شهر أغسطس في بيروت، كان يعني السهر والحيوية والتفاعل الثقافي والفني من خلال مهرجانات الصيف، التي صارت فعالياتها مرادفاً لإسم هذه العاصمة منذ أن استعادت بيروت ألقها الثقافي بعد سنوات الحرب.
لكن العز الثقافي لم يدم كثيراً، فالعدوان الإسرائيلي على لبنان العام الماضي، عطل الحدث المنتظر، وألغيت هذا العام مهرجانات الصيف مرة أخرى بفعل الأوضاع الأمنية غير المستقرة، فخلت ليالي بعلبك وصور وبيت الدين، حيث كانت تقام أهم ثلاثة مهرجانات دولية في لبنان من الحياة والناس الذين اعتادوا السهر حتى الفجر من غير تعب على وقع أعمال فنية من مختلف اللغات الحية. منظمو المهرجانات في لبنان كان لهم مبرراتهم لإلغاء حفلات الصيف، كما تقول المديرة التنفيذية لمهرجانات صور والجنوب رولا عاصي، التي اعتبرت «أن الخوف من أي شكل من أشكال التجمعات، كان السبب الأبرز الذي أدى إلى قرار إلغاء مهرجانات هذا الصيف التي دأبنا على إقامتها منذ أعوام، لا سيما بعد استهداف قوات الأمم المتحدة «اليونيفل» في مناطق جنوبية، إضافة إلى أحداث مخيم «نهر البارد»، حيث يوجد ثاني أكبر مخيم فلسطيني في منطقة صور هو مخيم الرشيدية».
وقالت عاصي:«لا نريد أن نعرض حياة الناس لخطر رغم حماسة الكثيرين لإقامة المهرجانات، حيث تلقينا العديد من الاتصالات والاستفسارات، وكنا متحمسين لإحيائها بعد عام على العدوان، إصراراً منا على تحدي الموت، وتمسكاً بإرادة الحياة.
ولفتت إلى أن الفعاليات المقررة كانت مختلفة عن السائد، إذ كنا قد قررنا نقل المهرجان إلى المناطق الجنوبية تعبيراً عن التضامن والصمود، وإقامة عرس جماعي في قلعة الشقيف الأثرية وليلة شعر في مدينة بنت جبيل الصامدة وغيرها من الأنشطة، لكننا اتخذنا في النهاية قرارنا بعد أن لمسنا حضوراً قليلاً للمغتربين، ومناخاً متوتراً طاغياً في خضم الاستحقاقات النيابية والرئاسية وأزمة البلاد المستمرة».
أما القيمون على مهرجانات بعلبك الدولية التي انطلقت قبل خمسين عاماً فقد ارتأوا الإبقاء على سهرة فنية واحدة ستقام في بيروت، بدلاً من بعلبك لمغني البوب العالمي ميكا، الذي أصر على الحضور إلى لبنان لتمسكه بهذا البلد كونه من أم لبنانية.
وقالت نائب رئيسة مهرجانات بعلبك ليلى دو فريج إن اللجنة بقيت حتى اللحظة الأخيرة تتحضر لإحياء الصيف، وكان مقررا استضافة الأوركسترا الإيطالية «ريكاردو موتي» مع ثلاثمئة عازف وفنان، إضافة إلى عرض مميز لفرقة إيرانية، وأمسية لكركلا بعنوان «أوبرا الضيعة» وأمسية للفنان عبد الرحمن الباشا في سولو على البيانو، ولفتت إلى أن تخوف بعض الفنانين من القدوم إلى لبنان.
وقلة المغتربين والزوار الخليجيين والأجانب دفعنا لاتخاذ قرار الإلغاء كي لا نقع في خسائر مادية، لكننا سنحرص على إحياء جزء من الفعاليات كما حصل العام الماضي، عندما اضطررنا للإلغاء جراء العدوان الإسرائيلي، إلا أننا أحيينا بعد أشهر وتحديداً في شهر ديسمبر من العام 2006حفلة للفنانة فيروز في وسط بيروت.
المثقفون اللبنانيون مستاؤون بدورهم من تردي الأوضاع على الساحة الثقافية بشكل عام. ويقول الشاعر والصحافي اسكندر حبش:«صحيح أن المهرجانات صيفية أي أنها تعتمد بالدرجة الأولى على الموسم السياحي، لكننا لا نستطيع إنكار الدور الكبير الذي لعبته في الحياة الثقافية اللبنانية.
فمهرجانات بعلبك جعلت لهذا البلد قبل الحرب موقعاً على الساحة الفنية في العالم، ومع توقفها غاب هذا الموقع اللبناني الفريد، موقع حاول مهرجان بيت الدين الاضطلاع به، ونجح إلى حد كبير في ترسيم مساراته، قبل أن تعود بعلبك ليشكلا معاً طليعة حركة فنية مهمة».
وأضاف قائلاً:« إن تغيب المهرجانات مرة أخرى هذا العام، أمر لا بد أن يجعلنا نفكر من جديد بعودة شياطين الحرب التي لا نعرف كيف تنبثق من ذاكرة لا ترغب في دفنها، المشكلة ليست في أن المهرجانات وحدها التي تغيب، فما نراه من أمور تخبرنا أن بلدا بأسره يرغب في المغيب، عسى أن لا يحدث ذلك».
ويعتبر الشاعر بول شاوول أن مهرجانات لبنان تعني الحيوية الثقافية والفكرية والفنية، والذين يحاولون تدمير هذا البلد بشكل منظم من السياسة إلى الاقتصاد والاجتماع يضعون المهرجانات ضمن أهدافهم، ليبدو لبنان عاجزا عن إقامة مهرجان، كما يريدون أن يبدو عاجزاً عن حكم نفسه وخياراته الكبرى».
وختم شاوول بالقول:« صحيح أن مهرجانات لبنان تغيب هذا الصيف، لكن الإرادة الكبيرة تبقى لدى الفنانين والمبدعين والمنظمين الذين انخرطوا في معركة الالتزام، مشيراً إلى أن الثقافة في لبنان صمدت في وجه عشرة حروب على مدى ثلاثين عاماً، وخرجت بأقل خسائر ممكنة، لأن الثقافة مرتبطة بالحرية والديمقراطية والتفاعل».
بيروت ـ ثناء عطوي

