أثقلت صناديق الفضة المدرج أسهمها في البورصات العالمية على التعاملات الآجلة للمعدن الأبيض في بورصة دبي للذهب والسلع، بسحبها كميات كبيرة من المعروض العالمي على نحو قاد إلى نقص حاد في الإمدادات، وهو ما ألقى بظلاله على تعاملات عقود الفضة الآجلة، وبروز صعوبات تتعلق بإمكانيات التسليم المادي للكميات المتضمنة في العقود التي يحل أجل استحقاقها.

وأثر هذا التغير الضخم في أسواق الفضة العالمية على أحجام تداول عقود الفضة الآجلة المتداولة في بورصة دبي للذهب والسلع، وذلك على الرغم من قيامها بدراسة كافة هذه المسائل والاحتمالات قبل إطلاقها لهذه العقود.

وتتردد معلومات مؤداها أن القائمين على بورصة دبي للذهب والسلع قد توصلوا إلى آلية بديلة عن التسليم المادي، وهي إتباع أسلوب التسوية النقدية لعقود الفضة الآجلة بهدف الحفاظ على مستويات تداولاتها المزدهرة.

وتعود بداية إطلاق الصناديق الاستثمارية المدعومة بالفضة والتي يجري تداول أسهمها في البورصات العالمية إلى منتصف العام الماضي بحصول شركة باركليز جلوبال انفيستورز احدى الشركات التابعة لمؤسسة باركليز على موافقة لجنة البورصات

وأسواق المال الأميركية بقيد أسهم صندوق استثماري مرتبط بالفضة في بورصة الأسهم الأميركية. وتلا ذلك، قيام المؤسسة في 28 إبريل 2006 بطرح 50 ألف سهم من صندوق «آى شيرز سيلفر ترست» للاكتتاب العام ويمثل السهم الواحد 10 أونصات من الفضة.

وانطوى إطلاق صندوق استثماري مدعوم بالفضة على تأثيرات ضخمة بالنسبة لأسواق الفضة العالمية، نظرا لاتسام السوق بالصغر والمحدودية والتشدد، فضلا عن أن الصندوق مثل ابتكارا في طريقة تملك الأفراد والمستثمرين للفضة مما زاد من طلبهم على الفضة.

و فتح إطلاق صندوق شركة باركليز كابتال إنفستورز المجال أمام بلورة اتجاه استثماري جديد على مستوى العالم لتأسيس صناديق مدعومة بالفضة في أماكن أخريا من العالم، إذ تردد في السوق حينذاك أن هناك صندوقا استثماريا مدعوما بالفضة في طور الإطلاق في دبي.

صعود الطلب الاستثماري

وقاد ها الاتجاه إلى صعود ضخم في الطلب الاستثماري على الفضة، وتفيد هنا أرقام مؤسسة «جي أف أم إس» للاستشارات في مجال المعادن ومقرها لندن أن الأشهر الأولى من عام 2006 قد شهدت عمليات شراء قائمة على التكهنات من جانب صناديق التحوط من المخاطر، وتلا ذلك، بروز فترة شهدت عمليات شراء وبيع مكثفتين في أعقاب إطلاق الصندوق الاستثماري المدعوم بالفضة والمدرج أسهمه في بورصة كوميكس.

وجاءت عمليات شراء الفضة لتغطية أسهم الصندوق، فيما جاءت عمليات البيع مدفوعة بالرغبة في جني الأرباح، واستفادت كذالك الفضة بشكل غير مباشر من تزايد اهتمام المستثمرين بالسلع كأوعية استثمارية، كما نما طلب مستثمري التجزئة الأفراد، وذلك خارج نطاق الصندوق الاستثماري المدعوم بالفضة وسلة منتجات السلع.

ارتفاع الأسعار

وعلى الرغم من تواضع حجم طلب مستثمري التجزئة في الولايات المتحدة، إلا أن مستثمري السبائك نشطوا في كل من السوقين، وفيما ارتفعت ممتلكات مستثمري التجزئة الأفراد من سبائك الفضة، زادت بشكل كبير مخزون السبائك في لندن بسبب تصاعد طلب المستثمرين على الصناديق الاستثمارية المدعومة بالفضة، ووصل حجم حيازة هذه الصناديق من سبائك الفضة بحلول نهاية شهر أكتوبر من عام 2006 إلى 78 ,104 ملايين أونصة.

وبناء على هذا الصعود الضخم في الطلب الاستثماري، سجلت أسعار الفضة خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2006 متوسطا قيمته 24 ,11 دولارا للأونصة، أي بزيادة سنوية نسبتها 58 %.

والجدير بالذكر هنا أن الطلب الاستثماري على الفضة في العالم قد ارتفع في عام 2005 بنسبة 23 % ليصل إلى 5,47 مليون أونصة، وساهم هذا الصعود في جني الفضة مكسبا سعريا خلال العام المذكور نسبته 10 %، وهو الأمر الذي أعطي قوة زخم لأن يسجل المعدن الأبيض ارتفاعات قياسية خلال النصف الأول من عام 2006، بحيث وصلت الأسعار في شهر إبريل الماضي إلى المستوى الذي كانت عليه في فبراير 1983.

مقومات السوق

ورصد تقرير مؤسسة «جي أف أم إس» أن الطلب الاستثماري مازال يمثل القوة المحركة لصعود أسعار المعدن الأبيض، وذلك بما يتجاوز المستوى التوازني بين الطلب والعرض، وأن الصندوق الاستثماري المدعوم بالفضة مازال يجذب المزيد من المستثمرين.

وتقدم المقومات الأساسية للسوق دعما لحالة النقص في الإمدادات التي تهيمن على أسواق الفضة، حيث أظهرت أرقام مؤسسة «جي أف أم إس» الواردة في الدراسة المسحية عن الفضة والمعنونة باسم «المسح العالمي للفضة 2007» أن الطلب العالمي على الفضة لأغراض التصنيع قد هبط قليلا في عام 2006 بنسبة 1% ليصل إلى 5, 840 مليون أونصة.

وذلك على الرغم من سلك المعدن الأصفر مسارا سعريا متقلبا، فيما جنت التطبيقات الصناعية التي تشكل أحد المكونات المهمة للطلب على الفضة مكسبا نسبته 6 % ليصل حجم الطلب إلى 430 مليون أونصة، وسجلت بذلك نموا متواصلا للعام الخامس على التوالي.

كما سجل الطلب الصيني نموا نسبته 4 ,10 %، فيما سجل الطلب الياباني نموا مبهرا نسبته 10 %، ونما كذلك الطلب الأميركي بنسبة 6 % ليصل حجمه إلى 8 ,106 ملايين أونصة، وساهم الطلب الصناعي في عام 2006 وللمرة الأولى بنسبة 50 % من إجمالي الطلب على المعدن الأبيض.

وأوضحت الدراسة المسحية أن الطلب على الفضة لأغراض تصنيع المجوهرات قد هبط خلال عام 2006 بنسبة 5 % نتيجة لتآكل الطلب في الهند نتيجة لارتفاع الأسعار، فيما نما هذا الطلب في كل من اندونيسيا والصين نموا مبهرا نسبته 18 % و 16 لكل منهما على التوالي.

وبالتالي، شهد الطلب على الفضة لاغراض تصنيع المجوهرات تراجعا في الدول التي تتميز بحساسية أسواقها للأسعار، وهو ما قاد إلى تراجع الطلب بمقدار 5,7 ملايين أونصة. وأشارت أرقام مؤسسة «جي أف أم إس» إلى أن الطلب على الفضة لأغراض التصوير الفوتغرافي قد هبط في عام 2006 بنسبة 10% ليصل إلى 8 ,145 مليون أونصة، وجاء أغلب هذا التراجع نتيجة التقدم الضخم في تكنولوجيات التصوير الرقمية.

أما على جانب العرض، فقد أوضحت أرقام مؤسسة «جي أف أم إس» أن إنتاج مناجم الفضة قد زاد بشكل طفيف في عام 2006، بتحقيقه مكاسب ملحوظة في أميركا اللاتينية وآسيا، حيث وصل إنتاج المناجم إلى 1 ,646 مليون أونصة، وتصدرت كل من بيرو والمكسيك واستراليا والصين قائمة أكبر الدول المنتجة للفضة.

نقص المعروض

وتوقع محللون أن يؤدي تأسيس صندوق استثماري مدعوم بالفضة إلى نقص المعروض من المعدن الأبيض، وذلك بناء على الدروس المستوحاة من خبرات قيد أسهم الصناديق المدعومة بالذهب، حيث سبق إدراج أسهم «إستريت تراكس» streetTracks في بورصة نيويورك التجارية، صعودا كبيرا في أسعار الذهب.

وعليه، رأى جون نادلر المحلل في bullion dealers Kitco.com أنه لن يكون من السهل تجميع 130 مليون أونصة المطلوبة لأجل تأسيس الصندوق الاستثماري المدعوم بالفضة، وإدراج أسهمه في البورصة، حيث لن تكون هذه الكميات متيسرة للمستثمرين الذين بدأوا لتوهم في الانجذاب للفضة مما أرسل أسعارها إلى ارتفاعات جديدة.

وفي السياق ذاته، توقع جيمس مور المحلل في TheBullionDesk.com ومقرها لندن أن يخيم التقلب على سوق الفضة لبعض الوقت، كما عبر بيتر جرانديش محرر نشرة «جرانديش» عن اعتقاده بأن الموافقة على إدراج أسهم الصندوق المرتبط بالفضة يشكل الحدث الأكبر في تاريخ الفضة منذ قيام الشقيقين نيلسون بينكر هينت ووهيربيرت هنت هانت بتخزين كميات كبيرة من الفضة مما دفع الأسعار إلى مستويات فائقة.

ورصد كذالك رون جوديز مدير التداول بشركة Equidex Brokerage Group Inc ومقرها نيوجيرسي تزايد اهتمام المستثمرين بالصندوق الاستثماري المدعوم بالفضة على اعتبار أنه يفتح الباب أمامهم لامتلاك الفضة من دون الاقتناء المادي لها. وحذر من تقلبات الطلب الاستثماري القائم على التوقعات قائلا أن الأسعار شديدة الارتفاع ومازالت متقلبة ويجب على المستثمرين الحذر من عمليات التصحيح المفاجئة في السوق.

احتدام الجدل

وجاء تأسيس وادراج صندوق المدعوم بالفضة في وقت احتدم فيه الجدل بين الفاعلين في السوق بشأن الآثار التي سوف يخلفها الصندوق على صناعة الفضة في العالم، حيث انقسمت الآراء مابين مؤيد ومعارض.

وتولت جمعية مستخدمي الفضة الأميركية قيادة معسكر الرافضين لتأسيس الصندوق،وتمثل الجمعية الشركات التي تقوم بإنتاج وتوزيع وبيع الخدمات والمنتجات المرتبطة بالفضة، وقد قامت بإرسال خطاب إلى لجنة البورصة والأوراق المالية.

أعربت فيه عن قلقها من الانعكاسات السلبية الطويلة الأجل والتي ستنشأ عن الصندوق، وورد في متن خطابها أنه من شأن تأسيس الصندوق المدعوم بالفضة أن يؤدي إلى سحب كميات ضخمة من الفضة من السوق، وهو ما سيؤثر سلبا على صناعة الفضة والتوظيف وحذرت من أنه إذا ما تمت الموافقة على الصندوق فهذا سيكون معناه رفع تكاليف الإنتاج وخسارة الوظائف في قطاع صناعة الفضة.

وعلي الطرف الآخر، رحب مستثمرون بالصندوق الجديد على أنه يوفر طريقة ملائمة لشراء المعدن من دون تحمل رسوم النقل والتخزين، حيث أن هناك الكثير من المستثمرين يحجمون عن شراء المعدن الأبيض لعدم امتلاكهم الأماكن الملائمة للتخزين.

نمو تجارة الفضة في دبي

سلط تقرير صادر عن بورصة دبي للذهب والسلع الضوء على التجارة المادية على الفضة في دبي، وخلص إلى أن دبي سجلت نموا مؤثرا في تجارة الفضة خلال السنوات الثلاث الماضية. وتبين الأرقام الواردة في التقرير وجود نقلة نوعية ضخمة في سوق الفضة بدبي.

حيث ارتفعت الواردات من 25 مليون دولار فقط في عام 2002 إلى 252 مليون دولار في عام 2005، أي أنها تضاعفت نحو عشر مرات خلال ثلاث سنوات فقط، كما زادت تجارة إعادة تصدير الفضة من 5 ملايين دولار في عام 2002 إلى 166 مليون دولار في عام 2004، أي أنها تضاعفت ثلاث عشرة مرة خلال الفترة المذكورة.

دبي ـ مجدي عبيد