النقود الأساسية أو القياسية هي وحدات نقدية تعتمدها الدول عند إنشاء عملتها وتعتبرها أساسا لنظامها النقدي، والتي عبر عنها ابن عابدين في رسائله: (رأينا الدراهم والدنانير ثمناً للأشياء ولا تكون الأشياء ثمناً لها.... فليست النقود مقصودة لذاتها بل وسيلة إلى المقصود).

وبين تلك الأفكار ما يعتبر رائدا فيها هو القاضي أبو يوسف في كتابه الخراج ، ولم يسبق إليه أحد من العلماء، وكل من تناول ذلك من العلماء فإما موافق له وإما مخالف له. ومن ذلك مسألة تغير القيمة الحقيقية للنقود وما ينبغي عمله في تلك الحالة تجاه عقود الائتمان التجاري وغيره، ويُعرّف سعر الصرف بأنه «عدد الوحدات من النقد المحلي التي تتم مبادلتها بوحدة واحدة من النقد الأجنبي». وأصبحت قيمة النقود في العصر الحديث وخاصة بعد اتفاقية (بريتون وودز) تكمن في قوة اقتصاد تلك الدولة المتأتية من جراء سعة التبادل التجاري وتنشيط التجارة الدولية .

إن ارتفاع أسعار السلع والخدمات يؤدي بالتأكيد إلى ارتفاع معدلات التضخم المالي خاصة إذا استمرت أسعار صرف العملة المحلية مقابل الدولار في الانخفاض المتواصل، وعلى الرغم من العلاقة العكسية بين التضخم المالي والبطالة حسب منحى فيليبس، فإن ارتفاع الأسعار يضطر كل من القطاعين العام والخاص إلى زيادة مرتبات العاملين أملاً في تخفيف أعباء المعيشة عليهم نسبة لتدهور القوة الشرائية لأجورهم ومرتباتهم، وفي الوقت ذاته، تقل مقدرة القطاعين العام والخاص على زيادة الوظائف، فتنتشر البطالة.

أما الأثر الآخر على الاقتصاد الكلي فهو تذبذب أسعار صرف الدولار، فبارتفاع سعر صرفه يرفع أسعار الواردات ويخفض أسعار الصادرات، أي بمعنى آخر فإن بضائع الدول التي ارتفع سعر صرف الدولار بالنسبة لعملتها المحلية تصبح أرخص بالنسبة للدول المستوردة لها، بينما تصبح بضائع الدول المصدرة لها أغلى ثمناً عليها. ولذلك لا تستفيد من تخفيض العملة المحلية مقابل الدولار إلا الدول التي تصدر أكثر مما تستورد، فتزداد قيمة صافي صادراتها نتيجة لتخفيض سعر صرف عملتها المحلية.

أما بالنسبة للدول التي تكون صادراتها أقل من وارداتها، فإنها بالتأكيد تصاب بخسائر كبيرة، وهذا هو حال الدول النامية ومن بينها الدول العربية وخاصة غير البترولية منها التي تطغى وارداتها على صادراتها. وقامت دول عديدة بتخفيض عملتها مثل ما فعلت الأرجنتين حيث خفضت عملتها الوطنية (البيزو)، إلا أن ما حصدته من تأثيرات كان متفاوتا في نتائجه، والبرازيل هي الأخرى عانت من التضخم في عملتها ومن ركودها الاقتصادي فصادراتها باهظة الثمن، أما وارداتها فرخيصة جدا، مما سبب ارتفاعا في عجز الميزان التجاري، ورغم قيام البرازيل بتخفيض عملتها إلا أن ما جنته لم يكن بمستوى الطموح.

كما سبق وان حُذرت الصين من خفض جديد لعملتها (اليوان) مقابل الدولار لأسباب عديدة منها أن خفض قيمة العملة سيؤدي إلى زيادة سعر الفائدة على الديّن الأجنبي وبالتالي سيؤدي ذلك إلى العديد من حالات الإفلاس في القطاع الخاص. ويذكر أن الصين سبق وأن خفضت عملتها للأعوام 1989، 1994 ، وتوقعوا أن يكون لقرار خفض العملة آثاره الاقتصادية والسياسية ليس على الصين وحدها ولكن على معظم بلدان العالم.

خاصة دول شرق آسيا، وسعت تركيا كغيرها من الدول في تعزيز اقتصادها لإظهاره بالمستوى الذي يتناغم مع التكتل الأوروبي، وقيمة العملة التركية الجديدة ما هي إلا خطوة تؤكد من خلالها على استقراها الاقتصادي، حذفت ستة أصفار من الليرة التركية السابقة التي أصبحت (الليرة التركية الجديدة)، بعد أن كانت أعلى ورقة نقدية ذات فئة 20 مليون ليرة والتي تعادل 15 دولاراً، وهذا الانتقال من العملة القديمة إلى العملة الجديدة سهل عملية احتساب الرواتب، حيث كانت تحتسب بالمليارات والميزانية السنوية بالكوادرليون (ألف تريليون).

أما على صعيد اقتصادات الدول العربية، فالبنك الدولي نصح الحكومة اللبنانية بعدم تخفيض قيمة الليرة اللبنانية، ولكنه حثها على الشروع في برنامج الخصخصة وتعزيز كفاءة النظام الضريبي لتقليص الدين العام الهائل.

أما المغرب فقد رفضت هي الأخرى تخفيض عملتها الوطنية الدرهم حيث سبق وأن خفضتها بنسبة 5% إلى حوالي 5,11 درهما للدولار الواحد وكان له تأثير إيجابي على أسعار الصرف، وفيما يتعلق بالهبوط الكبير الذي سجله الدولار الأميركي أمام اليورو والإسترلينيني خلال الفترة الماضية وانعكاسه سلبا على أداء الدرهم الإماراتي، فقد أشار تقرير لغرفة تجارة وصناعة دبي إلى أن الانخفاض المستمر للدولار مقابل اليورو زاد من تكلفة واردات الدولة من الاتحاد الأوروبي وأن الكلفة الإضافية يتحملها المستهلكون في شكل أسعار أعلى للمنتجات، وعلى الرغم ما يشهد الاقتصاد الإماراتي من ضغوط تضخمية، فقد أكد التقرير بأن المسؤول الأول عنها سوق السكن والإيجارات.

ولكي تؤدي النقود وظائفها، فلا بد من توافر شرط هام، هو استقرار قيمة النقود، أي الحفاظ على قوتها الشرائية، وهو ما يعني استقرار مقدار السلع والخدمات التي تشتريها وحدة النقد المحلي، وأن هناك علاقة عكسية بين قيمة النقود والمستوى العام للأسعار، فقيمة النقود تنخفض أو تتدهور إذا اتجهت الأسعار نحو الارتفاع، وقيمتها تتجه للتزايد كلما اتجهت الأسعار نحو الانخفاض.

ولهذا يقول الاقتصاديون، إن قيمة النقود تساوي مقلوب المستوى العام للأسعار، كما أن استقرار قيمة النقود هو الذي يسبغ عليها ثقة المواطنين فيها، لذلك تظهر أهمية التنسيق والتوأمة بين السياستين المالية والنقدية واستخدام السلطتين المالية والنقدية لأدوات سياستهما للتأثير على الوضع الاقتصادي سواء كان يعاني من الضغوط التضخمية أو من الركود الاقتصادي.

كاتب ومحلل اقتصادي

Kutaiba@emirates.net.ae