تستمر المنافسة بين الأفلام العربية المشاركة في المهرجان الدولي للفيلم العربي في وهران في دورته الأولى، وفي اليوم الثاني على انطلاق الفعاليات تم عرض ثلاثة أفلام روائية طويلة هي: «أبواب الجنة»، «غير صالح للعرض»، و«عائشات». وتم تأجيل عروض الأفلام القصيرة التي كانت مقررة على جدول العروض من لبنان وفلسطين، لسبب تقني سوف يعالج بوقت سريع حسب وعود إدارة المهرجان، في حين ظهرت بعض الارتباكات التنظيمية المتوقعة وغير القاتلة في مهرجان ما زال في طور الولادة.

بعض الصحف المحلية انتقدت المهرجان، وركزت على الشكليات وعلى مسائل هامشية، فبدا الأمر متعمدا للإساءة والتشويه أكثر مما بدا كعملية نقد موضوعي لحدث ثقافي وفني له أهمية، في لحظة تحتاج فيها الجزائر ومدن عربية أخرى لان تنفض عن وجهها غبار الأحداث «الإرهابية» التي شوهت جزءا من وجه العرب الحضاري والثقافي. فها هي وهران تنفض الغبار عن ثقافة أصيلة وتبرز صور العرب.

«عائشات» للمخرج الجزائري سعيد ولد خليفة، فيلم صرخة للمرأة العربية بمواجهة المجتمع العربي الذي لا يعترف بحقوقها. المخرج ضبط ايقاع شريطه على احداث ووقائع حقيقية لحكاية حب وتحدي تحياها الفتاة سلمى (الممثلة ريم تاكوشت)، التي تقرر مواجهة أوضاع اقتصادية بائسة، في الرحيل إلى الجنوب والعمل في مركز قصي لاستخراج البترول. هناك تصطدم بواقع مخالف للتوقعات.

حيث ضحايا العنف اللواتي تعرضن للاغتصاب الجماعي، ويعشن آلامهن بمرارة وانكسار روحي وجسدي، أظهره المخرج بلا مواربة، وبتقنية فنية رقيقة وحساسة. ونصب سردية شريطه بين واقعين في بوتقة حقيقة اجتماعية واحدة، تتمركز حول فشل المؤسسات الرسمية «تاريخيا»، في صناعة اقتصاد جدي ينقذ الضحية من ان تسير إلى جلاد فقد عقله وإنسانيته، بعد ان فقد كل من الضحية والجلاد قوتهما.

«عائشات» فيلم مؤثر للمخرج خليفة الذي قدم حتى الآن أربعة أفلام روائية إضافة إلى فيلمه الأخير المعروض هنا. أعمال مسكونة بقضايا المجتمعات العربية من دون ان تكون إلى جانب جهة بمواجهة أخرى في صراعاتها الداخلية.

«غير صالح للعرض» من إخراج العراقي عدي رشيد الذي يصور مدينة بغداد، لحظة سقوطها تحت الاحتلال، وغياب سلطة وحلول أخرى، من دون ان يصور وجهي الغائب أو الحاضر الجديد، لكن هذا وذاك حاضر ظلهما على طول عرض الشريط (85دقيقة). مع ذلك السيناريو ضعيف، أو انه سيناريو عن لحظة ارتباك وفوضى أصابت مخرج الفيلم، حين راح يعد قصة حول ما حدث من خراب ودمار في بلده جراء الحرب.

قد يكون تعمد هذا في زمن مرتبك أيضا. الكاميرا تلتقط دمارا فعليا وليس ديكورا. جندي عراقي جريح ينازع، يحمله عراقي مدني ويأخذه إلى منزله حيث تعتني به الأم، لكنه لا يلبث ان يفارق الحياة. رب المنزل يسأل من أي منطقة الضحية في إشارة واضحة لتأسيس حالة اجتماعية جديدة بعد الاحتلال. حالة طائفية اغلب الظن نراها اليوم تقض مضجع الوطن العراقي وتمزقه.

يتحلى عدي رشيد بصناعة صورة سينمائية مكتملة من الناحيتين الفنية والتقنية. وكذلك هو في تأليف لغته البصرية، يبدو خاصا. ويبني متخيلا على صورة واقعية أصعب من الخيال. «أبواب الجنة»، من إخراج مشترك للمغربيين سويل وعماد النوري. يحكيان ثلاث قصص تدور في مدينة الدار البيضاء، الأولى تصور حكاية شاب يعاني من العوز فيضطر إلى الانحراف لعلاج أمه المريضة. الثانية تدور حول مدرسة بمعهد الفنون الجميلة مات زوجها، وتعوض عن نفسها بتبني قريب لها. والثالثة عن رجل يدعى إسماعيل، يحاول استنباط حياة جديدة بعد سجنه لخمس سنوات.

شريط جيد، أو مستواه «لا بأس» كما يقول أبناء المغرب العربي، لكنه يحتاج إلى الكثير ليصبح شريطا متكاملا. قيمته الفنية ليست اقل من الفيلمين المذكورين في هذه المقالة. لكنه أيضاً يعاني من مشاكل كثيرة. فرصه بالفوز بجوائز قد تكون ضعيفة هنا في وهران وفي مهرجانات أخرى. مع ان التمثيل فيه ملفت مع إسماعيل حجازي ولطيفة أحرار.

تنسيق مطلوب

وعلى هامش الفعاليات كان لنا لقاء مع رئيس لجنة تحكيم الأفلام الروائية الفنان حسين فهمي الذي قال في حديث خاص ل«البيان» حول كثرة المهرجانات السينمائية العربية: «هذه الظاهرة ليست سلبية ولو كانت أعداد المهرجانات في العالم العربي أكثر من انتاجاته. لأن المهرجانات بحد ذاتها تشكل عوامل مشجعة للسينمائيين، مخرجين ومنتجين على حد سواء، لتقديم أعمال جديدة. والمهرجانات في تراكمها ستولد حتما أجيالاً جديدة من السينمائيين العرب. لان المهرجان يقدم فرصة نادرة لتلاقح تجارب متنوعة ومختلفة فيما بينها».

من جهة أخرى، دعا حسين فهمي، بحكم خبرته في ترؤس مهرجانات سينمائية، إلى مزيد من التكامل والتنسيق بين المهرجانات العربية المتعددة والمنتعشة اليوم في العالم العربي، ومن أجل تحقيق ذلك طالب رؤساء تلك المهرجانات بإعداد برنامج عمل تشاوري يكون بمثابة أرضية للتعاون البيني، تدفع إلى مزيد من التنافس البناء والتكامل السينمائي والثقافي بين الدول العربية.

وعن مشكلة الإنتاج السينمائي العربي المشترك قال فهمي: «أنها واحدة من أعقد الملفات التي ما زالت تطرح على طاولة النقاشات بين السينمائيين العرب»، مستشهداً ومنوهاً في الوقت ذاته ببعض التجارب العربية كالجزائر ومصر وسوريا، مشيرا إلى أن الإنتاج العربي المشترك كضرورة سينمائية عربية سيرفع ضمن توصيات مهرجان وهران..

أما عن ظروف عمل اللجنة فقد أكد أنها تستجيب للمعايير الدولية، وأن إدارة المهرجان قد وفرت كل الإمكانيات، بما فيها عرض الفيلم وفق مقاس 35 ملم وبالصوت المجسم الرقمي «الدولي»، وهي شروط ضرورية متعارف عليها في أرقى المهرجانات العالمية.

الجزائر ـ حسين قطايا