تنتشر موجة من فرض قيود على الاستثمارات الأجنبية في العالم من كندا إلى الصين، حيث تدرس هذه الدول فرض قيود على شراء الشركات الوطنية بواسطة أخرى أجنبية. ويخشى المسؤولون الأميركيون من أن يسبب ذلك ضرراً للنمو الاقتصادي العالمي إذا اتسع انتشار هذه الموجة.
وتشمل الإجراءات التي تتخذها الدول فرض حواجز بيروقراطية وقانونية على الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يقوم من خلاله الأجانب بشراء أصول مادية مثل المناجم وملكيات أخرى بدلاً من الاستثمار غير المباشر من خلال الأسهم والسندات.
ولم تؤثر هذه الحواجز حتى الآن في التدفقات الكبيرة لاستثمار المال في أنحاء العالم. والواقع أن الاستثمار الأجنبي المباشر يزداد وينمو، لكن المسؤولين الأميركيين يخشون أن يتأثر هذا الوضع لأن الحواجز والعوائق أمام الاستثمار ترتفع لأول مرة منذ عقود، بدلاً من أن تزول وتنهار، وهو اتجاه قد يسبب أضراراً للشركات العالمية متعددة الجنسية.
وفي الصين على سبيل المثال تؤدي اللوائح الجديدة إلى إتاحة الفرصة للمسؤولين لوقف صفقات شراء شركات صينية من جانب أخرى أجنبية إذا رأوا أن هذا يشكل خطراً على الأمن الاقتصادي. وفي روسيا تدرس الحكومة وضع قيود على الملكية الأجنبية في 39 قطاعاً استراتيجياً في الاقتصاد منها موارد الغاز الطبيعي والتقنية الحيوية.
وتدرس كندا أكبر شريك تجاري لأميركا، فرض قيود على شراء الشركات الكندية من جانب شركات أجنبية للحد من هذه الموجة مؤخراً، بما فيها صفقة شراء أرسيلور الفرنسية لشركة دوفاسكو الكندية للحديد والصلب.
وليس من الواضح المدى الذي يمكن أن تؤثر به هذه الإجراءات على المشترين، كما تقول صحيفة وول ستريت جورنال، لكن في كثير من الحالات اضطرت شركات أجنبية للاكتفاء بحصص صغيرة في الشركات التي كانت تريد شراءها.
في الصين مثلاً اضطرت مجموعة كارلايل الأميركية إلى خفض الحصة التي كانت تريد شراءها في شركة يانفتشو الصينية للصلب. وفي إيطاليا اضطرت تليفونيكا الإسبانية إلى التحالف مع ثلاث مؤسسات مالية إيطالية من أجل شراء تليكوم إيطاليا بعد إعلان رئيس الوزراء الإيطالي أن الشركة الإيطالية لا بد أن تظل في أيدٍ إيطالية.
ويعكس القلق من الصفقات التي تشتري فيها شركات أجنبية أخرى محلية بضعة عوامل، منها أن أميركا ذاتها تضع حواجز جديدة أمام دخول رأس المال الأجنبي.
ويأتي ذلك أيضاً وسط موجة عارمة مضادة للعولمة، تغذيها مخاوف شعبية من أن التجارة أضرت بالعديد من العمال المهرة في العالم وساهمت في فقدان الوظائف وانخفاض أو عدم نمو الأجور، خاصة في الدول الغنية.
وثارت عواصف سياسية في الولايات المتحدة عندما آلت أصول موانئ أميركية لشركة موانئ دبي العالمية منذ عام، وقبل ذلك عندما حاولت شركة صينية شراء مؤسسة أوتوكول الأميركية للبترول.
وثارت ضجة حول كل من الصفقتين مما جعل الكونغرس الأميركي يصدر تشريعاً لإخضاع صفقات شراء شركات أجنبية لأخرى أميركية لتدقيق لجنة الاستثمار الأجنبي الأميركية، وذلك لتقرير ما إذا كانت الصفقة خطرة على الأمن القومي.
وهناك بعض الدول، ويحتمل أميركا ذاتها، اتخذت إجراءات تهدف إلى منع صفقات بيع الشركات المحلية سواء عن قصد أو من دون قصد، وسبب ذلك أن تحد الدول الأخرى من استثماراتها. كما يقول ويليام باريت رئيس المجلس الأميركي للتجارة الدولية، الذي ينادي بحرية التجارة .
ويضيف باريت ان الأخطار على أميركا من هذه السياسة هي الأكبر، خاصة الشركات متعددة الجنسية، وغالبيتها أميركية، فهذه الشركات تعتمد في أعمالها الخارجية على فروع في دول أخرى بدلاً من بيع منتجات مصنعة داخل الولايات المتحدة.
وقامت الشركات متعددة الجنسية في عام 2004 بتصدير سلع قيمتها 400 مليار دولار من داخل أميركا، لكن مبيعاتها من خارج أميركا بلغت 62 .2 تريليون دولار، وفق مكتب التحليلات الاقتصادية الأميركية.
ويقول ماثيو سلوتر الخبير الاقتصادي في كلية تجارة تاك بجامعة دارتموث إن هذا الأمر مهم لأن الشركات متعددة الجنسية (الأميركية) تخدم الأسواق الأجنبية من خلال فروعها في الدول الأخرى وليس من خلال الصادرات من داخل أميركا والفروع في الدول الأجنبية تنتج منتجات طبق الأصل من التي تنتج داخل أميركا، اعتماداً على مواقع الانتاج المحلية والمواد الخام المحلية وسهولة الوصول إلى المستهلك الأجنبي.
والذين يعارضون العولمة يخشون ردود الفعل السياسية أن تخرب اتجاهاً مستمراً منذ عقود نحو مزيد من الانفتاح الاقتصادي الذي ساعد في انعاش الاقتصاد الأميركي والسيطرة على معدل التضخم.
وظهر تأثير القيود الصينية بالفعل، حيث قررت مجموعة كارلايل شراء حصة غالبية في شركة يانفتشو الصينية للصلب، لكن الحصة تقلصت إلى أقلية بعد إعلان الصيف أن يانفتشو شركة ذات أهمية استراتيجية وأثارت مخاوف من امتلاك أجانب لها.
وتدرس الهند وألمانيا تطبيق عمليات تدقيق ومراقبة للاستثمارات الأجنبية مثل التي تطبقها أميركا حالياً. وتدرس ألمانيا إصدار تشريع يجعل من الصعب على الشركات الأجنبية والحكومية شراء شركات ألمانية.
ورفضت الهند بالفعل عرضاً من شركة اتصالات صينية لشراء شركة اتصالات هندية. ويثير بعض رجال السياسة والمجموعات الصناعية في اليابان مخاوف وقلق بشأن تأثير الاستثمارات الأجنبية على الأمن القومي. وتؤمم بوليفيا قطاع الغاز والبترول فيها.
المخاوف الأمنية حاضرة بقوة
يقول الزعماء الكنديون إنهم يستجيبون للمخاوف الأمنية بشأن شراء شركات أجنبية وحكومية لموارد طبيعية كندية وأصول محلية أخرى. وقال وزير كندي قد توجه عناية خاصة عندما نرى أن هناك تأثيراً على الأمن القومي في هذه الصفقات سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وأضاف: «نحن ندري بالحاجة إلى حماية أمننا القومي وأن نتأكد من أن الاستثمار يصب في المصلحة الكاملة لكندا». وقد صرح مسؤولون أميركيون بتصريحات مشابهة.
وقال وكيل الخزانة للشؤون الدولية مثلاً ان لجنة فحص الاستثمارات الأجنبية لا تدرس كامل المعاملة بالمثل، لكن الاستثمارات تأخذ سياقاً سياسياً أوسع وستكون فرص الشركات الأميركية للاستثمار في دول أخرى رهناً بمعدل قدرة الشركات من هذه الدول على الاستثمار في أميركا بشرط ألا يتعارض ذلك مع الأمن القومي.
ترجمة: أشرف رفيق