يعرب العديد من الاقتصاديين والخبراء بدول المنطقة عن تخوفهم في قيام دول المنطقة بإهمال سياسات الإصلاح المالي والاقتصادي. فالتخطيط وتنفيذ الإصلاح في زمن الرواج أسهل كثيرا من التعامل معه في زمن الضغوط. ومرور الوقت يجعل تكلفة الإصلاح أعلى بكثير، ولعل ما تعانيه معظم دول التعاون من مؤشر ارتفاع معدلات البطالة والتي تحتاج لمواجهتها إلى إجراءات متوسطة وطويلة الأجل مع توفر فائض مالي دليل على المخاطر التي تنتظرها.
إن النفط ثروة وطنية ناضبة استطاعت دول مجلس التعاون الخليجي توظيف العائد عليها في تغيير مسار اقتصاداتها فانتقلت إلى مستويات أعلى بكثير من سابق عهودها. ولأن النفط عامل مهم وناضب كسب جزءا غير قليل من اهتمام مواطني الدول المنتجة له سواء كان ذلك في بلدان نامية كدول المجلس أو بلدان صناعية.
لقد أدى الارتفاع الهائل في الإيرادات النفطية إلى اضطلاع الحكومة بدور اكبر ومسؤوليات أوسع مما هو عليه الحال في البلدان النامية، وشكلت بالتالي السياسات الحكومية المختلفة والمالية منها على وجه الخصوص حجر الزاوية في توزيع واستخدام الموارد على مختلف النشاطات الاقتصادية والاجتماعية.
كما شهدت العقود الثلاثة الماضية انتقال جزء كبير من العوائد النفطية إلى القطاع الخاص، وذلك من خلال الأساليب التي انتهجتها الحكومات لإعادة توزيع الثروة سواء أخذت هذه شكل توزيع الأراضي أو التوسع في التسهيلات المصرفية بفوائد منخفضة، أو التوظيف الحكومي.. الخ، وازدادت بالتالي مشاركة القطاع الخاص، وان كانت بصورة محدودة، في النشاطات الاقتصادية.
وبسبب هذا الدور الكبير للدولة في الاقتصاد الوطني، والذي أصر البعض على تسميته دولة الرفاهية التي تكونت خلال العقود القليلة الماضية، ادت إلى انتهاج المجتمع نمطا استهلاكيا غير منتج. فعلى سبيل المثال كانت ولا تزال السلع الكمالية والترفيهية تمثل نسبة كبيرة من أجمالي الواردات. إضافة إلى ذلك دور الدولة ساهم في تحفيز المجتمع لاستخدام الآخرين لأداء مختلف الأعمال والخدمات، الأمر الذي أدى إلى استقدام العمالة الوافدة وخاصة الخدم من الخارج.
وبسبب اعتماد المجتمع الخليجي على الدولة أصبحت الدولة عاجزة عن تقليص بند الرواتب والأجور من دون أي يتسبب ذلك في انعكاسات اقتصادية وسياسية كبيرة. ونجد أن جميع الأبواب الأخرى في الميزانية قابلة للتقليص ولكن هذا البند يتراكم وليس هناك قدرة على إيقاف تراكمه السنوي بشكل حاسم. وقد أدى هذا إلى البطالة المقنعة التي تصل في بعض دول الخليج إلى أكثر من 80 ألف موظف. وكل هذا يمثل عبئا على الدولة.
لقد لجأت دول مجلس التعاون الخليجي إلى استخدام الاحتياطي في زمن تراجع أسعار النفط. ومن المنظور الاقتصادي فإن استخدام الاحتياطي من العملات الناجمة عن تصدير النفط يعد بمثابة الإسراع في استنزاف الثروة النفطية. فلو استمر تراجع النفط لفترة أطول بعض الشيء مما استمر عليه قبل عدة سنوات، فإننا سوف نستنزف الاحتياطي ومن ثم ستأتي المصاعب الكبيرة.
لهذا فنحن بحاجة لسياسات هيكلية تسهم في تطوير العلاقة بين الموازنة العامة والاقتصادات الخليجية بحيث تضعف من تأثير تقلبات أسعار النفط على أداء هذه الاقتصادات. ومن المهم ان توضع هذه السياسات ضمن إطار عام ونعني بذلك بتحديد هدف أو أهداف اقتصادية استراتيجية نهدف إلى تحقيقها على المدى البعيد.
يقول الباحث الدكتور احمد اليوشع أن النظرية الاقتصادية والتجارب التنموية للدول النفطية تقترح أن لدى متخذي القرار في هذه الدول الخيار بين نموذجين للتنمية الاقتصادية. ويمكن أن يطلق على الأول النموذج «النفطي الاستثماري» وأقرب نموذج لذلك التجربة الكويتية حيث تبنت الكويت سياسات اقتصادية أدت إلى توظيف العائد على الثروة النفطية في شكل استثمارات خارجية واستخدام تلك الاستثمارات والعائد عليها للحفاظ على مستوى رفاهية الفرد الكويتي.
واختيار هذا النموذج يعتمد إلى حد كبير على حجم العائد على الثروة النفطية فهذا النموذج لكي يكون مجديا بحاجة لاستثمارات كبيرة كتلك التي كانت لدى الكويت. أما بالنسبة لتجربة الاقتصاد البحريني فيبدو أنها قد انحازت لصالح النموذج الثاني وذلك لسبب أساسي وهو عدم كفاية الموارد المالية العائدة على الثروة النفطية البحرينية لتبني النموذج الأول.
وعندما نريد التعرف على آثار تحركات أسعار النفط على اقتصادات الدولة المنتجة في دول الخليج يمكننا أن نلاحظ بداية أن هناك علاقة مباشرة بين تحقيق الدخل الريعي من النفط ودرجة الاستقرار الاجتماعي. في نظم الاقتصاد الريعي لا تحتاج الدولة إلى الأفراد حيث تقوم الدولة بتحمل الحد الأدنى من الإنفاق على مواطنيها دون الحاجة إلى مشاركتهم المباشرة في تحمل الأعباء الضريبية.
وفق هذه المعادلة أمكن للدول المنتجة تحقيق نوعاً من الاستقرار الاجتماعي والسياسي بين مواطنيها إلا أن ذلك لا يعني في الحقيقة تحقيق اقتصاد وطني معتمد على نفسه. لذلك، فإن استشراف عالم المستقبل بات يتحدد اليوم بصورة أدق من خلال تطوير رأس المال البشرى للمساهمة في عملية النمو الاقتصادي.
أن النجاح الذي حققته سنغافورة وعدد من الدول الآسيوية الأخرى في تنمية العنصر البشري وإسهامه في عملية النمو الاقتصادي خلال الثلاثة عقود الماضية يستدعي منا دراسة تلك التجارب للتعرف على خصوصياتها وكيفية تلمسها طريق النجاح. فقد حققت سنغافورة بعد الاستقلال وخلال ثلاثة عقود متواصلة معدلات نمو مستمرة تراوحت بين 7 إلى 9% سنويا.
وتحققت تلك الانجازات من خلال قدرة ذلك المجتمع على التحول والتغير وفق معطيات وظروف السوق في حينه وهو ما أشار إليه الدكتور جو كج سوي مساعد رئيس الوزراء السابق حيث أفاد في سياق حديثه بأن تجربة سنغافورة بدأت منذ إصرار الأمهات على تدريس العلوم والرياضيات بشكل مكثف في المدارس الحكومية.
كما أشار إلى انه إذا كان هناك من له فضل علينا في تعريفنا بشؤون الاقتصاد فهو ذلك الاقتصادي الهولندي الذي دفعهم في عقد الستينات إلى التعرف على مبادئ الاقتصاد الدولي وإدخال الخطط الخمسية منذ ذلك الحين علما بأن ذلك الخبير ويدعى ألبرت ونزميس كان في الأصل خبيرا في اقتصادات صناعة الايس كريم.
وبدأت سنغافورة بمجلس للتنمية الاقتصادي والذي ساهم مباشرة في بناء اقتصاد حديث ومتطور عن طريق إقامة صناعات وطنية مملوكة للدولة تم إشغالها بأفضل المهارات والقدرات المتوفرة محليا وتم تدريبهم على العمل وفق معطيات السوق.
وقد أولت سنغافورة اهتماما كبيرا بموضوع التعليم ففي عام 1968 لم تخرج الجامعات أي مهندس. اما الآن فتخرج الجامعات حوالي 20 ألف مهندس سنويا. إن اعتماد استراتيجيات التنمية سوف يبقي على الموارد البشرية والطبيعية المتوفرة بدول المجلس وكذلك الموقع الجغرافي المتميز.
ولكن في ظل المنافسة الشديدة من قبل الدول المختلفة إقليميا ودوليا، هل يمكن اعتبار هذه العوامل ميزة نسبية تتمتع بها دول المجلس مع الدول المنافسة؟ خاصة وان هذه الدول تتمتع بموارد طبيعية هائلة وبنفقات عالية على التعليم والتدريب. لذلك لابد من مواصلة تطوير مناهج التعليم والإدارة، حيث إن نظام التعليم هو الذي يصنع ويخلق جهاز الإدارة، وجهاز الإدارة، في الوقت نفسه، هو الذي يطور جهاز التعليم.
كذلك ضرورة الانفتاح على التقدم العلمي والتكنولوجي وتأهيل المؤسسات الإنتاجية الوطنية تأهيلا كاملا من حيث الإنتاج والترويج والتمويل والاستثمارات وتأهيل القطاع الخاص ليكون قادرا على تطوير الأداء الاقتصادي وتبني الأساليب الحديثة ومواصلة نهج التكامل الاقتصادي بين الدول الخليجية والعربية.
كاتب ومحلل اقتصادي