على هامش مهرجان الفيلم العربي في وهران، التقينا رئيسه حمراوي حبيب شوقي الذي خص «البيان» بحوار حول انطلاقته الأولى، والأهداف التي يسعى إليها لتعزيز الساحة السينمائية العربية، وكان شوقي جريئاً ورحباً في إجاباته عن أسئلتنا.. وفي ما يأتي مجريات اللقاء:

ـ هل المهرجان عملية مواجهة ضد التطرف، أو ما يسمى الخط المتزمت والمنغلق بغية إعادة الجزائر إلى وجهها الثقافي الغائب إلى حد ما في السنوات الأخيرة؟

ـ ليست المسألة مواجهة بقدر ما هي إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي. ما هو غير طبيعي هو الإرهاب، وما هو طبيعي هو الثقافة. وعندما تعود الأمور إلى مكانها الحقيقي، يُلغى ما هو غير طبيعي ويزيحه. من البديهي أن عودة المياه إلى مجاريها وعودة الانتعاش بعد الاستقرار للحالة الثقافية تفتح المجال للفكر والعطاء وتبادل الأفكار وتلاقحها، وتقلص من هامش التطرف والتعصب. نعم، نحن نمثل ثقافة الحياة، بينما الإرهاب يمثل ثقافة الموت.

نمثل ثقافة الأمل والإرهاب يمثل ثقافة اليأس. نحن نمثل ثقافة الانطلاق، والإرهاب يمثل ثقافة الانغلاق. ومن الطبيعي أن نكون في معسكر الحياة والطبيعة، ومعسكر الحياة التي يجب أن تنمو وأن لا يكون هناك واضع حد لها إلا الله.

أما نحن فعلى هذه الأرض من أجل أن نبدع وننتج ومن أجل أن نتحاور ونتثقف ونتعارف على الأقوام والشعوب. والأكرم هو الأبقى والأصلح. في الأصل، لم تكن الديانات منطلقاً للأحقاد والتطرف والتعصب. ومن أعظم صفات الله في القرآن الكريم «الرحمن».

ـ ما التحديات في ظل هذه الأوضاع الصعبة؟

ـ الحياة مستمرّة. أن تكون ثمة حرب في العراق أو لبنان، لا يعني أن الشاعر لن يكتب شعره، أو أن الرسام لن يخرج ريشته. في الماضي كان يحتاج المبدع جنة من قصور من أجل أن يبدع. الإبداع موجود في كل الحالات، حتى الصعبة منها. الانتعاش الثقافي ليس طارئاً على الجزائر.

لكن الصورة خارج الجزائر قاتمة.. يعتقدون أن الناس متخندقة. فقط من يعيش مثل الحالة التي عشناها يعرف أن الحياة مستمرّة. السنة الماضية، في حرب (يوليو) كنت في بيروت، وعندما كنت أدخل إلى غرفتي في الفندق، وأرى قنوات التلفزة، كنت أرى صورة أخرى.

نحن في مدينة هناك على الأقل ثلاثة رموز وهرانية أساسية لمكافحة الإرهاب: الشاب حسني، الذي استشهد، وكان من أفضل أصواتنا في الرأي. ثم يأتي عبد القادر علولة، رائد من رواد المسرح الجزائري، وقد اغتيل في وهران. وأيضاً الروائي والشاعر بختي بن أودة الذي قتله الإرهابيون في وهران. لا أقول إنني جئت بالمهرجان كي أواجه هذا أو ذاك. كل ما في الأمر أن مهرجان وهران للفيلم العربي هو استمرارية لمدينة العطاء التي هي وهران.

أما بالنسبة لقضايا الفضائح والصور، فمنذ أن كنت في الحكومة أتعرض ل«الصيد». ليس هذا جديداً بالنسبة إلي. عادة، لا أجيب. فقط لأن أسمي شوقي، أجيب ما يقوله أحمد شوقي: لكل داء دواء يستطب به، إلا الحماقة. لا تقلقني الصحافة الصفراء والزرقاء، لأن شجرة واحدة لا تحجب الغابة.

ـ ما يواجهه اليوم مهرجان وهران من عرض أفلام معروضة أصلاً، تواجهه أكثر المهرجانات السينمائية العربية، فالأفلام ذاتها تدور على هذه المهرجانات منذ نحو ثلاث سنوات. ماذا تستطيع هذه المهرجانات أن تقدم للثقافة العربية وللفن السينمائي العربي من دفع إلى الأمام لتزيد الانتاجات العربية وصولاً إلى كم ونوع إنتاجي مقبول ..

والموضوع الآخر هو أن المهرجانات السينمائية ليست لتعرض أفلاما فحسب، هناك فعاليات أخرى منها التسويق والإنتاج والبحوث. أتفهم أنكم في مهرجان وهران لا تزالون في الدورة الأولى، لكن هل ستلحظون هذه الأمور في الدورات المقبلة؟

ـ ثمة أفلام عربية كثيرة تنتج في البلاد العربية، وأخرى تنتج في المهجر. لكن الأفلام الكبيرة ليست بالعشرات سنوياً. بالنسبة للمهرجان ومحتوياته، فالواقع أننا تأخرنا في التحضير، وقد تم تأجيل المهرجان لظروف معينة إلى هذا الشهر، وهو شهر عطلة وصعب جداً، وكان ينبغي أن ننسق مع جهات أخرى، لكن لم يسعفنا ضيق الوقت.

لذلك، لم نعقد ندوات، وتركنا هذا الأمر للسنة المقبلة بغية الإعلام عن وجود المهرجان. في الواقع هذه ليست الدورة الأولى إنما الدورة الصفر. بعض النجوم الكبار عندما يعرف أننا في دورة تأسيسية وتجريبية، يقول «لا تجرب بنا». لكن ضيوفا كبارا، مثل حسين فهمي، يقبلون الدعوة رغم معرفتهم بالموضوع.

هذه طبعة تأسيسية، أما الطبعة الأولى فستكون السنة المقبلة. المهرجان يجب أن يستمرّ في الإنتاج سنوياً: إنتاج مجلة شهرية عن السينما، كذلك سندعو عشرة أو خمسة عشر من أفضل المخرجين العرب لينتجوا خمس دقائق عن رؤيتهم لمرارة الحرب في كل من لبنان والعراق وفلسطين.

سنخرج بهذا النداء لكل السينمائيين وسنعمل على تمويل جزء كبير منه. سنمنح أيضا السنة المقبلة جائزة قدرها عشرون ألف دولار لأفضل مقالة نقدية عن السينما في العالم العربي. ونريد أن نلتفت إلى الصحافة المكتوبة، وإرجاع شيء من البريق إليها.

ـ هل تخافون قسوة الانتقادات الصحافية؟

- ليس قاسياً أن تقول الحقيقة. هذا شرف المهنة. أنا آخذ بعين الاعتبار الانتقادات كافة، وووجهت ملاحظات في كلمة الافتتاح قائلاً: «وأخيراً، وجد رئيس المهرجان غرفة في الفندق». أنا قاس مع نفسي والطاقم الذي يعمل معي، لا يعرف عن السينما كثيراً، والذي يتألف من شباب جلهم لا يعرف التنظيم الجيد. مع هذا المهرجان سيلد جيلاً من المنظمين والصحافيين.

الناس يقارنون بين هذا المهرجان وآخر. تريدون أن نكون مهرجان «ماكياج»، أي ان نشتري الناس ب«الألف دولار تحت الطاولة»، من أجل مقال. نحن لا نفعل هذا في الجزائر. انتقدوا ما تشاءون، فهذا يساعدنا وهذا صدق وإخلاص من جهتكم. في كل مهنة هناك شياطين وملائكة.

ـ انتقدت بعض الصحف المحلية في وهران حفل دعوات العشاء التي يقيمها المهرجان، كيف ترى إلى الأمر؟

ـ عندما نذهب إلى حفل عشاء مع فنانين، من البديهي أن يكون هناك رقص. فنحن لسنا في صلاة. لو قال لي رئيس الجمهورية «لا ترقص» لأنك مدير عام ووزير، سأقول له «أبحث عن شخص آخر». فأنا بشري: أضحك، وأمشي، وأبكي، وأصلي. لن تجرّدني من إنسانيتي.

إذا كان الآخرون يخافون من النقد، فأنا لا أخاف منه، لكن في المقابل لا أريد ان أكون تحت ضغط الصحافة وعبوديتها، وتالياً اقبل يد الصحافي ليكتب عني شيئاً جميلاً. لا، أنا أترك ذلك لضميره كي يقول الحقيقة بمرارتها، وإذا وجد أشياء جميلة يقولها كما هي. لكن، هناك البعض يبالغون بعض الشيء. نحن نأخذ الصحافيين على عاتقنا كي نوّفر ظروفاً جيدة لهم.

ـ كيف ستوازنون في المستقبل بين احتفالية المهرجان والبهرجة وبين الفعاليات الأكثر إفادة؟

- التوازن في المستقبل سيكون على مستوى الحوارات التي سنقوم بها بين السينما العربية وسينما الضيف. هذا العام استقبلنا السينما الاسبانية لكن لم نجرِ نشاطاً، لكن سنفتح بمناسبة استقبالنا للسينما الفرنسية العام المقبل، حوارات حقيقية بين السينمائيين العرب والفرنسيين، كيف تنظرون إلينا وكيف ننظر إليكم؟

ثم كيف نستطيع أن نشترك في الأفلام من دون أن ننصهر في ثقافتكم الغربية، ومن دون ان نجعلكم كلكم عرباً أو مسلمين؟ أما القيم الأخرى المتعلقة بالرؤى السينمائية، فسنتحاور في شأنها. كذلك يجب ان نتحاور حول التشريعات، بين تلك المعتمدة في فرنسا والأخرى المطبقة في البلدان العربية.. ما النماذج التحفيزية الأفضل كي تنطلق السينما؟

وسنهتم أكثر بانتاجات السينما الجزائرية التي لم تكن في اي مرحلة من مراحل وجودها، مكثفة في ما يتعلق بالعدد. الآن، هناك عودة للسينما، ثمة صندوق على مستوى وزارة الثقافة لدعم إنتاج السينما، وهناك عودة السينمائيين الذين كانوا موجودين في الغربة.

التلفزيون الجزائري يدعم إنتاج الأفلام التي تصور في الجزائر سواء كان الإنتاج مشتركاً ام جزائرياً مئة في المئة. نفكر أيضا في تأسيس معهد عال للسينما مع وزيرة الثقافة، نحن نضغط على الحكومة والمجتمع والاقتصاد ليكون هناك اهتمام أكبر في موضوع السينما.

حوار ـ حسين قطايا