قال محللون إن هناك عوامل أخرى خفية وراء الجمود الحالي الذي يلازم محادثات تحرير التجارة العالمية، فقد تحوّل اعتلاء الصين والهند والبرازيل قمة الأسواق العالمية الناشئة، خلاف التوجس الآتي من بلدان نامية أخرى، إلى واحد من تلك العوامل.

واختلطت أوراق التنافس بين الدول الفقيرة والغنية والناشئة. وكانت النتيجة ليس مجرد مناكفة أوروبا للولايات المتحدة، أو الدول الثرية، ضد الفقيرة فحسب، وإنما الدول الفقيرة التي تعتمد على التجارة ضد بعضها بعضاً، فثمة اتهام في إفريقيا وغير مكان، بأن أسواق الاقتصادات الناشئة تتجاهل حاجاتها. ولكن ليس هناك معنى لاتهام أي بلد بعينه في ما يخص الحالة التي وصلت إليها مفاوضاتنا، حسبما قاله «بيتر ماندلسون» المفاوض الأوروبي الأول، الذي أضاف في مقابلة أجرتها صحيفة «هيرالدتريبيون» بأنه ليس مجرد صراع كلاسيكي بين الشمال والجنوب، ولكنه أيضاً صراع بين الجنوب والجنوب، فالدول المتطورة والاقتصادات الناشئة تتحمل مسؤولية مساعدة الدول الفقيرة.

ويقول مسؤولو التجارة في إدارة بوش، وأماكن أخرى من العالم، إن فشل محادثات التجارة العالمية، التي بدأت منذ ست سنوات، يمكن أن يوجه ضربة موجعة إلى الاقتصاد العالمي، المدعوم بأكثر من 10 تريليونات دولار في تجارة السلع والخدمات سنوياً. ويقول البنك الدولي في هذا الخصوص، إن اتفاقية تجارة جديدة يمكن أن تضيف مئات المليارات من الدولارات إلى اقتصاد العالم. وكانت منظمة التجارة العالمية حاولت من جانبها حل هذه العقدة، باقتراحها سلسلة من التسويات أو الحلول الوسط التي ينبغي أن تقدمها كل الأطراف المعنية، ولقد عكفت الدول الرئيسة في المحادثات، بما فيها الولايات المتحدة وأوروبا، والدول النامية الكبرى، على دراسة التوصيات، ومن جهته حث «روبرن زويليك»، رئيس البنك الدولي، الأطراف المعنية لتبني توصيات منظمة التجارة العالمية.

وقال: إن المجتمع الدولي يجب أن يواصل تركيزه على «الجائزة» مضيفاً أنه في حال أصبحت مسودة النصوص قاعدة لاتفاق، فإن جميع الاقتصادات ستجني فوائد جمة، ويذكر أن «زويليك» خدم كمبعوث للولايات المتحدة، عندما بدأت المحادثات الراهنة في الدوحة في قطر عام 2001. وكانت «سوزان شواب»، الممثلة التجارية للولايات المتحدة، اتهمت عندما انهارت جلسة جولة المباحثات الأخيرة في الدوحة كلاً من الهند والبرازيل بالافتقار إلى المرونة، والتصلب في المواقف، في خفض تعرفاتها الزراعية والصناعية بطريقة لا تفيد الغرب فقط، وإنما البلدان الفقيرة أيضاً.

وقالت «شواب» إن البعض يريد إظهار ذلك بأنه فشل شمالي - جنوبي، ومن جهته رد وزير التجارة الهندي «كمال ناث» بأن الولايات المتحدة و«شواب» هي التي عرقلت اتفاقية التجارة بإصرارها على عدم خفض مساعداتها الزراعية، التي أبقت بصورة مصطنعة المنتجات الزراعية الأميركية في وضع «منافس» ضد الصادرات من الدول الفقيرة، بمعنى آخر، رأى ثاث أن الجمود بالطريقة التقليدية، هو صراع بين الأغنياء والفقراء، غير أن التطورات التي صاحبت انهيار المباحثات في الشهر الماضي، توحي بأن الفجوة تعمقت بين الدول النامية، بحيث أصبحت عاملاً رئيساً جديداً في المحادثات مع بروز إصرار الصين والهند والبرازيل على الاعتراف بها كلاعبين كبار في الاقتصاد العالمي، والعلاقات الدولية.

وكانت الهند والبرازيل، على سبيل المثال، جاءت إلى المفاوضات النهائية في بوتسدام في ألمانيا الشهر الماضي، باقتراح يدعو إلى إدخال خفض كبير في المساعدات الزراعية الأميركية، كما هو متوقع. غير أن الدولتين اقترحتا أيضاً أن تقوما من جانبيهما بخفض تعرفاتهما، بمبلغ أقل مما توقعه أحد. ودعتا تحديداً إلى نظام يتم فيه خفض التعرفات على قاعدة تدريجية، تاركتين التعرفة العليا عند 30% في نهاية العملية. وأشار المسؤولون التجاريون في الجلسة إلى إمكانية خفض تلك النسبة إلى 25% في مساومات مقبلة.

غير أن هذه النسبة جوبهت بالرفض من قبل الولايات المتحدة وأوروبا، باعتبارها عالية جداً، غير أن الخبراء التجاريين في الغرب قالوا إن البرازيل والهند تبدوان متوجستين من التأثيرات الناجمة عن الواردات من الصين، وغيرها من البلدان، ويقول كثير من الخبراء التجاريين ان الهند، شأنها شأن الولايات المتحدة، أصبحت أكثر تخوفاً من الواردات الرخيصة من الصين، الأمر الذي يقود في المحصلة إلى فقدان الوظائف في الساحة الهندية.

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، ظهر إلى الوجود تكتل جديد من بلدان تدعو إلى مقاربة تصالحية تجاه الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن البلدان النامية ينبغي أن تخفض تعرفاتها على البضائع الصناعية إلى مستويات تقل عن العشرين في المئة. وهكذا «التكتل الوسط» تقوده تشيلي وكولومبيا وكوستاريكا وهونغ كونغ، والصين، والمكسيك، والبيرو، وسنغافورة، وتايلاند. ولو كانت للولايات المتحدة استراتيجية، فإنه يتعين عليها، تحريك هذا «التكتل الوسط» ضد كل من البرازيل والهند.

غير أن هذا المسعى سيكون صعباً، نظراً للجوء البرازيل مؤخراً إلى رفع بعض مستويات تعريفاتها، من تلقاء نفسها. وسط مخاوف من ارتفاع عملتها، مما جعل الواردات أكثر رخصاً. في غضون ذلك، تخضع الولايات المتحدة لضغوط لعمل المزيد بمفردها لخفض مساعداتها الزراعية، فالقانون الحالي يسمح للولايات المتحدة بتقديم الدعم إلى المنتجات الزراعية، لو اختارت هذا الطريق، إلى قرابة 50 مليار دولار سنوياً.

ارتفاع أسعار المواد الغذائية يربك المعادلة

شهدت أسعار المواد الغذائية العالمية ارتفاعا حاداً خلال السنوات الثلاث الاخيرة مما ادى الى ارتباك في المعادلة، بحيث لم تعد المعونات الأميركية تجدي نفعاً، وكانت الولايات المتحدة دعمت المنتجات الزراعية العام الماضي بـ 12 مليار دولار وهو مستوى تطالب البرازيل والهند والولايات المتحدة بالابقاء عليه في المستقبل وتزعم ادارة بوش ان 12 مليار دولار كان منخفضا الى حد غير معهود وتقول مفاوضات اوروبية وغيرها بانه ما لم تتنازل الولايات المتحدة بمستوى دعمها الى 17 مليار دولار فإنها لن تضع البرازيل والهند تخفضان تعرفاتها حتى لو جذبت الكتلة الوسط الى جانبها.

وفي المقابل فإن هناك 60 أو 70 بلدا اكثر فقرا خارج الصورة تتطلع للافادة القصوى من اتفاقية التجارة مثل بلدان في افريقيا ومناطق افقر في اميركا اللاتينية وآسيا، وفي حديث لها في افريقيا قالت «شواب» بأن 70% من التعرفات المدفوعة من الدول الفقيرة وتذهب الى بلدان اكثر فقراً. وهناك عدد من الخبراء التجاريين يسعون لاقناع اقتصادات الدول الناشئة بالاعتراف بأن مصلحتها خفض حواجزها التجارية الى الصفر.

غير ان تلك البلدان متوجسة من جانب الصين وفي هذا الصدد قال ويليام رينش رئيس مجلس التجارة الاجنبية الاميركي ان كثيرين كرسوا وقتا ثمينا محاولين اقناع الدول النامية بأن من مصلحتها الغاء التعرفات مضيفا انهم يتوجسون خيفة الى حد الهلع من الصين ويمضي قائلا ان تلك البلدان مشبعة بالفكرة القائلة انها لو تبنت جملة من التخفيضات التعريفية فإنها سوف تغرق بالسلع الصينية. ويشير الى تخوفه من عدم القدرة على انتزاع هذا المفهوم من افكارهم.

ترجمة: وائل الخطيب