يقول محللون إنه ربما يكون من المبكر التنبؤ بما إذا كان غوردن براون رئيس الوزراء البريطاني الجديد سيدفع ببريطانيا نحو الانضمام إلى العملة الأوروبية الموحدة (اليورو)، فرئيس الوزراء البريطاني الجديد غوردن حريص كل الحرص على عدم الكشف عن أوراقه السياسية فالكثير من المحللين يعتبرون بأن قرار عدم اعتماد براون لليورو كان دوما ولا يزال قراراً سياسياً بالدرجة الأولى.

وليس اقتصاديا كما يتصور البعض. ويعطي غوردن براون الانطباع بان بريطانيا غير مستعدة بشكل كاف للانضمام الى اليورو حاليا، لكنها في الوقت ذاته قادرة على تحقيق ذلك في المستقبل. ففي الماضي لم يكن يخفى على أحد معاداة غوردن براون لأوروبا واليورو عندما كان وزيرا للمالية إبان حكم بلير رئيس الوزراء البريطاني المتنحي.

فكثيرا ما كان يحتدم الجدل والخلاف بينهما حول هذا الملف إلا أن كلاهما كانا شديد الحرص على أن لا تخرج تلك الخلافات للعلن وأن لا تفرد على صفحات الصحف البريطانية والتي كانت توقن بوجود عداء خفي ما بين الرجلين، فالصحف البريطانية كانت دائمة التعطش لمعرفة خفايا هذا العداء وآخر تطوراته، فتلك الخلافات كانت تشكل مادة دسمة لها.

وربما كان الحديث عن تأييد براون للحملة الإعلامية لانضمام بريطانيا لليورو في عام 2002 والتقارير التي تحدثت في ذلك الوقت عن تخويل براون مؤيديه للبدء في الحديث عن احتمالات انضمام بريطانيا لليورو وكذلك أحاديثه الخاصة والتي لم تنقطع عن ثقته بالاقتصاد البريطاني وبكونه بدأ يقترب من اجتياز الاختبارات الاقتصادية الخمسة

والتي وضعها براون والتي من شأنها تأهيل بريطانيا للانضمام إلى اليورو كانت مؤشرات على وجود هذا الخلاف فتأييد براون المفاجئ لانضمام بريطانيا إلى اليورو كان يعد تحولا كبيرا في موقفه وربما كان ينم عن ضغوط بليرية على براون للقبول بفكرة اليورو والاندماج الأوروبي.

إلا أنه وعلى الرغم من التحول الكبير في موقف براون تجاه اليورو إلا أنه كان يصر دوما ولايزال على أنه ليس هناك أي طريق قصير نحو اليورو، فهو يرى أنه ليس في صالح بريطانيا أن تنضم إلى اليورو إلا إذا كان هناك تقييم دقيق جدا للاختبارات الاقتصادية الخمسة.

في حين ترى دول الإتحاد الأوروبي الأخرى بأن الاختبارات الاقتصادية الخمسة والتي كان قد اختارها براون لايزال يكتنفها الغموض، كما أن قرار بريطانيا بعدم الانضمام إلى منطقة اليورو، يعزز وجهة النظر السائدة في باقي أجزاء أوروبا بأن بريطانيا لا تزال جزءا شبه منفصل عن الاتحاد الأوروبي.

مع إيقانهم بأن بريطانيا في نهاية المطاف لن يبقى أمامها خيار سوى القبول باليورو الأوروبي، فدول منطقة اليورو تأخذ فيما بينها وبشكل متزايد قرارات بشأن قيمة العملة، كما تقترح مسودة دستور الاتحاد الأوروبي وجميع تلك القرارات ستدخل في نهاية الأمر في إطار رسمي، وهو أمر ستعارضه بريطانيا ومن ثم قد لا يحدث.

ويرى الكثيرون إلى أن تردد بريطانيا في الانضمام لمنطقة اليورو على أنه جزء من العملية البطيئة التي تخوضها بريطانيا للانتقال من كونها دولة ذات طموحات عالمية واسعة إلى التيقن من أن أفضل دور لها سيكون في إطار العمل مع القوى الأوروبية الأخرى.

ومع استمرار إصرار غوردن براون رئيس الوزراء البريطاني الجديد على أن بلاده غير مستعدة بعد اقتصادياً للانضمام إلى العملة الأوروبية الموحدة اليورو، فإن هذا الإصرار يرضي أغلبية الشعب البريطاني المعادي لليورو ويثلج صدورهم لأنه يؤجل الانضمام ويعلقه على تحقق شروط تتصف بالتعميم والضبابية.

إلا أن هذا الإصرار لا يطمئن شركاء بريطانيا من الأوروبيين والذي أخذ صبرهم بالنفاد، فإصرار براون يغلق الباب أمام التحاق بريطانيا بقطار اليورو، والذي بات يضم 22 دولة أوروبية على الأقل، فالأوروبيون ربما باتوا أقل تفاؤلا مع تولي غوردن براون رئاسة الوزراء البريطانية فيما يتعلق بإمكانية انضمام بريطانيا لمنطقة اليورو في المستقبل القريب.

وقد تكون الآمال الأوروبية قد بدأت تتلاشى بالفعل برحيل بلير والذي كان يعد من أشد المناصرين لليورو والذي كان دوما لا يتوقف عن طمأنة شركائه الأوروبيين من أن بريطانيا ستلتحق عاجلا أم آجلا ياليورو.

وقد ترجم بلير تلك الطمأنة من خلال خفضه لشروط تبني بريطانيا لعملة اليورو من خمس إلى اثنين فقط، وهما: توافق الاقتصاد البريطاني مع اقتصاد منطقة اليورو، ومدى مرونة كل منهما، فتوني بلير كان أكثر رؤساء الوزراء البريطانيين حماساً للاندماج الأوروبي .

تاريخ اليورو

بدأت فكرة اليورو مع بداية التكتل الاقتصادي الأوروبي منذ عام 1957 حيث وقعت اتفاقية روما التي أنشأت الجامعة الاقتصادية الأوروبية، وقامت هذه الجامعة بالتنسيق فيما بينها في المجال الاقتصادي والسياسي والإجتماعي والثقافي وكان التنسيق في مجال نظام النقد أحد الجوانب التي ركزت عليها هذه المجموعة.

وذلك لتحقيق عدة أهداف من بينها إنشاء نظام نقدي أوروبي يتغلب على الصدمات الاقتصادية وهو ما يعرف بالأزمات النقدية. والوصول إلى عملة أوروبية موحدة لتكون منافسة للدولار. إضافة إلى التقليل من الاعتماد على الدولار في العلاقات الاقتصادية بين الدول الأوروبية.

ولتحقيق كل هذه الأهداف قامت الدول الأوروبية بالتدرج للوصول على عملة أوروبية موحدة حيث بدأت بنظام الثعبان داخل النفق، وهو نظام كان يحدد علاقة العملات الأوروبية ببعضها وعلاقتها في نفس الوقت مع الدولار، ولكن بسبب الأزمات التي صادفت هذا النظام تم التخطيط للوصول إلى نظام نقدي أوروبي أكثر كفاءة.

وهو ما تم تحديده في اتفاقية ماسترخت عام 1993، حيث وضعت هذه الاتفاقية مراحل إنشاء عملة أوروبية موحدة ووضعت مجموعة من الشروط لتحقيق التقارب الاقتصادي بين الدول التي تريد الانضمام لهذه العملة وهي معدل تضخم مناسب، وسعر فائدة مناسب، ومعدل ديون مناسب.

إعداد: كفاية أولير