التقى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الفنانين العرب المشاركين في مهرجان الفيلم العربي في وهران، وحيا جهودهم وجهود كل الفنانين والمثقفين العرب، واعتبرهم المشاعل التي سوف تنير درب التطور في العالم العربي. واختتم اللقاء بصورة تذكارية جمعت إلى جانب بوتفليقة رئيس المهرجان حبيب شوقي حمراوي وحشد غفير من الفنانين والصحفيين المدعوين إلى المهرجان.

في هذا الوقت، واصلت مدينة وهران الجزائرية الاحتفاء بالصورة العربية لليوم الثالث من المهرجان، وتوالت العروض المتنافسة في مسابقتي الأفلام الطويلة والقصيرة، وعرضت مجموعة كبيرة من الأفلام القصيرة بشكل مضاعف للتعويض زمنيا عما لم يعرض في اليوم الثاني للمهرجان.

وبرز أمس فيلم المخرج الفلسطيني مهدي فليفل «شادي في أحسن حالاته»، وفيلم لبناني لليافع رأي قديح تحت عنوان «وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح»، فأضافا لمسة فيها الكثير من شغف الموهبة على نهارات واماسي مهرجان وهران،

وبشرا معا بولادة مخرجين سوف يكون لهما مكانة مرموقة في مستقبل صناعة الصورة العربية، إذا ما استمرا وحافظا على ما بدآه، وسط احتمالات بأن الجائزة الأولى لمسابقة الأفلام القصيرة سوف تحوم حول هذين الشريطين.

«شادي في أحسن حالاته» يروي مخرجه فليفل ب 12 دقيقة قصة مراهق فلسطيني في مخيم عين الحلوة في لبنان، يتمتع ببراءة شاعرية، ويعيش مع طيوره على سطح بيته، إلى ان يسرق له مراهق آخر احد طيوره، فيقف عاجزا أمام استرداده من غير أن يرضى احد بمساعدته بحجة أن السارق أصغر عمرا وحجما من شادي.

فوالده يعتبر أن لا خسارة بعد خسارة فلسطين، لكن شادي يسترد الطير المسروق بسياسة التبادل أمام رعونة السارق وغطرسته. رموز بسيطة لا تظهر قصديتها للوهلة الأولى إلا بعد تمعن. المهم ليست القصة البسيطة التي رواها مهدي فليفل، بل القالب الفني للرواية.

إضافة إلى كوادر مليئة بالحنان لا تستند على مرجعيات في السينما الفلسطينية أو العربية. وهو شاب يتمتع برؤية فنية تكاد تكون متكاملة. كل من شاهد الشريط ابتسم وضحك وبكى. فالصورة القوية سيطرت على عواطف مشاهدها. صورة مشدودة بأوتار مشبعة بإنسانية وفن.

«وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح» مشروع تخرج اكاديمي لرامي قديح الذي سرد لنا حكاية من حي السلم في ضاحية بيروت الجنوبية، مدة الشريط طويلة لفيلم قصير(22دقيقة). لكن قديح استغلها بالكامل. لم يحشر ما هو غير ضروري في سرده الحكائي أو البصري. أحيانا نشعر باستعراض لقدرات قديح المونتاجية، لكنها ليست ثقيلة.

ولا شك أن المخرج اليافع سيعرف كيف يتخلص من تلك المبالغة في أعماله المقبلة، فهو يتمتع بذكاء مهني مستند على موهبة فياضة تجعل من الأخطاء بعيدة عن عمله. اهمية هذا الشريط انه لا يثرثر. يخطو بتراكمه الدرامي خفيفا.

مجموعة من مراهقي الحارة بينهم العاطل عن العمل، والتلميذ، ومتعاطي الممنوعات، والفتوات، والعاشق المراهق، الذي يقع في مشكلة كبيرة مع فتوة الحارة. تنتهي الأحداث بما خطط له دراميا. بعيدا عن الافتعال أو الارتجال. يبدو قديح محترفا في رسم سياق شريطه. يحافظ على معان بصرية قوية، وعلى المادة الفيلمية الحكائية.

الأفلام القصيرة الأخرى التي عرضت كانت متوسطة المستوى أوما دون. رينا خوري من فلسطين قدمت «شرق غرب» عمل مقبول. فنياته جيدة. لكنه لم يصرح بقوليته بوضوح. بدا تمرينا أكثر منه شريطا مكتملا. دارينا الجندي الممثلة المعروفة اخرجت شريطها البكر و«اليتيم» كما قالت. متوسط الحال فيه فيلم عن اللافيلم.

شعرت انه حجة لان تطلق فيه الجندي صرخة بوجه الواقع. صرخة تختصر صرخات المواطنين العرب في مواجهة أوضاعهم المزرية. «الرغبة الأخيرة» إخراج زياد شحود( 08 دقائق). فيه كاميرا سابحة في فضاءات حياة احدهم ما قبل الانتحار. الفيلم فنيا متوسط الحال ويفتقر إلى الكثير في مادة السيناريو ونواح أخرى.

المسابقة الكبرى

«حكاية بحرينية» للمخرج البحريني بسام الذوادي، من إنتاج العام الماضي. عرض العمل في مهرجان دبي السينمائي في دورته الثالثة. حكاية الشريط تنطلق من حكاية محلية بحرينية وتعبر عن واقع عربي شامل. فيه طرح لمشكلة المجتمع الأبوي، وللقهر الذي تتعرض له المرأة في مجتمعات ينغلق على أزماته ويكبت الحديث عنها حتى تنفجر بوجهه.

المخرج الذوادي عمل في هذا الفيلم بأسلبة مباشرة وتعبيرية. مع ان كوادره أحياناً تبدو كأنها مشغولة في صيغة الأفلام التسجيلية. فالصورة مبنية في«حكاية بحرينية» أمام المشاهد مباشرة. يساعدها على ان تكون كذلك القصة التي كتبها علاء الأسواني، والسيناريو الفج بواقعيته من أعمال فريد رمضان.

فيلم جيد. حظه بالفوز بجائزة قليل، أمام ثلاثة أفلام في المسابقة الكبرى قوية جدا. هي: «بابا عزيز» للمخرج ناصر خمير. و«آخر فيلم» للتونسي نوري بوزيد. و«يا له من عالم مدهش» للمغربي فوزي بن سعيدي.

«موريتوري» من إخراج الجزائري عكاشة تويتة. مقتبس عن ثلاثية روائية من تأليف ياسمينة خضرة تحت عناوين: «موريتوري»، «الأبيض المزدوج»، «خريف الأوهام». وهي حكايا مستوحاة من تجربة شخصية لأحد ضباط الشرطة الجزائريين الذين كانوا على تماس مع الأحداث الإرهابية الكبرى التي أصابت الجزائر في تسعينيات القرن المنصرم. المتن الروائي ركيك.

وكذلك الأسلوب الإخراجي لتويتة بكل المقاييس الفنية والتقنية. يسجن مشاهديه للساعتين إلا ربع من غير أن يؤثر بهم. بل على العكس لا يحرض على معرفة أحداث رواية أحدثت ضجة حين نشرت.

الجزائر ـ حسين قطايا