هل ودعنا زمن الأجر على قدر المشقة ؟ بالتأكيد نعم، إذ بات بعض الموظفين يضعون أنفسهم في خانة الذين لا تسير الأعمال بدونهم...! لكن يبدو ان هناك قائمة طويلة من الأسباب ساعدت على ولادة طبقة من الموظفين الذين يتصرفون على هذا النحو... أي على طريقة take it or leave it ولعل ابرز الأسباب هي:

ـ ندرة الكفاءات العاملة في تلك القطاعات (تحديدا العقارية والهندسية والإنشائية).

ـ النمو الهائل الذي تعيشه تلك القطاعات بسبب الطفرة العقارية التي دعمت باقي الفعاليات الاقتصادية.

ـ غياب الهيكلة الإدارية في اغلب الشركات العاملة في تلك القطاعات وافتقارها الى سلم رواتب يحدد الأجور على قدر الإنتاجية كما يحدد الزيادات والمكافآت. مما يجعل عملية تحديد الأجور اما عملا بما هو متعارف عليه في السوق وان لم يكن صحيحا او بفعل عوامل مزاجية تحددها إدارات تلك الشركات ما يسبب لاحقا هدرا في أموالها واستنزافا لن تكتشفه الا بعد زمن قد يطول او يقصر بحسب قربها من الأزمات المالية المرتبطة بالسيولة التي تملكها او تديرها او تستثمرها.

ـ قيام بعض الشركات باستسهال عملية جذب الموظفين الموهوبين (من أصحاب الكفاءات المهنية) وإغرائهم بمرتبات كبيرة ما يحمل أولئك الموظفين على الاعتقاد بالخطأ بانهم يستحقون تلك الأرقام التي عادة ما لا تتناسب مع مؤهلاتهم ومهاراتهم وسيصبح من الطبيعي والمنطقي ان تواجه الشركات التي تختار أولئك الموظفين وفقا لهذه السياسات الخاطئة أزمات مالية حادة قد تدفعها الى الدخول في مأزق «عنق الزجاجة» او «النفق المسدود» او بمعنى آخر... الإفلاس.

ـ ندرة الكفاءات الفنية المتخصصة في أعمال التشييد والبناء من الكوادر الوطنية بما يترتب عليه من اعتماد المنشآت على العمالة الأجنبية ذات الأجور المرتفعة والتي تختلف أنماطها المعيشية والأخلاقية عن البيئة المحلية.وما ينجم عنه من ارتفاع التكلفة المالية للعاملين في تلك الوظائف الى جانب ارتفاع التكلفة الإجمالية للمشروعات.

ـ إن تفاوت احتياجات تنفيذ الأعمال فيما بين المراحل المختلفة للمشروعات يضطر منشآت المقاولات إلى الاحتفاظ بعمالتها الكاملة تحسباً للظروف وذلك لندرة المنشآت المتخصصة في تنفيذ بعض مراحل التشييد والبناء مما يترتب عليه من حدوث مشكلات مالية لهذه المنشآت مع المصارف التي تتولى تمويل أعمالها.

وعليه فإن تلك الأسباب تدفع بالشركات الحريصة على التواجد في السوق الى المسارعة الى تعديل أوضاعها وترتيبها لتضمن البقاء او تغفلها بالكامل او تتناساها لفترة لتواجه لاحقا مصيرها المحتوم بالاختفاء اما سرا او علانية بفضيحة مالية.

اعتقد بتواضع ضرورة العمل على توفير العمالة الفنية والمهنية لفعاليات القطاع من الكوادر الوطنية بواسطة إنشاء ودعم مراكز التدريب المهني لتأهيلها وانتقاء أفضل الكفاءات من العمالة العربية والأجنبية بما يتماشى مع التقدم في المعدات والآلات الحديثة المستخدمة في تنفيذ أعمال تشييد المباني فيما يخص قطاع المقاولات.

وتكثيف الجهود الرامية إلى تدريب وتحسين القدرات الفنية على جميع المستويات لبلوغ الاستفادة القصوى من المعدات والآلات الحديثة المستخدمة في قطاع التشييد والبناء وذلك حتى يمكن ضمان توفير المهارات الفنية المطلوبة لإدارة العمل في هذا القطاع الاقتصادي المهم.

اما مسألة قيام تلك الشركات بإعادة هيكلة كوادرها او وضع معايير مهنية لسلم المرتبات فهو شأنها ان تستمر فيما هي فيه او تلتقط طرف الخيط... لتنجو.

رئيس مجلس إدارة بنيان الدولية للاستثمار