هناك أسئلة ذات مضمون اقتصادي بنيوي أضحت تتكرر على ألسنة المتابعين والمراقبين وحتى العامة، ومن هذه الأسئلة كيف لبلد زراعي تتوفر فيه جميع مستلزمات الزراعة من تربة صالحة للزراعة ومياه عذبة ويستورد الغذاء؟ وكيف لدولة منتجة للنفط وتمتلك احتياطي ضخم من النفط والغاز وتستورد البنزين؟
والواقع أن هذه الحالة ليست الأولى التي تواجه الدول المنتجة للنفط، فتعزيز أي مفصل اقتصادي على حساب المفاصل البنوية الأخرى، لابد وأن يكون له الأثر السلبي على باقي المكونات الاقتصادية التنموية المتبقية، وهذا يحدو بنا إلى نظرية النمو غير المتوازن، حيث أن الاستثمارات في هذه الحالة تخصص لقطاعات معينة بدلا من توزيعها بالتزامن على جميع قطاعات الاقتصاد الوطني.
فإقامة مشروعات جديدة يعتمد على ما حققته مشروعات أخرى من وفورات خارجية تخلق بدورها وفورات جديدة يمكن أن تستفيد منها وتقوم عليها مشروعات تستهدف السياسات الإنمائية التي تخلق المزيد من الوفورات الخارجية، فعلى الرغم من الاحتياطي النفطي الضخم الذي تمتلكه إيران إلا أنها تستورد 40% من احتياجاتها من البنزين أي ما يعادل 35 مليون لتر يوميا بسبب نقص طاقة التكرير المحلية، وللحيلولة لهذا النقص الحاصل طبقت إيران في 27 حزيران نظاما لتقنين توزيع البنزين.
والملاحظ أن الطاقة الإنتاجية النفطية الإيرانية قد تناقصت عما كانت عليه قبل ثلاثة عقود، إذ تبلغ حاليا أربعة ملايين برميل يومياً بعد أن كانت نحو ستة ملايين برميل يومياً في عهد الشاه،. فيما حافظت الطاقة التصديرية دون تغيير لسنوات عدة، والبالغة نحو 5 ,2 مليون برميل يومياً..
ولمعرفة أسباب انخفاض الطاقة التصديرية يوعز المحللون الاقتصاديون هذا التدهور إلى أسباب عدة، إلا أن أهمها يعود إلى عدم التوازن في التمويل اللازم بين المنشآت النووية والمنشآت الخدمية الأخرى كالطاقة التكريرية، والذي يعود بالدرجة الأولى إلى الدعم الملياري وبلا سقف محدد إلى البرنامج النووي مما أدى إلى زعزعة كثير من البرامج التنموية وخاصة فيما يتعلق بالبنى التحتية،
ولعدم وجود أرقام دقيقة عن التكاليف التي تنفقها إيران لبرنامجها النووي إلا أن دراسة صدرت مؤخرا عن مركز (نورث وست باسيفيك) للأمن الدولي، تشير إلى أن تكاليف المفاعلات النووية السبعة ضمن البرنامج النووي الإيراني تبلغ ما بين 7-10 مليارات دولار في حين بلغت قيمة فاتورة استيراد البنزين خمسة مليارات دولار،
إلا أن أقرب ما يكون لوجه المقارنة من حيث التكاليف كل من (الهند وباكستان) فالأرقام الفلكية التي تنخر ميزانيتيهما السنوية جراء دعم برامج نووية أدت إلى تداعيات عديدة توقفت خلالها الكثير من برامج ومشروعات التنمية لصعوبة تغطية تكاليف تنفيذها، ويكاد يكون النشاط الاقتصادي متوقفا ويواجه أوضاعا صعبة للغاية جراء تأخر المخصصات،
ونقص السيولة في مختلف القطاعات الخدمية والإنتاجية بالإضافة إلى تآكل البنية التحتية من شبكات طرق والبريد والاتصالات ومحطات كهرباء وشبكات توصيل، وبالتالي تصاعد نسب الفقر والبطالة، وبناء عليه فإن الاقتصاد غير المتوازن يتبدد لأنه يستهلك الموارد المحدودة دون استثمارها بالوجه الصحيح.
ويرى أغلب المحللين أن هذه الإستراتيجية بلا جدوى إذا كان مفعولها الوحيد يتلخص في تنمية حقل اقتصادي مسيس على حساب حقول ذات أبعاد إنسانية واجتماعية تشكل القاعدة الأساسية للفرد والمجتمع، فتكلفة الصاروخ الهندي أو الباكستاني، والتي تعتبر أقل التكاليف ضمن التسليح العسكري في العالم تبلغ 75, 3 ملايين دولار، وبإضافة تكلفة نظام القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات،
فإن الفاتورة الإجمالية تقدر بنحو 2, 5 بلايين دولار، وحيث أن أسعار المنتجات الدفاعية الهندية هي أسعار منخفضة، فإنه يجب أن نفترض أن التكلفة ربما تكون أعلى من ذلك، وأكثر التقديرات محافظة ترى أنه بإدماج متطلبات الواردات ترتفع الأرقام تقريبا إلى 40 بليون دولار،
وتخمين هذه الكلف ينطبق على النفقات التخمينية لإيران، وعلى الرغم من احتياطياتها النفطية الضخمة، إلا أنها فقدت القدرة على دعم الطاقة التكريرية جراء الإنفاق غير المتزن على برنامجها النووي، مما تعين عليها استيراد نحو 40% من احتياجاتها من البنزين، وهي مسألة حساسة في الوقت الذي تهدد فيه قوى عالمية بفرض عقوبات جديدة في إطار خلاف مع طهران بسبب برنامجها النووي.
وتشير الأرقام بوضوح إلى أن تكلفة تصنيع الوقود النووي محليا بما في ذلك عمليات التخصيب تزيد من تكلفة شرائه من الأسواق الدولية، وان البديل الأفضل هو ترشيد الاستهلاك وإدارة أفضل لموارد النفط والغاز الطبيعي، بالإضافة إلى تكاليف تعدين اليورانيوم وتحويله وتخصيبه.
ومقابل هذه التكاليف يمكن لإيران استيراد اليورانيوم المخصب، أو الوقود المصّنع، رخيصا من روسيا أو من أي مورد آخر للوقود النووي. فإذا كان الهدف النهائي لطهران هو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة- كما جاء في توصيات الدراسة-، فلديها العديد من المشاريع البديلة، ذات الجدوى، التي يمكنها أن تحقق الاكتفاء الذاتي في مجالي استخدام الغاز المهدر حاليا لإنتاج الكهرباء والمصافي الجديدة لإنتاج الغازولين،
وتوفير استيراد البنزين المستورد حاليا من حاجات الاستهلاك من مشتقات الغازولين المكرر، والنتيجة هي إذا كانت إيران تتبع أصولا اقتصادية في تخطيط مستقبل الطاقة فيها، فيجب عليها عدم إهدار الموارد النادرة، وعليها التركيز بدلا من ذلك على مشروعات يمكنها أن تضمن لها التوازن الاقتصادي، وكفاءة الاستخدام، وتحقيق أمن الطاقة فيها، وبالتالي أمن المنطقة.
باحث اقتصادي