عندما تطأ قدم الفنان إبراهيم عزام خشبة المسرح في لندن.. فهذا يعني أن المكان مليء بأصحاب الذوق الرفيع ومحبي الطرب الأصيل... وعندما يبدأ بالعزف فرائحة وعبق الماضي وتفاصيله الجميلة ستكون حاضرة بأسمائها الكبيرة مثل محمد عبدالوهاب وعبد الحليم حافظ وغيرهما.
المثير في شخصيته وفنه أنه اكتسب شهرة بعيداً عن أرض الوطن، ليس لأنه موهوب فحسب، وإنما لأنه يرفض التخلي عن الأصالة والانخراط بموجة الغناء الحديثة. فهو يملك طاقات صوتية وحسا فنيا مرهفا.
يقول عزام ل«البيان»: بدايتي مع الغناء كانت منذ الطفولة، وذلك نظراً للبيئة الفنية التي عشت فيها حيث كان جدي من والدتي مهتما بالفن العربي الأصيل، وأذكر انه كان يملك جهاز الاسطوانات القديمة. ويضيف: لقد تم اكتشاف موهبتي في المرحلة الابتدائية في فلسطين، لكن نتيجة لظروف الاحتلال هاجرت مع أسرتي إلى لندن منذ سنوات طويلة.
«جئت إلى لندن بعد نشوب الحرب الأهلية في لبنان، وكان العرب متواجدين في تلك الفترة ولهم حضورهم القوي، وأول ليلة وصلت فيها غنيت في ملهى شهرزاد، لفريد الأطرش «الربيع» ، ولمحمد عبدالوهاب «إمتى الزمان يسمح يا جميل». وكان حاضرا في تلك الحفلة الفنان الراحل عبدالحليم حافظ والفنان القدير عمر الشريف وعدد من الصحافيين العرب».
ولا ينسى عزام أبدا ما قاله عنه الفنان الراحل عبدالحليم حافظ: « لو جاء عزام إلى القاهرة، فسيكون - حليم عزام ـ وهو ما تم نشره على حد قوله في الصحافة المصرية وقتها.
وعزام من المتأثرين جدا بالفنان محمد عبدالوهاب. ومن تلاميذ الفنان الراحل فريد الأطرش كعازف على العود. وله ألبوم شخصي من الحان بليغ حمدي وفاروق الشرنوبي وخالد الأمير.
ويعتبر نفسه مطرب الجالية العربية في لندن، ويقول متحديا: هناك الكثير من المطربين المنتشرين في العالم العربي، لكنهم لا يتقنون الغناء الكلاسيكي. فهذا الفن يحتاج إلى الأداء والحنية. وينتقد الفن الحالي قائلا: «الغناء اليوم - هز يا وز - لا أنكر أن هناك أصواتا جميلة، لكن شهرة الكثير من الفنانين الحاليين هو بسبب الدعم المالي الذي يحصلون عليه».
ويفتخر عزام كثيرا حينما يتذكر إحدى المقابلات الإذاعية التي أجرتها معه إذاعة «مونتا كارلو»، ويقول: لقد أوقفوا نشرة الأخبار حينما كنت اغني أغنية «مضناك جفاه مرقده» في مقابلة مع الإذاعة في منتصف التسعينات من القرن الماضي.
ويقول: لقد أثرت لندن في بشكل ايجابي، لقد دخلت إلى العاصمة البريطانية ومعي 5 جنيهات إسترلينية، واليوم، لله الحمد، اعتبر أول مطرب عربي محترف الغناء في أوروبا. «لقد غنيت مرتين في ألبرت هول في لندن، وسط حضور جماهيري وصل إلى 7 آلاف شخص. لدي معجبين من المجتمع الإنجليزي، وشاركت في العديد من الاحتفالات الانجليزية، ونلت تقديراً معنوياً ومادياً مجزياً منهم ربما يفوق التقدير الذي أناله من العرب أنفسهم».
ومن الأغاني التي أداها ونالت نجاحا، يقول عزام: «والله وبقالك بال»، وقال انه غناها عام 1998، بحفلة صوت العرب بالقاهرة بمناسبة مرور 44 سنة على إنشاء إذاعة صوت العرب.
ويؤكد أن هناك طلبا كبيرا على الأغاني الكلاسيكية. «الطرب الأصيل لم يندثر ومازال عشاقه موجودين فهو فن حي، والدليل على ذلك المسابقات التي تنظمها المحطات الفضائية لاختيار النجوم الصاعدين حيث يكون الحكم هو أداء الأغاني الكلاسيكية التي تظهر القدرة الصوتية للمشاركين. وبهذه المناسبة يعلن تحديه لأي صوت عربي يستطيع أن ينافسه في الغناء الكلاسيكي والطرب الأصيل.
وشارك عزام في عدد من المهرجانات العربية والعالمية وهو مدعو في نوفمبر المقبل للمشاركة في الحفل الذي ستنظمه الأوبرا المصرية. «الأوبرا المصرية تحافظ بدورها على الغناء الأصيل، وأنا مدعو في نوفمبر المقبل للمشاركة في الحفل الذي ستنظمه».
وحول ما يعرض حاليا من غناء في المحطات التلفزيونية، يقول: «اليوم الفضائيات تريد أن تعرض مشاهد ومناظر جميلة، فالناس ملت الحروب ومناظر الدماء، فالذي يقدم لا يعتبر غناء كلاسيكيا، فلا واحد يستطيع أن يتقن الغناء الكلاسيكي».
ويشير بهذا الصدد إلى ما يقدم في الساحة الفنية العربية: «هذا الذي يقدمونه ليس طربا، انه للاستهلاك فقط «Take away» العين بدأت تتعب من انتقال الصورة السريع. بعكس زمان حينما كان هناك معنى ومفهوم للأغنية».
ويبرر ما تتعرض له الأغنية العربية من ابتعاد عن الأصالة، بأنه جزء من الحرب على الثقافة العربية سواء كان ذلك شعرا أو فنا أو موسيقى. «هناك جهات تحارب الفن العربي، منها داخلي و خارجي، وذلك بهدف تشويه الغناء العربي ومسخ هوية الشباب العربي».
ويختتم حواره ويقول: لدي أغان جديدة من لبنان ومصر .. وكم أتمنى أن أغني لحناً خليجياً.
لندن ـ راشد العيد
