تعاني معظم الدول العربية من ضعف في المقومات الرئيسية للإدارة الحكومية الرشيدة، مثل عدم وجود البنى التشريعية الملائمة، ومحدودية سلطة القانون والافتقار للشفافية الإدارية ولوسائل المشاركة في صنع القرار والمحاسبة، وبطء تجاوب الحكومة مع احتياجات المجتمع، وعدم الاهتمام الكافي بالعدالة الاجتماعية والمساواة وحماية حقوق الفرد.

وقد أثّرت هذه الحالة سلباً على جهود التنمية والإصلاح عربياً، الأمر المرشح للاستمرار بسبب افتقار الحكومات لثقافة التقييم وقياس الأداء في القطاع الحكومي، والتي يمكن أن تساعد هذه الحكومات على تقييم وضعها الراهن والإلمام بالعقبات الحقيقية حتى تتمكن من تخطيها.

فباستثناء تجربة دبي في مجال تقييم وقياس الأداء الحكومي من خلال «برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز»، تعتبر تجارب تقييم الأداء على المستوى الحكومي نادرةً في الدول العربية عموماً.

وتعاني مبادرات الحكومة الإلكترونية، كغيرها من المشاريع التنموية الحكومية العربية، من نقص في آليات التقييم وقياس الأداء، مما يشكل عاملاً رئيسياً في تكرار الأخطاء المرتكبة خلال تطبيق هذه المبادرات، الأمر الذي يعني الوقوع في حالات من الفشل الكلي أو الجزئي مراراً، دون التعلم من الأخطاء السابقة.

تعاني تجارب التقييم وقياس الأداء عربياً من معوقات عدة، أهمها: الجودة المتدنية للمعلومات المتاحة لصانع القرار والعاملين على التقييم، وعدم توفر منهجيات قياس ملائمة للقطاعات الحكومية العربية خاصةً. كما تعاني الدول العربية ذات المساحات الواسعة أو الكثافة السكانية المرتفعة من ارتفاع تكاليف جمع البيانات،

ما يجعل إجراء هذه العمليات أمراً ثانوياً على سلّم اهتمامات صنّاع القرار بسبب تكلفتها العالية، رغم إدراكهم لأهميتها. كما تشكل البنية التشريعية في كثير من الدول العربية عائقاً أمام جمع البيانات، حيث تتطلب العملية موافقات قانونية وأمنية عديدة،

الأمر الذي يعرقل جمع البيانات الهامة ويؤخر الاستفادة منها عند الحاجة للتقييم واتخاذ القرار. وتؤدي هذه العوائق مجتمعة إلى إبقاء عمليات التقييم والقياس في القطاع الحكومي متفرقةً وغير متكاملة، ما يقلل من الفائدة المرجوة منها في تقييم وتقويم القطاع الحكومي عامةً والحكومة الإلكترونية خاصة.

انعقد في كلية دبي للإدارة الحكومية مؤخراً الاجتماع الثالث لمجموعة العمل المختصة بالحكومة الإلكترونية وتبسيط الإجراءات الإدارية ضمن مبادرة «الإدارة الرشيدة لخدمة التنمية في الدول العربية».

وتكمن إحدى أهم نتائج الاجتماع الذي تركز حول تقييم وقياس أداء مبادرات الحكومة الإلكترونية عربياً، وضم ممثلين رسميين عن ست عشرة دولة عربية، إضافة إلى خبراء من البنك الدولي والأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في إجماع المشاركين على أن العالم العربي بحاجة ماسة لتعزيز ثقافة التقييم والقياس على مختلف الصّعد.

بالطبع، لا تخلو عمليات التقييم والقياس من السلبيات التي يجب أخذها في الاعتبار قبل إجراء التقييم، خاصة في الحالات ذات الطابع السياسي ضمن المؤسسات الحكومية وغير الحكومية على حد سواء. لكن في المقابل، يمكن أن تلعب عمليات التقييم والقياس دوراً رئيسياً في دفع قطاعات حكومية مختلفة قُدماً، ومن ضمنها الحكومة الإلكترونية.

فمثلاً، لا يلقى مبدأ الحكومة الإلكترونية بعد الدعم الكافي على المستوى السياسي في عدد من الدول النامية بما في ذلك عديد من الدول العربية، علماً أن الدعم السياسي يعد من أحد أهم مقومات نجاح مبادرات الحكومة الإلكترونية عالمياً.

ويمكن هنا ذكر مثالين بارزين عربياً في كل من تجربتي الإمارات ومصر في الأعوام القليلة الفائتة في مجال الحكومة الإلكترونية، حيث أثبتت التجربتان أن الدعم السياسي رفيع المستوى لمبادرات الحكومية الإلكترونية يؤدي غالباً إلى الإسراع في تطبيق هذه المبادرات وتذليل الكثير من العقبات التي عادةً ما تترافق مع عملية التطبيق.

وبالتالي يمكن أن تمثل عمليات التقييم وقياس الأداء دافعاً رئيسياً لتعزيز الدعم السياسي لهذه المبادرات. وهذا أمر لحظناه لدى العديد من مدراء مشروعات الحكومة الإلكترونية عربياً، والذين طالبونا خلال نقاشاتهم في كلية دبي للإدارة الحكومية بتزويدهم بدراسات قياس الأداء والمقارنة المعيارية التي أجريت على مستوى الحكومات الإلكترونية عربياً.

بهدف استخدام هذه الدراسات والوثائق كدليل و«حجّة» أمام القيادات السياسية في هذه البلدان لتبرير ضرورة دعم مبادرات الحكومة الإلكترونية أو لتبرير الإنفاق الحكومي في هذا المجال أمام قياداتهم السياسية. ينظر كثير من قادة الحكومات الإلكترونية عربياً إلى هذه المبادرات بكثير من الطموح.

لكن لابد أن يترافق هذا الطموح مع تعزيز لثقافة التقييم بهدف رفع جودة الإدارة الحكومية وتجاوز حالات الإخفاق في مبادرات ومشاريع الحكومة الإلكترونية عربياً، بغية الوصول إلى الأهداف الواعدة لهذه المبادرات في تعزيز الإدارة الحكومية الرشيدة في الدول العربية.