يتشارك المخرجان كوينتين تارنتينو وروبرت رودريغيز في تأليف فيلم واحد من جزءين، لا صلة بينهما ظاهرة سوى انهما يصوران بيئة زمنية واحدة، وروحية سينما السبعينات، تحديدا الأميركية الهوليوودية وغيرها، تلك السينما التي قامت على عنف مجاني، وتقنيات وفنيات هابطة المستوى، يتم إعادة إنتاجها بتقنيات حديثة وبتخريب متعمد للصورة، بإدارة متينة تشرف على سياق يتواصل بضربات موزعة بين زمنين ومكان واحد. هو ارض الأحلام «أميركا».
يقدم رودريغز فيلمه تحت عنوان «إرهاب كوكب»، وتارنتينو يختار «برهان الموت». الأول عبارة عن خليط من أفلام «الزومبي» لأشخاص يعودون من الموت نتيجة انتشار تلوث فيروسي، مع ما يصاحب ذلك من مشاهد الغثيان و«القرف»، وسيلان الدماء، والبشاعة، إضافة إلى كوميديا «ساذجة» اشتهرت بها أفلام تجارية رخيصة في سبيعنات وثمانينات القرن المنصرم. قدم رودريغيز فيلمه إلى مهرجان «كان» في دورته الأخيرة الستينية، ورفض مما دفع تارنتينو إلى إضافة عمل رودريغز إلى عمله في إطار فيلم واحد من جزءين فقبل في «كان»، وعرضا في الوقت ذاته. ولم يكترث النقاد إلى عمل رودريغيز. البعض أشاروا إليه شاتمين أو متقبلين على انه ليس أكثر من شريط تحية لسينما استهلكت عقدا ونيفا من تاريخ الانتاجات السينمائية. وفي أي حال من الأحوال عمل رودريغيز الذي تعرضه الصالات المحلية منفصلا عن شريط تارنتينو لا يستحق الكثير من إضاعة الجهد في التفكير فيه.
لأنه أولاً يحمل قدراً من الادعاء اكبر بكثير من قيمته الفنية. ففيه ضجر ومغالات في استدراج عروض العنف بلا طائل. إذ كان يمكن معالجة النص بأساليب أخرى، بصريا وفنيا. هذا لا ينفي ان الشريط في بعض محطاته يحتوي على كوادر مشغولة بعناية. لكنها لا تكفي وحدها لان تغير قيمة الفيلم ككل. خرج الشريط من «كان» خالي الوفاض على مستوى الجوائز. لكن تارنتينو كعادته ولد انقساما بين النقاد. بعضهم شكك بموهبة تارنتينو من الأساس، وآخرون مدحوه مؤكدين على انه مخرج أفلام الصدمات. من «بالب فيكشن» و«اقتل بيل»، وكتابته لقصة » ولدوا ليقتلوا» من اخراج اوليفر ستون. نصوص كلها تدور حول لعبة العنف والموت والحياة. تارنتينو يؤلف سينما من سينمات لغيره.
فهو مشاهد متخم لأفلام لا تعد ولا تحصى. تعلم منها الإخراج خلال عمله في متجر لأفلام الفيديو قبل ان يدخل عالم الصناعة السينمائية ويبرز فيه. فهو بشكل أو بآخر يجمع في أسلوبه الإخراجي أساليب، مستوحاة من كبار، مثل ستانلي كوبريك، ريدلي سكوت، مارتن سكورسيزي، اوليفر ستون، وغيرهم. كل كادر عنده «مسروق» من كادر لغيره. وكل لقطة تستند إلى مرجعية يعرفها المتتبع لأفلام الآخرين.
وتارنتينو لا ينفي هذا ولا يخجل منه. وهو يحقق ما يسميه الشاعر الانجليزي «اليوت» بأن الإبداع ليس عالا عملية «تناص»، أي تركيب النص الجديد نص منتج. بمعنى إعادة إنتاجه. قيمته الجديدة ليست بما أضيف إليه بل بزوايا الرؤية الجديدة. هذا موضوع شائك فيه اخذ ورد، يكسر الكثير من المفاهيم حول الإبداع والفن.
«برهان الموت» يحكي قصة قاتل، يطارد ضحاياه بسيارته المعدة لمهمات من هذا النوع. يقع في فخ جرائمه حين يطارد أربع لواتي يقمن برحلة معا. إحداهن ممثلة ادوار بديلة ممتهنة، للعبته مثله أو اكثر. تقنيا وفنيا الفيلم أيضاً فيه تحية لسينما السبعينات، لكنه يجد طريقه إلى الواقع الحالي. طبعا بذكاء تارنتينو. سيضاف هذا الشريط إلى سجلات تارنتينو. الذي سيبقى إلى وقت طويل محل نقاش بين نقاد السينما. فهذا المخرج يضع مشاهد أعماله أمام حال من حالين، اما ان تعشقه وأعماله وأما ان تبغضه وتزجره. وفي كلا الحالين يحرك ساكنا في عقل الرائي، ويثير عواطفه، لا فرق كون الفن مساحة جدال وتناقض بداية.
دبي ـ حسين قطايا

