورها الطبيعي في الوساطة المالية إن كانت هي نفسها ضعيفة وهشة ومثقلة بالديون.
ومن الدروس المستفادة أيضا ثالثاً أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة (عن طريق الشراكة في الملكية) أفضل بكثير من القروض التمويلية ومن الاستثمار في أسواق الأسهم والسندات وغيرها من أنواع الاستثمارات الأجنبية التي لا تتوانى في الهروب بأسرع وقت ولأية ظروف أو إرهاصات، مما يجعل خطرها أكثر من نفعها لاقتصاديات الدول النامية في حين أن الاستثمارات المباشرة لا تمثل مخاطر كبيرة، بينما تجلب خبرات وتكنولوجيا وإدارة مقتدرة للبلاد.
ورابع تلك الدروس المتعلق بسياسات سعر الصرف حيث كانت معظم دول شرق آسيا تتبع سياسة تثبيت سعر الصرف وهي سياسية لا تتماشى مع مبدأ السوق الحر وتحرير السياسات المالية والاقتصادية. ومع ذلك، فإن الارتباط الحالي بالدولار يثير الكثير من المخاوف وهو يشبه إلى حد ما سياسات تثبيت سعر الصرف. وأخيراً، من الدروس المستفادة أن على الدول المتحالفة، ولاسيما المتواجدة في إقليم واحد، تحتاج لنظرة ثاقبة في أفضل السبل للانسجام والتجانس فيما بينها أولاً وبينها وبين الاقتصاد العالمي وأسواق المال العالمية. ان التكامل الإقليمي هو جزء من تعزيز القدرات لمواجهة التحديات العالمية المقبلة.
كاتب بحريني