أكد طارق يوسف عميد كلية دبي للإدارة الحكومية أن المنطقة العربية تعاني من فجوة في تطبيق الحكومة الرشيدة سواء من حيث الأداء الحكومي أم المشاركة السياسية حيث تكشف المؤشرات تخلف المنطقة مقارنة بالعالم المتقدم.

وأوضح أن إمارة دبي تفوقت على الجميع في ترجمة متطلبات العولمة لأنها تمتلك الزخم التاريخي والإداري الذاتيين لمواكبة تلك التطورات وقال إن القيادة التنفيذية في الإمارات اتخذت إجراءات وقرارات مهمة لتطوير الأداء على مستوى التنافسية ولهذا احتلت المرتبة الأولى عربيا .

لكنه أشار إلى أن المنطقة العربية تعاني من فجوة الحكومة الرشيدة من حيث الأداء الحكومي والمشاركة السياسية في الوقت الذي همشت معظم الدول العربية تاريخيا دور القطاع الخاص بشكل كبير أو جعلته تابعا للقطاع الحكومي أو أنشأت القطاع العام لدعم القطاع الخاص الذي يعتبر وليدا جديدا غير قادر على النهوض بنفسه.

وأوضح أن الكلية شاركت بصفتها شريكا مؤسسيا وعلميا في المنتدى العالمي السابع المعني بالتغيير لمفهوم الحكم وبناء الثقة بالحكومات بين السادس والعشرين، والتاسع والعشرين بمقر الأمم المتحدة بفيينا بحضور عدد كبير من الوزراء والمسؤولين الحكوميين والبرلمانيين وممثلي المجتمع المدني.

وأشار إلى أن كلية دبي للإدارة الحكومية هي شريك رسمي في المنتدى واصطحبت عددا كبيرا من ممثلي حكومات المنطقة العربية إلى المنتدى وأنه تم مناقشة ملفات ساخنة مثل محاسبة الحكومات ومدى قابليتها للخضوع للمحاسبة في ظل تطورات العولمة ومدى الثقة فيها وكيفية الوصول إلى مفهوم الحكومات الرشيدة.

وأوضح أن المنطقة العربية تعاني من فجوة في الحوكمة وتطبيقات الحكومة الرشيدة سواء من حيث الأداء الحكومي أم المشاركة السياسية حيث تكشف المؤشرات إلى تخلف المنطقة مقارنة بالعالم المتقدم.

وهو ما قاد القائمين إلى ابتكار مصطلح فجوة أنظمة الحكم في المنطقة العربية إلا أن الفجوة في الأداء الحكومي أقل درجة من الفجوة في المشاركة السياسية وأن هناك من يرى بأن الحوكمة ليست خيارا بل مطلبا لترجمة أي برنامج تنموي إلى واقع ومن الأطروحات المتداولة كردود فعل تتباين بين السطحية والعمق.

فهناك من يرى في النموذج الصيني مثالا قابلا للتطبيق في المنطقة العربية وأن الديمقراطية ليست شرطا للتنمية مستدلين على التجارب الديمقراطية الفاشلة والمشاركة السياسية المتردية في بعض دول المنطقة.

وأضاف: هناك طرف آخر يرد على ذلك بأن تجربة الصين خالية من المشاركة السياسية إلا أن هناك مساءلة سياسية حتى في داخل الحزب الواحد وأن الرغبة في تطوير المشاركة السياسية نابع بالدرجة الأولى من الرغبة في تأسيس نظام يعتمد مبدأ المسألة السياسية لصناع القرار

وأن القاعدة تقول بأن معظم دول العالم التي تتبنى بالضرورة مبدأ المحاسبة يوجد فيها مبدأ المشاركة السياسية وأن الاستثناء هو ما يحدث في دول نامية مثل الصين التي يجب قراءة تجربتها بشكل صحيح ومتكامل ضمن الحركة التاريخية لنظامها السياسية والاجتماعي.

وقال: هناك حاجة ملحة لقراءة واقع المنطقة العربية بخصوصياته فمسيرة التنمية العربية شابها الانكسار والركود بعد انهيار أسعار النفط في الثمانينات من القرن الماضي وهو ما يعني أن المشاركة السياسية تصبح مطلبا متزامنا مع الإصلاح الاقتصادي والتنموي ومن الصعب بالتالي تطوير ذلك في ظل غياب المشاركة السياسية وطغيان الدولة على كافة أشكال الحياة السياسية والاقتصادية

وهو ما أنشأ تاريخيا مفهوم الدولة المتغولة والمحتكرة. وأنه في ظل غياب المشاركة السياسية والاجتماعية الحقيقيتين فمن الصعب بل من المستحيل أن تتخلى الدولة المهيمنة عن مكتسباتها وسلطاتها ومصالحها منذ نصف قرن تحت أي ظرف.

وأشار يوسف إلى أن هناك بعض الدول بدأت خطوات لتبني مبدأ المساءلة لأسباب كثيرة إلا أنها تراجعت عنها بعدما تعرضت ملفاتها إلى النقاش والمحاسبة وهو ما يؤكد أنه من الصعب في المنطقة الفصل بين مصالح الدولة ومصالح الحكومة لأن كليهما هو في النهاية يمثل النظام الذي يضع مصالحه فوق الجميع بدعوى أنه الضامن الوحيد للأمن والاستقرار والازدهار فالنظام في اللغة هو نقيض الفوضى والاضطرابات والانقلابات.

وقال إنه من المفارقات العجيبة أن الأنظمة الملكية استطاعت في المنطقة أن تحتوي حركة المجتمع السياسية والاقتصادية بينما فشلت الأنظمة الشمولية والمهيمنة في تلك المهمة. وأن بعض دول المنطقة ترفع شعار لا للمغامرة

وأن أوضاعها أفضل بكثير من دول في إفريقيا وآسيا وأن ما حققته ليس بأسوأ من غيرها وأن وصول نسبة البطالة إلى 15% أمر مقبول لديها ولكنها في الحقيقة لا تزال تعاني من عجز مزمن في مواكبة التحولات الاقتصادية الحديثة بما فيها العولمة وثورة الاتصالات.

وأشار إلى أن العولمة شكلت عامل ضغط مباشر على تلك الحكومات لاسيما الانفتاح التقني الذي جعل العالم ساحة مفتوحة أمام الشعوب وكشفت عورات وفجوات كثيرة فلم تعد أحلام الأجيال الجديدة مبنية خطاب الإعلام الرسمي المملوك من قبل الحكومات المحلية.

كما أن العولمة الاقتصادية التي تشمل سهولة تدفق الأموال والاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة وحركة تدفق السلع والتبادل التجاري الحر والانفتاح الذي يتطلب مستوى من الشفافية والتناغم مع متطلبات وقواعد اللعبة العالمية.

وأكد أن إمارة دبي تفوقت على جميع عواصم ودول المنطقة في ترجمة متطلبات العولمة في القرن الحادي والعشرين وأنها تمتلك الزخم التاريخي والإداري الذاتيين لمواكبة تلك التطورات والتأسيس عليها للمستقبل بينما لا تزال بقية المنطقة تعاني من تعقيدات ومشاكل داخلية تمنعها من فعل ذلك.

فالنظرة السائدة في المنطقة العربية للعولمة على أنها شكل من أشكال الاستعمار الجديد وضرب من الوصاية والاحتلال التقني والاقتصادي والبعبع الذي سيفرض المزيد من المشاكل والتعقيدات.

والحقيقة أن العولمة بكل ما تحمله من مخاوف ومخاطر ومحاذير ستأتي للمنطقة التي تعاني بما هو أخطر وأعمق بفرص حقيقية للنمو والديناميكية والتنافسية والانفتاح على العالم بل ستعيد إلى المنطقة دورها التاريخي الطبيعي الذي لعبته على مر العصور كمركز للانفتاح التجاري والثقافي على العالم.

وما حدث في الخمسين سنة الماضية من تقوقع وانغلاق على الذات تارة بدعوى حماية الذات القطرية وتارة للدفاع عن القضايا المصيرية أو غيره من الترهات هو ما جعل المنطقة تغرق في نصف قرن من الظلام والتدهور الاقتصادي.

القطاع الخاص بين الوصاية والقصور

وقال يوسف إن معظم الدول العربية همشت تاريخيا دور القطاع الخاص بشكل كبير أو أنها جعلته تابعا هامشيا للقطاع الحكومي أو أنها أنشأت القطاع العام لدعم القطاع الخاص الذي يعتبر وليدا جديدا غير قادر على النهوض بنفسه.

ولكن تلك الصورة بدأت تتغير منذ سنوات معدودة في دول الخليج لاسيما في الاقتصاد الإماراتي الذي فتح الأبواب أمام القطاع الخاص ليساهم في رسم ملامح المستقبل الاقتصادي وتحديات التنمية بالدولة وهو يضطلع بدور ريادي منذ فترة.

وفي إطار هذا التوجه ترى السلطة التنفيذية أن القطاع الخاص الذي يعتمد بشكل أو آخر على القطاع الحكومي أو العام سيتبع مسيرة تطويرهما بل هو ما سيدفع بالخاص للعب دور أكبر وأكثر حرية في المستقبل.

وأشار إلى أن الخط الفاصل بين القطاعين العام والخاص في دول الخليج تحديدا لا يزال ضبابيا إذ نجد تداخلا وربما تماهيا كبيرا بينهما في العديد من الجوانب على عكس الدول الأخرى إلا أن هذا التداخل قد يكون مفيدا في ظل الخطط الموضوعة لتطوير أداء القطاع الحكومي وهو ما سنعكس إيجاباً على القطاع الخاص.

وقال إن العولمة والتنافسية ليسا ضربا من الترف الاقتصادي أو خيارا قابلا للتبني أو الرفض من قبل الدول بل أدوات ضرورية لتحقيق التنمية الشاملة فيها وأن أخطر ما في هذا الجانب هو تحول مفهوم التنافسية إلى حالة هوس كما حدث في الولايات الأميركية المتحدة وغيرها بل وضعها في إطارها الصحيح كأداة قياس علمية لمستوى أداء القطاعات المختلفة.