أصبحت مقولة (فيه جيم على سهم كذا) أي لعب على السهم المحرك الرئيسي لنشاط البورصة المصرية في الفترة الأخيرة وأصبحت الجيمات الوسيلة الأسهل والأسرع لتحقيق المكاسب بالسوق خاصة وأنها تتركز في أسهم المضاربات بعد أن أثبتت الأسهم الكبرى أنها لم تعد ترضي غرور المستثمرين في تحقيق المكاسب بل باتوا في بعض الأحيان لا يفهمون حركتها وغير قادرين على التحكم في اتجاهاتها ليعودوا سريعاً إلى أسهمهم المحببة لديهم أي أسهم المضاربات لعمل الجيمات فيها.
ويرصد مراقبون بالبورصة المصرية انتشار عبارات مثل (بيقولوا فيه جيم هيتعمل على سهم المنتجعات هيوصلوه لـ 14 جنيه، وبيقولوا فيه جيم هيتعمل على سهم النشا هيجيبوه 40 جنيه وكمان فيه جيم هيتعمل الأسبوع الجاي على سهم الكابلات هيجيبوه 20 جنيه، وبيقولوا إن شركة كذا هتعمل جيم على سهم كذا هيعمل 50 % فوق).
هذه العبارات والمصطلحات عادت من جديدة للتداول في البورصة المصرية بعد وقت قصير من جداً لم يستمر أكثر من أربعة أسابيع كان فيها المستثمرون يتخذون قراراتهم الاستثمارية وفقاً لأسس الاستثمار الصحيحة وكان النشاط فيها للأسهم الكبرى والقائدة التي ترتكز إلى الأداء المالي الجيد، وخلال فترة شهر واحد تقريباً ارتفعت مؤشرات البورصة بأكثر من ألف نقطة، لكن كان الحال على المستثمرين غير سعيد نظراً لأن المكاسب كانت محدودة رغم الارتفاع الكبير في المؤشر وهو ما يرجع إلى أن الارتفاعات اقتصرت فقط على عدد محدود من الأسهم لا يصل عددها إلى أربعة أو خمسة أسهم.
ويرى خبراء ومحللون بالبورصة المصرية أن فترة الشهر الماضي التي شهدت ارتفاعات كبيرة للمؤشر نظراً لارتفاع الأسهم الكبرى ذات الوزن النسبي الكبير في حركة مؤشرات السوق، جاء على غالبية المستثمرين بالسلب خاصة وان اغلبهم كان يخسر خلال هذه الفترة نظراً لهبوط اغلب الأسهم الأخرى غير المدرجة في مؤشر السوق الرئيسي.
ويقول وائل عنبة عضو مجلس إدارة شركة قرطبة لإدارة المحافظ إن سلوك المضاربة يغلب على المستثمرين في البورصة المصرية وليس الاستثمار الصحيح المبني على أسس وقواعد، مشيراً إلى أنه طوال الفترة الماضية كانت المكاسب ضعيفة للغاية بل على العكس كانت الخسائر اكبر على عموم المستثمرين واقتصرت المكاسب على من هم مهتمون بالأسهم الكبرى والقائدة.
وأضاف أن هذه الأسهم عادة لا يقبل عليها صغار المستثمرين ولا المضاربين الذين يشكلون النسبة الأكبر من المتعاملين في البورصة المصرية، خاصة وأن اغلبهم لا يفهم حركة الأسهم الكبرى ولا يقدر على التحكم فيها ولا حتى التوقع لها.
وأشار إلى أن هذا الوضع لم يرض عنه المضاربون مما دفعهم إلى العودة إلى سلوكهم القديم الذي نجحوا من خلاله في تحقيق مكاسب ضخمة خلال فترات سابقة أي العودة إلى خطط الجيمات حيث تتكتل مجموعة من المستثمرين أو المضاربين أو إحدى شركات السمسرة أو مجموعة شركات سمسرة على سهم ما ويقومون بعمل جيم في السهم يقودوه للارتفاع بنسبة تصل إلى 20 أو 50 أو حتى 100 % ويحققوا من خلاله مكاسب كبيرة لهم ولعملائهم وهي الطريقة الأجدى لهم في تحقيق المكاسب.
وأوضح انه وسط هذه الجيمات يقوم هؤلاء بنشر أخبار وشائعات حول الأسهم التي يقومون بعمل الجيمات فيها حتى يساعدهم السوق في دفع السهم للارتفاع كما أنهم يستغلون في بعض الأحيان الأنباء الموجودة فعلاً في السوق على بعض الأسهم.
وكشف عنبة أن هناك قواعد وأسساً لاختيار السهم الذي يتم عمل الجيم فيه أولها أن يكون رخيص السعر من حيث القيمة السوقية في البورصة كما يكون متوسطاً في حجم السيولة في السوق ونسبة التداول الحر حتى يمكن التحكم فيه ويمكن أيضاً الدخول والخروج منه بسهولة بالإضافة إلى قابليته للأخبار الايجابية التي يمكن أن تتناسب معه مثل أنباء التجزئة أو أنباء التوزيعات المجانية أو زيادة رأس المال أو الخصخصة أو بيع حصص أو بيع أصول تابعة لشركته.
ولفت إلى انه من أهم الخصائص التي يجب أن تتوافر في السهم الذي يتم عمل الجيم فيه أن يكون منسياً منذ فترة حتى تكون عودته قوية وإلا يكون قد حقق ارتفاعات في الفترة الأخيرة حتى يكون هناك ما يبرر صعوده.
وأوضح أن هذا حدث في الأسبوعين الماضيين مع أكثر من سهم منها سهم النشا والجلوكوز الذي ارتفع من 25 جنيهاً إلى قرب 34 جنيهاً دون أسباب معلنة ونفس الحال بالنسبة لسهم اراسمكو وسهم القاهرة للاستثمارات العقارية وسهم سوهاج الوطنية وكلها أسهم لا يتوافر بشأنها أنباء حقيقية وكل ما يتوافر عنها شائعات يروجها المضاربون كي يستفيدوا منها.
ويرى محمد عبد القوي خبير أسواق المال أن عموم المستثمرين معذورون نظراً لأنهم جربوا كثيراً مع الأسهم الكبرى والقائدة التي ترتكز إلى الأداء المالي لكنهم فشلوا في تحقيق مكاسب نظراً لعدم قدرتهم على التحكم في حركتها أو حتى فهم حركتها وذلك لتركز المستثمرين الأجانب والصناديق والمحافظ الاستثمارية في هذه النوعية من الأسهم بما يجعلها لا تتناسب مع طبيعتهم الاستثمارية.
وأشار إلى انه على الرغم من أن الهدف الرئيسي لأي سوق مال في العالم هو في الأساس تشجيع الاستثمار المباشر وتوفير التمويل اللازم للمشروعات بعيداً عن الاقتراض من البنوك، لكن هذا لا ينطبق على ما يجري في البورصة المصرية التي اكتفت فقط بكثير من المضاربات وقليل من الاستثمار بعد أن تحولت كافة فئات المستثمرين حتى الصناديق والمحافظ الاستثمارية الكبرى للمضاربة على الأسهم المجهولة وغير المعروفة التي لا يعلم المستثمرون أي شيء عن نشاط شركاتها، لكنها باتت الملاذ لتحقيق الأرباح والثروات وليست الأسهم الكبرى والقائدة والقوية في وجهة نظر المضاربين وقوى السوق المسيطرة.
وحذر من ظاهرة خروج عدد من الأسهم بين الحين والآخر لتسجل ارتفاعات هلامية دون سبب معلن ثم تعود بعد أيام قليلة لتفقد ما كسبته من ارتفاعات أيضاً دون سبب، مؤكداً أن نشاط القطاعات في سوق الأسهم المصرية بات يتوقف على أهواء المضاربين حيث يستغلون توافر أخبار بشأن قطاع معين أو سهم معين ويقومون بتهويل وتضخيم هذه الأخبار وتأثيرها على القطاعات، بينما يتناسون عمداً الأخبار الجيدة على قطاعات أخرى ويقللون من شأن أخبارها.
ولفت إلى أن المضاربين أحياناً لا يهتمون بالأخبار الايجابية على بعض الأسهم حتى لو كانت أخباراً قوية ويفضلون أخباراً اقل قوة واقل ايجابية ويقومون بالترويج لها عندما تكون على أسهم معينة مما يعني انه ليس كل الأسهم تستجيب لأهواء المضاربين بل نوعيات معينة منها.
وضرب عبد القوي مثالاً على ذلك بإعلان شركة النيل لحليج الأقطان عن بيع أراضي بقيمة اقتربت من 60 مليون جنيه وهي قيمة كبيرة لم تحدث في تاريخ الشركة لكن السوق لم يستجب لهذه الأخبار أو بمعنى أكثر دقة لم يلتفت المضاربون إلى مثل هذه الأخبار .
وذلك نظراً لأن سهم النيل لحليج الأقطان لا يتناسب مع أهوائهم خاصة وانه ينتمي لقطاع الغزل والنسيج الراكد حالياً الذي لا يتناسب مع أهواء المضاربين في الفترة الحالية، بينما استغلوا شائعة اتجاه شركة النشا والجلوكوز لتوزيع 20% أسهم مجانية وقادوا السهم لارتفاعات وصلت إلى أكثر من 30% في يومين ونفس الحال بالنسبة لأسهم المصريين للإسكان والمصريين في الخارج الذي لا يعرف احد لماذا ترتفع مع ضعف الأخبار المتعلقة بها.
ومن جانبه يقول محمد صالح محلل أسواق المال إن البورصة المصرية تسيطر عليها حالياً ظاهرة النشاط الموسمي لكل قطاع، مشيراً إلى أن القطاعات التي ستكون صاحبة الحظ الوفير في النشاط هي تلك التي يتفق عليها المضاربون مما يعنى أن نشاط قطاع من عدمه يتوقف فقط على أهواء المضاربين.
وأضاف أن المضاربين يستغلون موضة معينة جديدة كل فترة ويبدأون عمل مضارباتهم عليها بتسويق أفكارهم ورؤيتهم بشأن القطاع الذي يرغبون عمل دورات ومضاربات سعرية عليه.
وأشار إلى أنهم في النصف الأخير من العام الماضي استغلوا موضة تجزئة الأسهم رغم أنها لا تغني ولا تثمن من جوع ولا تفيد الشركة في شيء، لكن هذه الظاهرة كانت وحدها العامل الرئيسي المحرك لأي سهم في السوق وما سواها ليس له أي قيمة حتى لو قالوا إن شركة ما حققت نمواً في الأرباح يصل إلى المليارات.
ولفت إلى أن المضاربين جاءوا بموضة جديدة هذا العام وهي موضة الأسهم المجانية، بعد أن ضيقت هيئة سوق المال النطاق على تجزئة الأسهم ، مشيراً إلى أن تجزئة الأسهم كانت المحرك الوحيد لأي سهم طوال عام 2007 وأصبحت مقولة (دي هتوزع مجاني) كلمة السر الوحيدة لطفرات سهم أي شركة وساعدهم في كل الأحوال أصحاب الشركات.
واعتبر صالح أن الموضة الجديدة في الفترة الحالية والتي جاءت على هوى المضاربين ومزاجهم هي موضة أسهم الإسكان والعقارات نظراً لسيولتها المحدودة نسبياً وحدودها السعرية المفتوحة وتوافر بعض الأنباء الايجابية بشأن القطاع مثل بيع الأراضي.
مشيراً إلى أن المضاربين استغلوا مزايدات بيع الأراضي في تقييم الشركات على أهوائهم حتى لو كانت هذه الشركات ليست للبيع وأصبحت مقولة (دي معاها 200 فدان في أكتوبر أو ألف فدان في القاهرة الجديدة أو كذا من الفدادين في أي مدينة جديدة) كلمة السر الجديدة لنشاط الأسهم حتى لو لم تكن تعمل في مجال العقارات أو الإسكان فقط يكفي القول أو إثبات أنها تملك أراضي وحبذا لو كانت هذه الأراضي معروضة للبيع أو ترغب في بيعها لتترك الفرصة للمضاربين في البورصة في تحديد أسعار هذه الأراضي على أهوائهم.
وأضاف أن المستثمرين لم يعد اهتمامهم بالتحليل الأساسي الرئيسي والتحليل المالي لأداء الشركات المبني على أرقام حقيقية وأرباح وقوائم مالية وتدفقات نقدية بل أصبحت المضاربات العامل الرئيسي المحدد لنشاط أي سهم وتم تنحية القواعد الرئيسية للاستثمار جانباً.
القاهرة ـ محسن محمود
