قال محللون إن بيلاروسيا تعلق الآمال من جديد في حل مشاكل اقتصادها على حساب روسيا بعد أن تراكمت ديونها الناتجة عن توريدات الغاز الروسي بمقدار 450 مليون دولار. وأعلنت شركة غازبروم الروسية العملاقة التي هددت بخفض شحناتها من الغاز إلى بيلاروسيا إن لم تدفع ديونها إنها أرجأت تنفيذ قرارها بعد تسديد قسم من الديون المستحقة.

وقالت غازبروم في بيان «قامت شركة بلترانسغاز التي تستثمر أنابيب الغاز البيلاروسية بتسديد الدفعة الأولى لجزء مهم من الديون». وأضاف البيان «نتيجة ذلك قررنا تأجيل خفض شحنات الغاز». وكانت غازبروم هددت منتصف الأسبوع الماضي بأنها ستخفض صادراتها من الغاز إلى بيلاروسيا بنسبة 45% اعتبارا من أمس إن لم تسدد ديونها.

ووعد الرئيس البيلاروسي الكسندر لوكاتشنكو الخميس بتسديد ديون بلاده لغازبروم بسرعة. وبموجب عقد موقع مع بيلاروسيا أواخر 2006 كان يتوجب على شركة بلترانسغاز التي تستثمر أنابيب الغاز البيلاروسية أن تسدد مبلغ 456 مليون دولار في 23 يوليو، لكنها لم تفعل ذلك. وانتهى في منتصب هذا الأسبوع لقاء رئيسي وزراء البلدين في موسكو دون نتيجة. ولم يتسن لمينسك الحصول على قرض من روسيا لتسديد ديونها الآنفة الذكر.

وفي الحقيقة توجد لدى بيلاروسيا أموال. من الممكن تسديد الديون، مثلا، من فائض الميزانية البيلاروسية. فقد شكلت إيراداتها خلال الفترة يناير ـ يونيو 7, 7 مليارات دولار والنفقات ـ 95, 6 مليارات دولار. كما حولت شركة «غازبروم» الروسية إلى الخزينة البيلاروسية في بداية يونيو الماضي 625 مليون دولار لقاء حصة قدرها 5ر12 بالمائة من أسهم شركة «بيل ترانس غاز» البيلاروسية اشترتها «غازبروم».

ويرى بعض المحللين أن موسكو زجت بنفسها في مأزق. فقد كان واضحا منذ مايو أن الأموال من بيع أسهم «بيل ترانس غاز» إلى «غاز بروم» لن تصرف على تسديد الديون. وأعلن النائب الأول لرئيس الوزراء البيلوروسي فلاديمير سيماشكو وقتئذ بصراحة عن نية تحويل هذه الأموال إلى صندوق التنمية الوطنية لتنفيذ مشاريع استثمارية.

ولم يكن يجدر التعويل على أن تسدد بيلاروسيا لروسيا على عجل من احتياطي البنك الوطني من العملات الصعبة. وأوضح أحدهم «لقد تعلمت مينسك منذ أمد بعيد كيفية استخلاص أقصى المنافع من علاقاتها الوثيقة مع روسيا. وإن الامتناع عن تسديد مستحقات الغاز والضغط على موسكو لتقديم قرض بمليار دولار كل هذا يجري من أجل تحسين حالة اقتصادها على حساب روسيا.وتحتاج مينسك حاليا إلى عملات صعبة من أجل تعويض العجز في ميزانها التجاري».

وفاق الاستيراد التصدير خلال الفترة يناير ـ مايو عام 2007 وفقا لمعلومات البنك الوطني البيلاروسي بمقدار 6ر881 مليون دولار. كما شكلت متأخرات ديون الشركات والمؤسسات البيلاروسية المستحقة للجهات الأجنبية، بدون ديون «غازبروم»، 295 مليون دولار. وكان احتياطي العملات الأجنبية لدى البنك الوطني البيلاروسي في نهاية يونيو 9,2 مليار دولار فقط. ويشكل ميزان المدفوعات الضعيف أحد أضعف حلقات «المعجزة الاقتصادية البيلاروسية».

فقد شكلت وتائر نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في النصف الأول من السنة 9,8 بالمائة وبلغ معدل التضخم منذ بداية السنة 5,3 بالمائة وزاد الإنتاج الصناعي بنسبة 7 ,7 بالمائة. ولكن التبعية المتنامية لأموال التصدير والاستيراد تؤدي إلى الإخلال بالموازنة في هذا النموذج الاقتصادي. لكن في الجانب الآخر يرى البعض أنه لا خوف من العجز في الميزان التجاري إذا تسنى تعويضه بتدفق رأس المال. ولكن المناخ الاستثماري في بيلاروسيا مقارنة بكافة بلدان أوروبا أغلب الظن غير جذاب أبدا. لذا يتوجه المستثمرون الأجانب إلى البلد دون رغبة. فالصناعة تخضع للدولة التي ليست على عجل لإعطاء المستثمرين ممتلكاتها عن طريق عمليات الخصخصة.

وليس على الدوام يتسنى للحكومة البيلاروسية الحصول على قروض أجنبية. فقد كان من المفروض أن يجري في هذه السنة استلاف مليار دولار من الصين ومليار آخر من أحد البنوك النمساوية، كما كانت مينسك تنوي الحصول على 10 مليارات روبل بعرضها سندات في بورصة موسكو المصرفية. غير أن هذه النوايا لم تترجم إلى الواقع العملي باستثناء وعد فنزويلا بتقديم 500 مليون دولار في إطار مشاريع استثمارية مشتركة.

والمؤكد أنه إذا تعرضت سوق العملات في بيلاروسيا إلى أزمة جديدة ستواجه العملة البيلاروسية ومعها كل اقتصاد البلد هزات قوية. وكانت الإشارة الأولي في بداية السنة عندما بدأ البيلاروس على خلفية الخلاف مع روسيا بالتخلص من الروبل البيلوروسي. وتسنى للبنك الوطني وقتئذ إشاعة الاستقرار بعد تعبئة كل إمكانيات التسليف لدى بنوك الدولة وتقليص السيولة النقدية في السوق بشكل ملموس. ولكن الوضع لم يتغير منذ ذلك الحين بشكل جذري. فلم تبدأ عمليات خصخصة ممتلكات الدولة الكبيرة. ولم يتحسن مناخ النشاط الاقتصادي الخاص.

ويرى ستانيسلاف بوغدانكيفيتش المحافظ السابق للبنك الوطني البيلاروسي أنه إذا لم تتخذ الإجراءات اللازمة فستبدأ في الاقتصاد البيلاروسي في عام 2008 مشاكل جدية. وإذا تعين تسديد قيمة النفط والغاز بالأسعار العالمية فسيتعرض اقتصاد البلد في عام 2011 إلى كارثة. وفي ظل هذا الوضع يبدو قرار مينسك استغلال روسيا لتحسين أمورها منطقيا تماما. فأين غير الجارة الشرقية الصبورة تستطيع مينسك استلاف قرض دعم «سهل» بمبلغ ملياري دولار؟

(وكالات)