ذكرت بعض البيانات التي تم نشرها عن ودائع المصارف الاسلامية وفروع البنوك التقليدية المخصصة للمعاملات الاسلامية، أن هذه الودائع في تزايد مستمر وأنها ستصل في نهاية هذا العقد (في عام 2010) إلى حوالي نصف تريليون دولار أميركي.

وهو ما يمكن أن يغطى الاستثمارات المطلوبة لكل الدول الاسلامية والعربية ومشروعات التنمية المدرجة في خططها، وذلك دون أن تلجأ إلى الاستدانة من دول أجنبية، وقد أوضحت هذه البيانات أن ربع هذا المبلغ سيتم تخصيصه لمشروعات التنمية في المنطقة العربية وحدها.

والتمويل هو الأداة الضرورية للانشاء وللتنمية وللتقدم، وقد كان الاساس الذي تقدمت به دول أوربا الغربية في القرن التاسع عشر، وأصبحت اليوم من أعظم الدول وأقواها وتفوقت شعوبها على أي شعوب أخرى، وبالتمويل أيضاً كادت دول جنوب شرق آسيا تصل إلى أعلى مستويات التقدم لولا ضرْبها في مقتل أواخر القرن الماضي، وقد تم ذلك عن طريق هروب الأموال منها وتساقط بنوكها ومؤسساتها المالية في عام 1997 وهي الأزمة المالية والنقدية التي مازالت تعاني منها حتى الآن.

إنها فرصة جيدة للعالم الاسلامي حيث أصبحت تتوافر فيه الأموال الضخمة للاستثمار والتنمية والتقدم، وتخليصه من مشاكل الفقر المدقع التي تسيطر على أكثر من نصف سكان الأمة الاسلامية، ولعل ذلك هو الذي جعل الدكتور أحمد على رئيس البنك الإسلامي للتنمية يتقدم بمشروعات عديدة لمعالجة الفقر في الدول الاسلامية.

وقد كان أولها مشروع انشاء صندوق مكافحة الفقر والذي ساهم فيه حوالي 28 دولة اسلامية، وهي الدول التي تعهدت بتقديم 6 ,2 مليار دولار أميركي من أصل عشرة مليارات دولار أميركي هي رأسمال الصندوق والذي تتركز أعماله في مكافحة الفقر ومعالجة الأمراض المستعصية الناتجة عنه.

ولقد أصبحت مكافحة الفقر على رأس أولويات البنك الاسلامي للتنمية وخاصة وأن ذلك سيكون بداية لتحسين أحوال الأمة الاسلامية التي تدهورت في السنوات الاخيرة، وبالتالي اعتمد البنك تمويلات تراكمية لهذا الغرض وصلت مجموعها الى 46 مليار دولار أميركي.

وذلك بالاضافة إلى قيامه بإنشاء عدد من الآليات الأخرى التي تساعد البنك على القيام بهذا العمل وبالتركيز على قطاعات متعددة للتنمية - الزراعة والأمن الغذائي والتنمية البشرية والتعليم والصحة وامدادات المياه والصرف الصحى وتنمية البنية الاساسية كالطرق والكباري والكهرباء.

إن رؤية البنك الاسلامي للتنمية ومكافحة الفقر في الأمة الاسلامية وهي حالياً تحمل عنوان (رؤية من أجل كرامة الانسان) تنطوى حتى عام 2020 على تصور لدوره بأن يكون ريادياً في تعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية مع التركيز على وطأة الفقر والارتقاء بالتنمية البشرية، وهي رؤية تنسجم مع الأهداف الانمائية للألفية الجديدة فيما يتعلق بتعريف الفقر وتحديده.

ولعل الزيادة الكبيرة التي حدثت في ودائع المصارف الاسلامية والتى يمكن توجيهها للتنمية في الدول الإسلامية عن طريق إنشاء مجلس اسلامي متخصص من كبار الاقتصاديين الاسلاميين، هذه الزيادة تمت نتيجة التوسعات المصرفية الاسلامية في دول الخليج وغيرها من الدول الاسلامية الاخرى خلال السنوات الاخيرة.

حيث تم تأسيس عدد كبير من المصارف الاسلامية وتحولت بنوك تقليدية بالكامل إلى مصارف اسلامية، كما ان البنوك التقليدية التي لم تتحول فقد فتحت فروع للمعاملات الاسلامية رغبة في زيادة معاملاتها الخدمية. لقد تم مؤخراً التوسع في انشاء المصارف الاسلامية في منطقة الخليج وغيرها حيث تم تأسيس بنك موبيان في الكويت وقام البنك العقاري هناك بالتحول الى الصرافة الاسلامية، وفي السعودية بدأ بنك البلاد الإسلامي نشاطه المصرفي.

أما في الامارات فقد تغير اسم بنك الشارقة الوطنى الى بنك الشارقة الإسلامي كما تحول بنك الشرق الاوسط التابع لبنك الامارات الدولى إلى مصرف اسلامي تحت اسم مصرف الامارات الاسلامى، وفي البحرين تم تأسيس مصرف السلام البحرينى.

كما أُعلن عن انشاء البنك الدولى المتحد برأسمال قدره 5 ,2 مليار دولار أميركي، وهكذا تتوسع المصارف الاسلامية وتحصل على المزيد من الودائع الاسلامية التي ستكون أداء التنمية الاسلامية في كل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.

ومؤخراً تم الاتفاق بين مصرف أبوظبى الإسلامي وشركة الاتحاد على شراء البنك الوطنى للتنمية المصرى بشروط أهمها تحديث البنك على أن يصبح بنك المعاملات الاسلامية الاول في مصر خاصة وأنه يمتلك شبكة فروع اسلامية كبيرة في الخارج وعلى أن تغطي فروعه كل أنحاء مصر.

حيث يمتلك حالياً 70 فرعا كما تقرر انشاء 30 فرعا جديدا للبنك لتصبح فروعه حوالي مئة فرع في مصر وحدها، وبذلك سيكون هذا البنك أكبر بنك اسلامي في مصر وسيؤدي إلى زيادة البنوك الاسلامية المصرية، بل وقد يفوق في حجمه مصرف فيصل الاسلامي - أول بنك للمعاملات الاسلامية في مصر.

كما أن أغلب البنوك التقليدية في كثير من دول العالم قامت بتوسيع دوائر نشاطها المصرفي الاسلامي لمواجهة حجم الطلبات المتزايدة على المعاملات الاسلامية، وذلك من خلال تأسيس نوافذ إسلامية وتطوير أقسام اسلامية متخصصة وإنشاء وحدات مصرفية تابعة لها.

فبنك قطر الوطني - على سبيل المثال - قام بتأسيس أول فرع اسلامي لبنك تجاري في قطر تحت إسم (البنك الوطني الاسلامي)، أما البنك الأهلي التجاري السعودي فقد قام بتحويل جميع فروعه في المملكة إلى بنوك إسلامية وتحصل حالياً على أكبر عمليات خدمات مصرفية إسلامية كما تحصل على أكبر ودائع إسلامية.

وفى خارج حدود المنطقة الخليجية ساهم بنك قطر الاسلامي في تأسيس بنك سوريا الدولى الاسلامي، وساهمت مجموعة البركة المصرفية في تأسيس بنك في سوريا أيضاً، كما أصبح في لبنان أربع بنوك إسلامية ساهمت فيها بنوك خليجية - بنك البركة وبيت التمويل العربى والبنك اللبنانى الإسلامي وبنك لبنان والمجد الاسلامي.

وفي السودان ساهمت المصارف الاسلامية الاماراتية في تأسيس بنك الامارات والسودان، كما يمتلك بنك دبي الاسلامي حصة قدرها 60% من أسهم بنك الخرطوم، وفي بريطانيا تم افتتاح أول بنك إسلامى تحت اسم البنك البريطاني الاسلامي الذي يمتلك بنك قطر الاسلامي الحصة الاكبر في أسهمه، وفي ماليزيا قام كونسورتيوم بضم بنك قطر الاسلامي وبنك رصدا الاستثماري وبيت الاستثمار العالمى وتأسيس مصرف إسلامي كبير تحت اسم بنك التمويل الآسيوى.

لقد اعترف الرئيس التنفيذي لبنك الإعمار الذي يتخذ من البحرين مقراً رئيسياً لأعماله في المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في البحر الميت بالأردن (وحضره 1200 عضو من قادة السياسة والاقتصاد في العالم ومن بينهم 16 رئيس دولة).

اعترف بأن التمويل الاسلامي يعتبر محفزاً مثالياً لتنمية العلاقات التجارية بين الشرق والغرب بعد أن وصل لمستويات كبيرة وأصبح هناك اهتماماً متزايداً من قبل الدول الأوروبية والشركات الغربية بالتمويل الاسلامي كخيار لتوفير الأموال لاقامة المشروعات الرئيسية الكبرى.

إن هذا الاعتراف من مصرفي مخضرم في مجال الاستثمار والذى يمتلك خبرة تصل الى 34 عاماً في مؤسسات عالمية في مجال إدارة ثروات الافراد في مكاتب (ميريل لينش - لندن) وهي أكبر مؤسسات للتقييم والبحوث المالية، هذا الاعتراف يؤكد مدى تقدم الصيرفة المصرفية الإسلامية لتسبق الصيرفة التقليدية العالمية.

وهي التي يتعين أن يستخدمها العالم الاسلامي في اقامة مشروعات التنمية المستدامة في كافة الدول الاسلامية، غنية وفقيرة، وذلك لتحسين أحوال الشعوب الاسلامية التي تهمشها بعض الدول الكبرى حالياً وتصبغها بصبغة ارهابية هي بعيدة كلية عنها، خاصة وأن أغلب هذه الدول الاسلامية تحارب الارهاب سواء كان مصدره مسلمين أو غيرهم.

لقد آن الأوان لقيام الشعوب الاسلامية برسالتها التنموية في كل المجالات، اقتصادية واجتماعية وسياسية وذلك باستخدام الأموال الاسلامية الضخمة المتوافرة من الودائع في المصارف الاسلامية وتلك التي تتعامل في الصيرفة الاسلامية.

وعلى أن تنشأ آليات عاجلة لوضع أسس لهذا الاستخدام داخل الدول الاسلامية، وبالاستفادة من خبرائها والفنيين المصرفيين فيها، ونأمل أن يشارك البنك الإسلامي للتنمية بإنشاء لجنة من أقطاب الاقتصاد في العالم الإسلامي لوضع الخطوات التنفيذية لهذا العمل وأن تصل هذه الرسالة إليه.

مستشار وكاتب اقتصادي مصري