في الوقت الذي حذر فيه تقرير جديد صادر عن البنك الدولي من أن البلدان الفقيرة والمانحين الأثرياء ووكالات المعونة لا تولي اهتماماً كافياً في الوقت الحالي لقيمة وسائل تنظيم الأسرة وغير ذلك من برامج الصحة الإنجابية في مساعدة الجهود الرامية إلى تعزيز النمو الاقتصادي.

أوضحت مؤشرات أوردها التقرير أن عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي سوف يرتفع إلى نحو 1. 53 مليون عام 2020 بزيادة تقارب النصف عن العدد الحالي البالغ 7. 35 مليون شخص وعلى أساس متوسط معدل نمو سنوي قدره 2%، وتمثل المملكة العربية السعودية وحدها 68% من إجمالي عدد السكان بدول التعاون، أي أكثر من الثلثين. ووفقاً لهذا التقرير الجديد الصادر بعنوان «قضايا السكان في القرن الحادي والعشرين: دور البنك الدولي» يقف العالم حالياً في منتصف تغيّرات ديموغرافية رئيسية.

فخلال العقود الأخيرة من السنين، انخفضت مستويات الخصوبة بمعدلات أكثر سرعة، حتى في بعض أشدّ بلدان العالم فقراً، عما توقعه معظم الخبراء الديموغرافيين. فعلى سبيل المثال، كان لدى بنغلاديش في عام 1970 بعض أسوأ المؤشرات الاجتماعية، كما كان مستوى الدخل فيها من بين الأدنى على مستوى العالم، وبلغ معدل الخصوبة حينئذ نحو سبعة أطفال لكل امرأة؛ أما الآن فقد انخفض ذلك المعدل ليصل إلى نحو ثلاثة أطفال لكل امرأة.

ويمكن ملاحظة انخفاضات مماثلة في معدلات الخصوبة في بلدان في شرق آسيا، وأميركا اللاتينية، والشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وقد أسفر الانخفاض الواسع النطاق في معدلات الخصوبة، مقروناً بانخفاضات في معدلات الوفيات في معظم البلدان، عن حدوث تغيّرات في الهيكل العمري ومعدلات النمو السكانية، وكانت لذلك آثار بعيدة المدى على كل القطاعات، كالصحة والتعليم وأسواق العمل والحماية الاجتماعية.

وفيما يخص دول مجلس التعاون الخليجي، يقدر التقرير انخفاض معدل النمو السكاني من 1. 3% خلال الفترة 1990 ـ 2005 إلى 2% خلال الفترة 2005 ـ 2020، وعلى هذا الأساس يتوقع أن ينمو عدد السكان الإجمالي من 7. 35 مليون نسمة عام 2005 إلى 1. 53 مليون نسمة عام 2020. وهو معدل نمو لا يزال عاليا بمعايير التقرير. ويبلغ متوسط العمر في دول المجلس 75 سنة.

ووفقا للتقرير، سوف تحافظ الكويت على أعلى معدل نمو سكاني (يلاحظ أن معدل النمو يشمل أيضا العمالة المستوردة من الخارج) بنسبة 5. 2% خلال الفترة 2005 ـ 2020، تليها المملكة العربية السعودية 2. 2% ثم سلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة 2% ثم قطر 6. 1% وأخيرا البحرين 5. 1%. وتشكل المملكة العربية السعودية نحو 7. 68% من إجمالي السكان الخليجيين بعدد 6. 24 مليون نسمة عام 2005 تليها الإمارات العربية المتحدة 5. 4 ملايين نسمة (7. 12%) ثم سلطنة عمان 6. 2 مليون نسمة (2. 7%) ثم الكويت 5. 2 مليون نسمة (1. 7%)، ثم قطر 813 ألف نسمة (3. 2%) وأخيرا البحرين 727 ألف نسمة (2%).

وتبلغ نسبة السكان الخليجيين الذين تصل أعمارهم لغاية 14 سنة ما يعادل من 7. 27% من إجمال السكان ونحو 2. 70% تتراوح أعمارهم ما بين 15 إلى 64 سنة و 2. 2% فوق 65 سنة. وتحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى من حيث نسبة السكان لغاية 14 سنة بنسبة 37% ثم سلطنة عمان 34% ثم البحرين 27%.

وخلال النصف الثاني من القرن العشرين، ازداد سكان العالم بأكثر من الضعف ليصل إلى ستة مليارات، وهي زيادة مذهلة تقدر بحوالي 3 مليارات نسمة خلال فترة لم تتعد 40 عاماً. وبالرغم من أن هذا المعدل قد تباطأ حالياً ليصل إلى 2. 1 في المئة سنوياً، فإن العالم يشهد الآن زيادة سنوية بواقع 75 مليون نسمة خلال هذا العقد من السنين. ومن المتوقع أن يصل عدد السكان في العالم إلى 1. 9 مليارات نسمة بحلول عام 2050، وستكون معظم تلك الزيادة على الأرجح في أشدّ بلدان العالم فقراً.

ويقول هذا التقرير إن أعلى معدلات المواليد في العالم توجد في إفريقيا جنوب الصحراء حيث مازال متوسط معدل الخصوبة أعلى من خمسة أطفال لكل امرأة. وفي حين تتقارب الأنماط الديموغرافية في الكثير من المناطق، يتزايد اختلاف البلدان التي مازالت متأخرة على صعيد تخفيض معدلات الخصوبة والوفيات عن باقي بلدان العالم.

وتقول جوي فمافي، نائب رئيس البنك الدولي لشؤون التنمية البشرية والتي سبق لها أن شغلت منصب المدير العام المساعد لمنظمة الصحة العالمية ومنصب وزيرة الصحة في بتسوانا خلال الفترة 1999 ـ 2003: «كلما ازدادت المدة التي تستغرقها البلدان في سعيها لتخفيض معدلات الخصوبة وأنماط الوفيات، ازداد خطر استمرار البلدان التي لديها معدلات مواليد مرتفعة في مواجهة مستويات أكبر من عدم المساواة في مجالات التعليم وفرص العمل ومعدل العمر المتوقع وتفشي فيروس ومرض الإيدز بين البالغين، وذلك مقارنة بالبلدان المناظرة الأغنى».

وعلى نحو مماثل، فإن هذا التقرير يقول إن معدلات الخصوبة يمكن أيضاً أن تؤثر على فرص عمل المرأة في مكان العمل. إذ أشارت دراسة شملت عدة بلدان إلى أن نسبة النساء في قوة العمل ترتبط ارتباطاً مباشراً بمعدلات المواليد الوطنية.

ويوضح التقرير أن 35 بلداً، يقع معظمها في إفريقيا جنوب الصحراء، تعاني ارتفاعاً في معدلات المواليد حيث تتجاوز خمسة أطفال لكل أم، وأن أكثر من 500 ألف امرأة من بين ما يُقدر بنحو 210 ملايين امرأة حامل تتعرض للموت أثناء الحمل أو الولادة كل عام على مستوى العالم، وأن 20 في المئة منهن يلجأن إلى الإجهاض بسبب ضعف قدرتهن في الحصول على وسائل منع الحمل. ويقول هذا التقرير إن هناك نحو 68 ألف امرأة تموت سنوياً نتيجة لعمليات الإجهاض غير المأمونة، وإن 3. 5 ملايين امرأة تعاني إعاقةً دائمةً أو مؤقتةً، وإن الكثيرات منهن ينتهي بهن المطاف إلى أن يُنبذن أو يُهجرن داخل مجتمعاتهن المحلية.

ويقول هذا التقرير أيضاً إنه بالنظر إلى انخفاض معدلات الخصوبة انخفاضاً ملحوظاً في معظم البلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل الواقعة خارج إفريقيا، فإن أولويات البلدان المانحة ووكالات التنمية قد تحولت إلى قضايا أخرى، وأن الصناديق والمبادرات العالمية قد تجنبت ـ بشكل كبير ـ توفير التمويل اللازم لبرامج تنظيم الأسرة، مع إيلائها حالياً قدراً أقل من الاهتمام للآثار الناتجة عن ارتفاع معدلات الخصوبة، حتى في تلك البلدان التي مازالت متأخرة على صعيد تحقيق نمو سكاني مستدام.

نقص الموارد التمويلية

ويقول التقرير إن برامج تنظيم الأسرة تعاني، على وجه الخصوص، من نقص في الموارد التمويلية، حيث لم يف كل من الحكومات والمانحين بالتزاماتهم المالية لمساندة تنظيم الأسرة، ونتيجة لذلك، فإن نقص الإمدادات من وسائل منع الحمل أضحى يشكل مشكلة آخذة في الازدياد. ويمكن للبنك الدولي، بما يتمتع به من قدرات قطاعية وتحليلية للمالية العامة، ومشاركته في الحوار بشأن السياسات مع كبار أصحاب المصالح المباشرة، أن يساعد في معالجة تلك القضية الحاسمة الأهمية عن طريق تنسيق جهود المانحين، ومواءمة المعونات، وتعميم مراعاة الاحتياجات التمويلية لتنظيم الأسرة ضمن خطة الرعاية الصحية الوطنية للبلد المعني.

ومن بين العوامل الأخرى المُعوقة لتوفير الإمدادات من وسائل منع الحمل عدم ملاءمة أوضاع الدعم اللوجستي في الكثير من البلدان الفقيرة. إذ إن بوسع أي نظام سليم للدعم اللوجستي، على الصعيد القطري، أن يقوم بتوزيع السلع الأساسية المتعلقة بوسائل منع الحمل وغير ذلك من الإمدادات الأخرى بكفاءة ويسر حتى يتوافر لدى العيادات أو الصيدليات مخزون كاف لتلبية احتياجات العملاء.

وثمة إقرار كذلك بأن تغيير سلوكيات الأسر المعيشية يشكل عنصراً حيوياً لزيادة استخدام برامج تنظيم الأسرة. حيث يمكن لعوامل اجتماعية وثقافية، مثل رفض واستنكار الأسرة والمجتمع المحلي، والأدوار التي يضطلع بها الرجال في تحديد حجم الأسرة، أن تثبط النساء اللائي قد يرغبن في الحصول على مساعدة تنظيم الأسرة. وفي بعض البلدان، قد يحجم مقدمو تلك الوسائل، أو حتى البرامج المعنية بذلك، عن توفير تلك الرعاية للفئات الضعيفة والمُعرضة للخطر مثل المراهقين غير المتزوجين.

تقول جوي فمافي «غالباً ما يشكل الوضع المتدني للمرأة حاجزاً نظراً لافتقار النساء في العديد من المجتمعات إلى القدرة على اتخاذ قراراتهن المتعلقة باستخدام وسائل منع الحمل أو استخدام وسائل رعاية الصحة الإنجابية الأخرى. كما أن تعليم الفتيات وتحسين الفرص الاقتصادية المتاحة أمام النساء مع إعطائهن في الوقت ذاته صلاحية توجيه تصميم وإدارة والإشراف على برامج الصحة الإنجابية يشكل طرقاً بالغة الأهمية للتشجيع على تحسين إتاحة برامج الصحة الضرورية.

المنامة ـ حسن العالي