كان الفنان أبوبكر سالم بلفقيه أول من حمل لقب «بلبل الجزيرة» قي الستينات من القرن الماضي، عندما انطلقت شهرته الغنائية من مدينة عدن، ثم جاء الفنان اليمني عوض أحمد ليحمل اللقب من خلال أغنيته الشهيرة «بلبل سحرني جماله»، وكان قبل ذلك قد اشتهر بألحان الفنان محمد محسن عطروش من خلال أغنية «عاد شي رحمة».

هكذا ظهر عوض أحمد بين جمهوره بلون فريد هو مزيج من اللونين الغنائي اللحجي والأبيني نسبة لمحافظة أبين، وهي من المحافظات الزراعية، التي تكثر فيها أشجار الفواكه خاصة أشجار الموز والمانغا، وكذلك أشجار الرياحين والورود، وكل هذه الأشجار كانت عناوين ناجحة لأغنيات العطروش وعوض أحمد ومحمد علي الميسري.

وإذا كان الفنان والملحن عطروش قد اشتهر أكثر بألحانه التي زود بها معظم الفنانين اليمنيين، وأشهرها أغنيته «يارب من له حبيب» التي غناها أكثر من فنان خليجي وعربي، غير أن عوض أحمد اشتهر بلونه الفريد واستطاع أن يصمد في الساحة اليمنية الغنائية لأكثر من 40 عاماً ومازال يحلق في سماء هذه الألحان. في جلسة مع عوض أحمد في مدينة عدن حدثنا عن البدايات وآخر تحضيراته الغنائية.

* بدايتك مع الفن لها حكاية؟

ـ توفي والدي وعمري أربعون يوماً فقط، وشعرت باليتم وفقدان الأب قي وقت مبكر، وفي هذا المناخ ولدت وترعرعت إلا انه كانت لدي رغبة كبيرة في الغناء، تولدت عندي عندما كنت استمع لجهاز الراديو القديم الموجود في أحد المحلات.

وعندما بلغت السادسة من عمري أصرت والدتي أن أدخل المدرسة، وفي هذا العمر بدأت أغني في المدرسة كان صوتي لا يتوقف عن الغناء على طول الطريق ذهاباً وإياباً، فكان الغناء شغلي الشاغل، حتى أنني كنت أقوم منتصف الليل أو أغني وأنا نائم حتى تنتبه لي والدتي أو أحد أفراد الأسرة، ويحاولون إيقاظي وإعادتي إلى الفراش، وكنت على استعداد الاستغناء عن الأكل والشرب.

المهم عندي أن استمر بالغناء فقط، هذا الحال أوصلني إلى تقليد بعض الفنانين الذي بلغوا شهرة طيبة في تلك الفترة، ولكن الذي أوصلني إلى خط البداية هو محمد سعيد عفارة من أعيان المنطقة، فطرح فكرة جمع المواهب الفنية الموجودة في السلطنة على السلطان أحمد بن عبد الله الفضلي.

وبعد ذلك تأسست الندوة الفضلية في عام 1958م وكان عفارة قد أشار للسلطان بما يسمعه عني عندما كنت أغني، وسأله السلطان من الذي يقرب لي فأجابه بأنني يتيم الأب، وأن سالم ربيع علي له تأثير كبير وقادر على إقناع أسرتي كونه ابن خالي وكبير العائلة، وكان الرئيس سالمين في ذلك الوقت موظفاً في سكرتارية السلطنة الفضلية، وبناء على ثقة والدتي بالرئيس أخذني وألحقني بالندوة.

*ماذا كان دورك في الندوة؟

ـ كنت أؤدي أغنيات الفنانين المشهورين قبلي، وكان محمد محسن عطروش في تلك الفترة يعزف العود قبل أن يصبح ملحناً مشهوراً، ومن خلال هذه الندوة، أقمنا الحفلات الشعبية «المخادر»، وبدأ نشاط الندوة يظهر بشكل كبير داخل السلطنة وخارجها، وكانت أول مشاركة لنا خارجها في 1961 في مودية.

وكان قبل ذلك بعام بدأت الندوة تسجل أول أعمالها في إذاعة عدن بعد ان عاد العطروش من مصر، وقد سجلت أغنيتين الأولى «عاد شي رحمة» من كلمات الشاعر المرحوم ناصر صالح غرامة والحان عبد القادر كيلة، و«هي كلمة» من كلمات والحان محمد محسن عطروش.

بعد ذلك انطلقت شهرتي الفنية وسافرت الى الكويت عام 1972، وعزفت معي فرقة مصرية وسجلت معها مجموعة أغنيات منها «التوبة»، وبعدها سافرت إلى أبوظبي، وسجلت أيضا مجموعة من الأغنيات منها «من حيث لا ادري».

وأعتبر زيارتي لبيروت عام 1966، مع الفنان العطروش كانت من أفضل الزيارات الفنية حيث تعرفت هناك على النهضة الفنية والفنانين اللبنانيين، كما سبقني في الزيارة إلى هناك الفنان ابوبكر سالم والفنان الراحل محمد سعد عبدالله وكلاهما سجل أجمل أغنياته بأصوات الفنانات اللبنانيات مثل نجاح سلام .

وهيام يونس وليلى شفيق ورويدا عدنان، بينما سجلت مجموعة من الأغنيات منها «هاجري» من الحان العطروش وكلمات الشاعر محمد سالم عبيد، وأغنية أخرى من كلمات عمر عبدالله نسير والحان العطروش بعنوان «وعدتني بالوصل» كذلك سجلت دويتو مع الفنانة اللبنانية ليلى شفيق من كلمات ناصر صالح غرامة بعنوان «جودي بكلمة وإلا بسمة» بالإضافة إلى أغنية «يعجبني دلالك حتى لو قسيت».

* ما قصة أغنية «وساري »؟

ـ هذه الأغنية عنوانها «من وحي الحبايب» ولها قصة، يومها قررت زيارة الكويت، وذهبت إلى الرئيس سالم ربيع علي باعتباره ابن خالي، وقلت له أريد السفر إلى الكويت لتسجيل مجموعة من الأغنيات في إذاعتها، فقال لي على شرط أن تحيي حفلة يعود ريعها لمدرسة «البروليتاريا» كان يدرس فيها أبناء البدو، وفعلاً بدأنا نعمل بروفات لهذه الأغنية فكانت أول مرة تغني على مسرح العمال في الكويت.

وفي إحدى المرات ذهبت إلى الهند للعلاج وأراد احد الأصدقاء المرافقين معي أن يطلعني على مفاجأة، فطلب مني الذهاب معه إلى احد المراقص الهندية في بومباي، وفعلا تفاجأنا بالهنود وهم يغنون هذه الأغنية، أما الغريب في أمر هذه الأغنية هو احتيال احد الفنانين الأردنيين على مؤسسة إنتاج فني الذي سجل لها الأغنية ذاتها بإيقاعات مختلفة بعض الشيء باعتبارها من آخر أعماله.

ومن كلمات هذه الأغنية (وساري سرى الليل، من وحي الحبائب تناسنى الغرام، مرحب ألف مرة.. للغائب بذكراه، والقلب المعذب صابر للحبيب، عمري ما نسيتك يا نبض الفؤاد، من عيشي حياته عجل في مماته، وساري سرى الليل، لو عندك عدالة، ابعث لي رسالة...).

عدن ـ جميل محسن