احتضن مقر الأمم المتحدة في العاصمة النمساوية فيينا فعاليات المنتدى العالمي السابع لتحديث الإدارة الحكومية الذي نظمته الأمم المتحدة بين 26 إلى 29 يونيو الماضي، تحت عنوان(إعادة الثقة بالحكومات). وكان الحضور العربي الرسمي والأكاديمي فعالا، بفضل رعاية كلية دبي للإدارة الحكومية التي ترأست الوفود العربية إلى هناك بصفتها الراعي الأكاديمي للحدث.

الا أن النقاش في جلسات وورش العمل التي امتدت أربعة أيام كانت أكثر ثراء وجدية مما تحدث عنه الخبراء والأكاديميون والمسؤولون المشاركون فيه، فقد تركز السجال حول أولويات الإدارة الحكومية وإعادة الثقة فيها، في ظل تغييرات سياسية وديموغرافية دامية يعيشها العالم العربي.

وكان السؤال المطروح: هل يمكن أن تكسب الحكومات العربية ثقة شعوبها؟ وهل هي قادرة فعليا على ردم هوة الأزمة المزمنة تلك، مع تنامي تأثير العولمة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وتراجع دور الحكومات المحلية كقائد للرأي العام؟ ومع تدهور دور الإدارة الحكومية العربية في توفير الخدمات الأساسية لجمهورها وتفشي البطالة بين شبابها؟

أجمع المشاركون من الخبراء والمنظرين الإداريين على أن إمارة دبي تفوقت على الجميع في ترجمة متطلبات العولمة لأنها تمتلك التجربة الإدارية العالية والكافية لمواكبة تلك التطورات، ولأن القيادة التنفيذية في الإمارات اتخذت إجراءات وقرارات سابقة لوقتها لتطوير أداء مؤسساتها الحكومية.

وبالرغم من أن المنطقة العربية تعاني من غياب الحكومة الرشيدة من حيث الأداء الحكومي والمشاركة السياسية في الوقت الذي همشت معظم الدول العربية تاريخيا دور القطاع الخاص بشكل كبير أو جعلته تابعا للقطاع الحكومي أو أنشأت القطاع العام لدعم القطاع الخاص الذي يعتبر وليدا جديدا غير قادر على النهوض بنفسه.

وقد اشتد النقاش في الكواليس عن الصراع الخفي بين مؤسسات هيئة الأمم والبنك الدولي للإمساك بملف الحوكمة الرشيدة والإدارة الحكومية، في الوقت الذي كشفت الأحداث الأخيرة عن تورط البنك الدولي ممثلا بمسؤوليه في فضائح فساد إدارية واستغلال المناصب لمصالح شخصية.

وهو ما اعتبره المراقبون انتصارا للأمم المتحدة على البنك الدولي الذي كان يتفوق عليها في امتلاكه لخبرة أوسع في الجانب النظري والأكاديمي، بينما ذهب البعض إلى القول إن الطرفين توصلا إلى توزيع للأدوار بدون نشر غسيل بعضهما البعض أمام الملأ.

وركز جانب من الخبراء على حقيقة أن المنطقة العربية تعاني من فجوة تطبيقات الحكومة الرشيدة، سواء من حيث الأداء الحكومي أم المشاركة السياسية، لاسيما أن المؤشرات الدولية تكشف عن تخلف المنطقة مقارنة بالعالم المتقدم.

وشهد مقر الأمم المتحدة بفيينا نقاشات جانبية مشتعلة عن أنظمة الحكم في المنطقة العربية والفجوة الموجودة في الأداء الحكومي التي وإن كانت أقل تدهورا من الفجوة في المشاركة السياسية، فهناك من يرى بأن الحوكمة ليست خيارا بل مطلبا رئيسيا لترجمة أي برنامج تنموي إلى واقع.

وذهب بعض الخبراء إلى أن أي مشروع إصلاح أو تنمية للإدارات الحكومية لن يتأتى بدون تكريس مبدأ المشاركة السياسية في المنطقة وأن مبدأ المحاسبة في ظل أنظمة شمولية قائمة على فرد أو حزب محتكر للسلطة لن ينتج عنه أي تغيير أو تطوير حقيقي لنظام المؤسسات الحكومية.

وفي الجهة المقابلة نجد أصواتاً تؤكد أن المشاركة السياسية ليست هدفا لنفسها، وأن الديمقراطية ليست بالضرورة رديفا للتطور والبناء، فهناك عدد كبير من الدول تدهور اقتصادها وسادتها الفوضى المؤسسية، بسبب غياب الاستقرار السياسي، مستدلين بالنموذج الصيني مثالا قابلا للتطبيق في المنطقة العربية، وأن الديمقراطية ليست شرطا للتنمية بدليل التجارب الديمقراطية الفاشلة والمشاركة السياسية المتردية في بعض دول المنطقة.

ويرى الطرف الثالث من خبراء الإدارة أن المشكلة لا تكمن في وجود المشاركة السياسية من عدمه، بل في وجود الرغبة في تطوير المشاركة السياسية النابع من قناعة بتأسيس نظام يعتمد مبدأ المسالة السياسية حتى لو كان هذا النظام حزبا واحدا أو شخصا.

الا أنهم أشاروا إلى أن معظم دول العالم التي تتبنى بالضرورة مبدأ المحاسبة يوجد فيها مبدأ المشاركة السياسية، وأن الاستثناء هو ما يحدث في دول نامية مثل الصين وسنغافورة وغيرهما، إذ يجب قراءة تجاربها بشكل موضوعي.

ثقة مفقودة

وأكد احد المشاركين في المنتدى العالمي السابع حول تحديث الإدارة الحكومية في فينا، أن المشاركين منذ اليوم الأول أجمعوا على أن الحكومات في العالم وبنسبة 90% لا تحظى بثقة شعوبها لعدة أسباب أولها العولمة والتحولات الدولية الراهنة مثل قضايا السيادة الوطنية وبروز قوى سياسية واقتصادية جديدة مثل الشركات العابرة للقارات.

وأشار إلى أن السؤال المطروح للنقاش في المنتدى العالمي السابع بفيينا هو كيف نعيد الثقة بهذه الحكومات في ظل المتغيرات والمعطيات الموجودة، الا أن الأطروحات التي تقدم بها المشاركون في اليوم الأول ليست مقنعة بشكل عام، لأن الحديث عن نشر الديمقراطية كأسلوب لحل أزمة الثقة بين الحكومات وشعوبها عليه مآخذ كثيرة، فالديمقراطية والتعددية غالبا ما تقود إلى وجود معارضة تتولى تاريخيا مهمة التشكيك وزعزعة ثقة الشعب بحكومته.

أما الحديث عن إعادة الثقة بالحكومة من خلال محاربة الفساد، فهو كلام نظري لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع، لأنه من الواضح بأن الفساد أصبح جزءا لا يتجزأ من العمل الحكومي في الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية والدول المتقدمة وتلك المتخلفة.

وقال: هناك ثقافة ثقة بالحكومة يقابلها ثقافة الشك والاستهزاء بها، فهناك دول مثل أميركا تعاني حكوماتها من أزمة ثقة حادة بالرغم من وجود أنظمة محاسبة ومشاركة سياسية عالية فيها، والواضح أن الحداثة المرتبطة بعصر العولمة تتبنى علنا ثقافة الاستهزاء والشك والتشكيك بالحكومات، وهو ما يجعل إعادة الثقة بالحكومات مسالة غاية في التعقيد والصعوبة.

وأكد أنه على الحكومات التعايش مع هذا الواقع الذي يفرض نفسه بقوة، وأن عليها بذل جهد كبير لتزيد من مستوى ثقة شعوبها بها ولو بنسب قليلة، أما في الدول العربية فإن مسالة الثقة بالحكومات تصبح أكثر صعوبة لأن المنطقة عنيفة ومضطربة ولم تعد بعض الحكومات قادرة على توفير أبسط شروط الحياة لمواطنيها من الأمن والاستقرار كما في الصومال والسودان والعراق وفلسطين ولبنان.

وأعرب عن أمله في أن تلقى بعض المبادرات الجادة من قبل الأمم المتحدة التي أطلقت في المنتدى مثل (عمليات إعادة الثقة) صدى واسعا من قبل الدول المشاركة. داعيا الأمم المتحدة إلى تولي زمام المبادرة في هذا الاتجاه.

لاسيما أن هناك العديد من المنظمات الدولية الأخرى أيضا فقدت مصداقيتها أمام شعوب العالم، بسبب فضائح الفساد الإداري والأخلاقي التي عصفت بممثليها، كما حدث في البنك الدولي، وهو ما ينقلنا إلى مربع التساؤل عن مدى ثقة الشعوب لا بحكوماتها المحلية بل وبحكومة العالم المتمثلة بعصبة الأمم المتحدة.

وأشار إلى أن العولمة ليست بديلا عن الدولة، وأنه بالرغم من الضغوط الكبيرة التي تعرضت لها الحكومات على امتداد 15 سنة تقريبا الا أنها استطاعت الصمود والتكيف مع التغيرات التقنية والاقتصادية والسياسية التي فرضتها العولمة.

وقال إن تعرض الحكومات الفاسدة للضغوط الخارجية أيا كانت دوافعها السياسية أو المصلحية هو أمر جيد ويصب في صالح الشعوب الخاضعة لها، والتي لم تعد قادرة على تغيير شيء بسبب استبداد تلك الأنظمة بكل مرافق الحياة الاقتصادية الاجتماعية والسياسية والثقافية والإعلامية.

القطاع الخاص

وقال آخر أن معظم الدول العربية همشت تاريخيا دور القطاع الخاص بشكل كبير أو أنها جعلته تابعا هامشيا للقطاع الحكومي أو أنها أنشأت القطاع العام لدعم القطاع الخاص الذي يعتبر وليدا جديدا غير قادر على النهوض بنفسه.

ولكن تلك الصورة بدأت تتغير منذ سنوات معدودة في دول الخليج لاسيما في الاقتصاد الإماراتي الذي فتح الأبواب أمام القطاع الخاص ليساهم في رسم ملامح المستقبل الاقتصادي وتحديات التنمية بالدولة، وهو يضطلع بدور ريادي منذ فترة.

ولكن السؤال المطروح: هل يمكن الاعتماد على القطاع الخاص بدون إشراكه في الإستراتيجية الاتحادية، وهل يمكن تجاهل مطالبه التي أشير اليها في تقرير التنافسية الأخير. وفي إطار هذا التوجه، ترى السلطة التنفيذية أن القطاع الخاص الذي يعتمد بشكل أو آخر على القطاع الحكومي أو العام، سيتبع مسيرة تطويرهما، بل هو ما سيدفع بالخاص للعب دور أكبر وأكثر حرية في المستقبل.

وأشار إلى أن الخط الفاصل بين القطاعين العام والخاص في دول الخليج تحديدا لا يزال ضبابيا، إذ نجد تداخلا وربما تماهيا كبيرا بينهما في العديد من الجوانب، على عكس الدول الأخرى، الا أن هذا التداخل قد يكون مفيدا في ظل الخطط الموضوعة لتطوير أداء القطاع الحكومي، وهو ما سينعكس ايجابا على القطاع الخاص.

ويرى أصحاب هذا الرأي بأن العولمة والتنافسية ليسا ضربا من الترف الاقتصادي أو خيارا قابلا للتبني أو الرفض من قبل الدول بل أدوات ضرورية لتحقيق التنمية الشاملة فيها، وأن أخطر ما في هذا الجانب هو تحول مفهوم التنافسية إلى حالة هوس كما حدث في الولايات الأميركية المتحدة وغيرها، بل وضعها في إطارها الصحيح كأداة قياس علمية لمستوى أداء القطاعات المختلفة.

من جهته يرى غيدو بيرتوتشي مدير دائرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمنظمة الدولية ان نمط الإدارة وخطط التنمية القائم حاليا في المنطقة العربية فشلت في مواكبة التطورات العالمية السريعة، الأمر الذي أدى إلى وجود فجوة كبيرة بينها وبين بعض الدول الأخرى.

وينصح بيرتوتشى دول المنطقة أن تستحدث استراتيجياتها الجديدة بمشاركة اكاديميين اقتصاديين وسياسيين، وان تلعب دورا في تشجيع ريادة الأعمال وخلق البيئة التي تساعد على تسهيل قيام مشروعات صغيرة ومتوسطة. وضرورة الاهتمام بتنمية الموارد البشرية لدعم هذه الاستراتيجيات.

ويرى أن دبي بحكم موقعها المميز ونضوج تجربتها في أكثر من جانب قادرة على لعب دور المنارة والحاضنة الطبيعية لدعم وتشجيع بقية الدول العربية لتبني أسس إدارية وتنظيمية حديثة في حكوماتها، وعلى تبني استراتيجيات اقتصادية واستثمارية ترسم خططها التنموية خلال السنوات المقبلة، لأن نهج الدول العربية الحالي يعتمد على خطط «قديمة» تعود إلى عصر ما قبل الثورة الصناعية.

وأشاد المسؤول الاممي ببعض الدول الخليجية التي تبنت استراتيجيات جديدة بالفعل ونجحت في تنويع اقتصادها بعيدا من النفط وباتت تركز على قطاع التقنية والمال والأعمال، مشيرا إلى دولة الإمارات العربية المتحدة التي أطلقت حديثا استراتيجية تنموية متكاملة للسنوات العشر المقبلة، تشمل اعادة هيكلة الدوائر الحكومية وإطلاق مشاريع تنموية وزيادة مشاركة القطاع الخاص في التنمية.

وأكد أن مستوى «الفساد» في المنطقة العربية لا يختلف عن مستواه في أميركا وأوروبا قائلا إنه «من المدهش ان نتائج البحث الذي أجرته الأمم المتحدة حديثا أظهرت تشابه الدول، العظمى والنامية، في مستوى الفساد، وفي مقدار ثقة الشعوب بالحكومات لان نتائج البحث بينت أيضا أن الشعوب تثق في الجيش والشرطة والمؤسسات الدينية والأهلية، أكثر من ثقتها في البرلمان والأحزاب السياسية».

وقال إن تقرير الفساد الذي صدر عن الأمم المتحدة عام 2005، أثار جدلا في المنطقة العربية، لأنه صنف بعض دول المنطقة بين الدول الأكثر فسادا في العالم. مشيرا انه «ليس من السهل صوغ معيار لقياس الفساد، لذلك فان المنظمة الدولية ستغير أسلوب تقاريرها، وستركز أكثر على سبل تشجيع خفض مستوى الفساد في الدول، عوضا عن تصنيف الدول وترتيبها في ضمن قائمة أو مؤشر لقياس مستوى الفساد فيها ».

عجز اقتصادي مزمن

ويطرح البعض في الطرف الآخر ضرورة قراءة واقع المنطقة العربية بخصوصياته، فمسيرة التنمية العربية شابها الانكسار والركود خلال نصف القرن الماضي، وهو ما يعني أن المشاركة السياسية تصبح مطلبا متزامنا مع الإصلاح الاقتصادي والتنموي، ومن الصعب بالتالي تطوير ذلك في ظل غياب المشاركة السياسية وطغيان الدولة على كافة أشكال الحياة السياسية والاقتصادية.

ففي ظل غياب المشاركة السياسية والاجتماعية الحقيقيتين فمن الصعب بل من المستحيل أن تتخلى الدولة المهيمنة عن مكتسباتها وسلطاتها ومصالحها منذ نصف قرن تحت أي ظرف. ومن المفارقات العجيبة أن الأنظمة الملكية استطاعت في المنطقة أن تحتوي حركة المجتمع السياسية والاقتصادية، بينما فشلت الأنظمة الشمولية والمهيمنة في تلك المهمة.

وأن بعض دول المنطقة ترفع شعار لا للمغامرة وأن أوضاعها أفضل بكثير من دول في إفريقيا وآسيا وأن ما حققته ليس بأسوأ من غيرها، وأن وصول نسبة البطالة إلى 15% أمر مقبول لديها، ولكنها في الحقيقة لا تزال تعاني من عجز مزمن عن توفير الخدمات الأساسية للمجتمع مثل المياه والكهرباء.

عولمة المعلومات وثورة التقنية

وأشار إلى أن العولمة شكلت عامل ضغط مباشر على تلك الحكومات، لاسيما الانفتاح التقني الذي جعل العالم ساحة مفتوحة أمام الشعوب وكشفت عورات وفجوات كثيرة، فلم تعد أحلام الأجيال الجديدة مبنية خطاب الإعلام الرسمي المملوك من قبل الحكومات المحلية.

كما أن العولمة الاقتصادية التي تشمل سهولة تدفق الأموال والاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة وحركة تدفق السلع والتبادل التجاري الحر والانفتاح الذي يتطلب مستوى من الشفافية والتناغم مع متطلبات وقواعد اللعبة العالمية.

فالنظرة السائدة في المنطقة العربية للعولمة على أنها شكل من أشكال الاستعمار الجديد وضرب من الوصاية والاحتلال التقني والاقتصادي والبعبع الذي سيفرض المزيد من المشاكل والتعقيدات.

والحقيقة أن العولمة بكل ما تحمله من مخاوف ومخاطر ومحاذير ستأتي للمنطقة التي تعاني بما هو أخطر وأعمق بفرص حقيقية للنمو والديناميكية والتنافسية والانفتاح على العالم، بل ستعيد إلى المنطقة دورها التاريخي الطبيعي الذي لعبته على مر العصور كمركز للانفتاح التجاري والثقافي على العالم.

وما حدث في الخمسين سنة الماضية من تقوقع وانغلاق على الذات تارة بدعوى حماية الذات القطرية وتارة للدفاع عن القضايا المصيرية أو غيره من الترهات، هو ما جعل المنطقة تغرق في نصف قرن من الظلام والتدهور الاقتصادي.

مفهوم العولمة الاقتصادية

يقصد بالعولمة العمليات والسياسات التي تتسارع منذ مطلع تسعينات القرن العشرين، وتقود إلى تحولات شملت مختلف أبعاد النظام العالمي وشتى مناحي الحياة الإنسانية. وفى مطلع القرن الواحد والعشرين، أفرزت العولمة ثلاثة تحولات أساسية رغم أنها لا تزال في طور التشكيل.

أولها، تحول متسارع من المجتمع الصناعي إلى مجتمع المعلومات.

وثانيها، فتح أو انفتاح ـ أو إدماج أو اندماج ـ شتى الاقتصادات.

وثالثها، محاولة تنميط كافة أوجه الحياة الإنسانية، الاقتصادية وغير الاقتصادية، على الصورة التي تريدها القوى الكبرى المهيمنة.

ومن ثم فإننا لا نقصد بالعولمة الاقتصادية مجرد استمرار ما بدأ منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ حين جرى إلحاق الاقتصاد العربي بالسوق العالمية بتحويله إلى مزرعة وسوق لمنتجات الرأسمالية الصناعية. لكننا نقصد عملية جديدة نوعيا، تتلخص في عملية الانفتاح أو الاندماج في الاقتصاد العربي مع عملية العولمة الاقتصادية.

وقد تسارعت هذه العملية منذ العقد الأخير من القرن العشرين بفضل سياسات تحرير الأسواق الوطنية أمام تدفقات السلع والخدمات والاستثمارات والأموال، من جهة، وخفض تكاليف هذه التدفقات وتقليص الزمان والمكان في ظل ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، من جهة أخرى.

وتمثلت المؤشرات الرئيسية لهذه العملية في: تحرير وتنامي التجارة الدولية، ونمو الاستثمار الأجنبي المباشر، وتحرير أسواق الصرف وقطاع المال، وتحرير تدفقات رؤوس الأموال في القرية المالية العالمية.

والملفت أن اقتصاد السوق قد انتصر على اقتصاد الأوامر في المباراة الاقتصادية بين الإنتاج والتحديث، وأثمرت عولمة اقتصاد السوق ووظائف أفضل وإنتاجية أعلى، وأسهمت في تقليل الفقر العالمي.

لكن ما ترتب على العولمة الاقتصادية من إمكانيات وثروات وفرص ومكاسب هائلة توزع بشكل غير متكافئ سواء بالنسبة للمجتمعات أو داخلها، وبقيت غالبية البلدان بعيدة عن منافع العولمة ومهمشة عن إدارتها، وهو ما أدى إلى تكريس النمو غير المتكافئ في غير صالح غالبية البلدان والأقاليم، وتغيير الجغرافيا الاقتصادية للعالم لصالح قلة منها.

وثانيا: انتصار المنظومة الرأسمالية بعد استسلام الاتحاد السوفييتي السابق في الحرب العالمية الباردة، وهزيمة النظام الاشتراكي في المباراة الاقتصادية مع النظام الرأسمالي.

وثالثا، اختلال هيكل القوة العالمي، في ظل تفوق ساحق للقدرات الاقتصادية والمعرفية والعسكرية والسياسية وغيرها من عوامل القوة الشاملة للدولة لصالح القطب الأميركي المهيمن، والتفاوت الهائل في توزيع القدرات العالمية بين شتى الدول ومجموعات الدول، ومن ثم تباين قدراتها على إدارة العولمة وخاصة بالمشاركة في وضع قواعدها.

ورابعا، تبدل الأولويات في البيئة العالمية المتغيرة، بإعلاء غايات: التحول إلى اقتصاد السوق المفتوح، وتعظيم تنافسية المجتمعات والشركات، والارتقاء بنوعية التعليم والصحة والحياة، وبناء القدرات الوطنية للبحث والتطوير، وتوسيع المشاركة المجتمعية، وتفعيل المجتمع المدني، واحترام حقوق الإنسان، وتعزيز التحول الديمقراطي، وتمكين المرأة، وحماية البيئة، واحترام معايير العمل... الخ.

وخامسا، تطور الفكر الاقتصادي وغير الاقتصادي، في تعبيره عن المتغيرات السابقة وتأثيره عليها، حيث برزت مفاهيم التنمية البشرية والتنمية المستدامة وتنمية النوع والتنافسية العالمية والحكم الرشيد.. الخ، وأعيدت صياغة مفاهيم التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والتكامل الإقليمي والسيادة الوطنية والأمن القومي.. الخ.

دبي ـ محمد بيضا