أكد تقرير لمؤسسة «اكسفورد بزنس جروب» أن ضعف الآليات المشتركة التي تستخدم لمعالجة التضخم بدول مجلس التعاون الخليجي يمكن ان يلتهم ثمار النمو الذي يتحقق في الدول الأعضاء مشيرا إلى انه يتعين إجراء تحسينات في جانب العرض إذا لم تكن الحكومات راغبة في كبح جماح الإنفاق.

ووفقا للتقرير الذي أعده «جيسون ناشي» مدير قسم البحوث في المؤسسة ونشر بالعدد الجديد من مجلة «دوث تجاري» الذي تصدرها غرفة تجارة وصناعة أبوظبي يمثل التضخم بصورة متزايدة مسألة نقاش للدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، فقي وقت تتمتع فيه بثمار الطفرة النفطية الراهنة.

ويؤدي كل من عاملي العرض والطلب إلى دفع مؤشرات التضخم إلى الأعلى، ولكن تبقى الآثار الحقيقية إلى حد ما متداخلة ضمن الاقتصاد الإقليمي. وفي حين ان بعض أسباب التضخم في منطقة مجلس التعاون الخليجي مؤقتة فقد يكون للبعض الأخر المزيد من الآثار طويلة الأمد.

ونظرا لضعف الكثير من الآليات المشتركة في الخليج التي تستخدم لمعالجة التضخم، كالسياسة النقدية والمالية، على سبيل المثال، يتعين إجراء تحسينات على جانب العرض إذا كانت الحكومات غير راغبة في كبح جماح الإنفاق، ويمكن أن يبدأ شبح التضخم في الظهور وهو يلتهم ثمار النمو.وظهرت اثار التضخم بشكل كبير في الإمارات وقطر، حيث سجلت اخر معدلات بارتفاعات بلغت 1,10% في نهاية عام 2006، بينما شهدت قطر ارتفاعا صاروخيا وصل إلى 8,11% وفي غضون ذلك، شهدت السعودية في عام 2006 تضخما تجاوز نسبة 1% وذلك للمرة الرابعة فقط منذ الطفرة النفطية في السبعينات، وهو اتجاه يبدو مهيأ للاستمرار على المدى القصير إلا إذا استخدمت أساليب أكثر حدة لمحاربة التضخم.

ويعتبر قرار الكويت التخلي عن الارتباط بالدولار احد الأمثلة على كيفية سعي اقتصادات منطقة مجلس التعاون الخليجي لمواجهة ما أطلق عليه اسم تلازمه «التضخم المستورد» وينظر إلى التضخم المستورد كنتيجة مباشرة للارتباط بالدولار.

وهو الأمر الذي حافظت عملات دول مجلس التعاون الخليجي في سعيها لإنشاء عملة موحدة وفي الوقت الذي يبدو فيه حاليا ان تاريخ التنفيذ في عام 2010 قد يكون طموحا جدا وحتى مجرد وجود عملة موحدة كوحدة حسابية على غرار الوحدة النقدية الأوروبية، لا تزال العديد من الدول غير مستعدة للتخلي عن ارتباطها بالدولار.

أسباب التضخم

وعن أسباب التضخم في دول مجلس التعاون الخليجي يقول التقرير: عندما تواجه احدى الدول مشكلة التضخم فعادة ما يكون عبارة عن خليط متشابك في كل من زيادة الطلب وصدمة العرض.

وتشهد الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي حاليا أنماطا مماثلة لكليهما، وتشتمل عوامل زيادة الطلب على النمو الاقتصادي السريع، الذي يؤدي إلى ارتفاع الدخل، وزيادة الإنفاق الحكومي.

خاصة في مشاريع البنية التحتية، والمعدل السريع للنمو السكاني، سواء في المواطنين أو في الوافدين، وتشتمل صدمات العرض الموجودة عبر المنطقة على ارتفاع أسعار الإيجارات بسبب نقص الوحدات السكنية.

وضعف العملات المرتبطة بالدولار مقارنة باليورو وغيره من العملات التجارية الرئيسية الأخرى، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الواردات، وزيادة على المستوى الدولي في أسعار المواد الغذائية والبضائع الأخرى، وارتفاع تكاليف مواد البناء ومن ضمن هذه العوامل، أصبح ارتفاع أسعار الإيجارات يمثل ابرز شكل من أشكال ضغوط التضخم من وجهة نظر المستهلك العادي.

واستنادا إلى ستاندرد تشارترد بنك وصندوق النقد الدولي، يتعين ان ينخفض معدل التضخم في الإمارات بنسبة 2% على الأقل، وان يزداد عدد الوحدات السكنية المعروضة لدى انجاز مشاريع التطوير الرئيسية.

كما بنيت توقعات مماثلة لقطر، التي تعاني بشكل أكثر وضوحا من حيث مشكلة الوحدات السكنية المعروضة، ومع ذلك، لا يعني أن يعتبر الإسكان العامل الرئيسي في مشهد التضخم.

الإنفاق الحكومي في دول مجلس التعاون الخليجي مرتفع كنتيجة للزيادات الكبيرة في الإيرادات المستمدة من قطاعي النفط والغاز، وبالرغم من ضخامة الإنفاق الحكومي فيما يتعلق بمشاريع تطوير البنية التحتية القائمة على كثافة رأس المال، مثل الطرق والمجاري وشبكات المياه، التي تلكأت من حيث التطوير خلال الركود المؤقت لأسعار النفط في الثمانينات والتسعينات، تجري حاليا استثمارات جديدة في هذا المجال ويقدرها البعض في حدود 376 مليار دولار.

كما يتم تنفيذ مشاريع الطاقة بقيمة تصل إلى 242 مليار دولار، وهناتك أيضا استثمارات كبيرة في قطاعات غير الطاقة مثل السياحة، وتنفق قطر لوحدها حوالي 17 مليار دولار في تطوير قطاعها السياحي، وبالطبع لم تتراخ دبي في هذا الصدد.

وقد كان ذلك احد دوافع التضخم، الذي يمكن تهدئته بتخفيضات في الإنفاق بيد أن الحكومات تتردد في تباطؤأو وقف ما يعتبرونه استثمارات أساسية وضرورية لتنويع اقتصاداتها، وهم غالبا على حق، ويمكن أن تواجه الدول الأخرى المترددة في الابتعاد عن ربط عملاتها مهمة أصعب، وإذا كان هناك مجال ضئيل لاستخدام السياسة النقدية كأداة، فيمكن اللجوء إلى تحديد الأسعار.

على الرغم من عدم فعاليته، وقد قامت بعض دول مجلس التعاون، وتحديدا الإمارات بمحاولات لفرض ضوابط على أسعار الإيجارات، لكن «تجاوز» مثل هذه التدابير يعني أن فرضها لا يقوم بدور فعال في كبح ضغوط التضخم وعلى الصعيد الخارجي.

هناك إمكانية هبوط أسعار النفط في حال انحراف الاقتصاد الأمريكي نحو الركود، وفي هذه الحالة، ستنخفض السيولة في أسواق الخليج، وبالمثل، فان ارتفاع قيمة الدولار سيعني انخفاض تكلفة الواردات من الشركاء التجاريين غير المرتبطين بالدولار الأمريكي، مما قد يلعب دورا هاما في الحد من مستويات التضخم.

ولكن من غير المحتمل حدوث أي من هذين السيناريوهين على المدى القصير أو المتوسط، ويبدو أن عوامل ضعف الدولار وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط والنمو الاقتصادي العالمي تعمل على إبقاء أسعار النفط مرتفعة على المدى القصير، مع أن ارتفاع معدلات الفائدة العالمية يمكن أن تمثل عائقا على المدى المتوسط، على الرغم من تأثيرها المتأخر.

عوامل عديدة

وهناك مجموعة من العوامل التي تساعد في الحفاظ على انخفاض التضخم، فمعدل صرف الريال المرتبط بالدولار ونظام التجارة المفتوحة يحافظان على تساوي معدلات التضخم على الواردات مع تلك الموجودة في المملكة المتحدة ومصادر استيرادها التي تتمتع بمعدلات تضخم منخفضة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي واليابان، ومع استيراد جزء ضخم من البضائع التي تباع في المملكة، فان ذلك يمثل جانبا ايجابيا جدا.

كما ساعد أيضا العدد الكبير والمتنامي من العمالة الوافدة في المملكة العربية السعودية في المحافظة على انخفاض تكاليف العمالة، في حين يساهم كذلك عامل الهجرة السنوية بمعدل 3% في زيادة الإيجارات بسبب عدم توفر ما يكفي من الوحدات السكنية، وأخيرا، كان قيام الحكومة بتثبيت أسعار الخدمات ذات المنفعة العامة والمواد الغذائية الأساسية بمثابة إجراء أخر لمحاربة التضخم.

وغالبا ما يقوم مثل هذا الدعم المالي الحكومي، المنتشر عبر الشرق الأوسط، باخفاء مستويات التضخم، بينما يتم تخفيض أي ارتفاعات حقيقية بواسطة الإيرادات الحكومية وفي الدول غير النفطية مثل الأردن، يكون لذلك الدعم المالي اثارا سلبية خطيرة على العجز في الميزانية، ولكن في الاقتصادات الغنية بالنفط، تشير المستويات الحالية في السيولة إلى إمكانية تحمل أعباء مثل ذلك الدعم المالي الحكومي لحد الان.

ويشير التقرير إلى انه بالرغم من أن جميع تلك العوامل لا تزال سارية المفعول، إلا أنها لم تتمكن كليا من كبح جماح ضغوط التضخم المتنامية، والمتعددة الجوانب، وتأتي تلك الضغوط بفعل الزيادة على الطلب وصدمة العرض ومن الاقتصاد المحلي والاتجاهات الدولية، وقد أدت طفرة إيرادات الدولة من أموال النفط، إلى جانب النمو السكاني، إلى تقوية الطلب المحلي بشكل كبير، ومن جهته، لم يتمكن العرض من اللحاق بالركب.

ويفرض أيضا النمو السكاني، من المواطنين والأجانب على حد سواء، فضلا عن تغير اتجاهات التركيبة السكانية، ضغوطا على الوحدات السكنية المتوفرة، وبالتالي على الإيجارات، فقد شهدت الإيجارات في الدمام، العاصمة النفطية للمملكة العربية السعودية، زيادة بنسبة 7% عاما بعد عام لغاية أكتوبر 2006 وبما ان جميع الوافدين وحوالي ثلث السعوديين يستأجرون منازلهم، فقد كان للإيجارات تأثير هام على التضخم.

وفي حين تتراوح أعمار أكثر من ربع السكان بين 15 و29 عاما، فمن المرجح أن تكون هناك زيادة كبيرة في عدد الذين يبحثون عن منازل جديدة خلال السنوات القليلة المقبلة، مما سيؤدي إلى زيادة الضغط على العرض بشكل كبير، وتشكل أسعار المأكولات والمشروبات نسبة 26% من مؤشر الأسعار للمستهلك، كما أدى النقص الدولي بسبب الامراض التي تصيب المحاصيل والتغيرات المناخية إلى زيادة أسعار الفواكه والخضار على المستوى العالمي.

تكاليف البناء

كما تأثرت المملكة العربية السعودية بالتضخم العالمي والإقليمي في تكاليف مواد البناء، ومع عدم انعكاس ذلك بشكل مباشر في مؤشر الأسعار للمستهلك، فان النمو الاقتصادي يسمح للمصنعين وتجار التجزئة بتحميل هذه التكاليف على المستهلك.

كما تعمل المشاريع الكبيرة في القطاعين العام والخاص على زيادة تكاليف البناء والعمالة اليدوية، إضافة إلى ذلك، فقد شهدت فئة النفقات والخدمات الأخرى، التي تشمل أسعار المجوهرات والفنادق، تضخما بنسبة 7,7% في عام 2006 وهو ما يعزي في جزء كبير منه إلى ارتفاع أسعار الذهب «بزيادة قدرها 35% في 2006» وزيادة أعداد المسافرين الذين يزورون السعودية لاغراض تجارية، وأخيرا، فان تراجع الريال مقابل عملات العديد من شركاء الاستيراد الرئيسيين له أيضا ذات تأثير، وذلك عبر زيادة تكاليف الاستيراد.

وتدرس الحكومة السعودية والبنك المركزي، متمثلا في مؤسسة النقد العربي السعودي «ساما»، مجموعة من السياسات لمحاربة الزحف المتصاعد للتضخم، ولكنهما يواجهان قيودا في بعض المجالات، أولا، يقيد ارتباط الريال بالدولار المدى الذي يمكن من خلاله تغيير معدلات الفائدة.

وثانيا انخفاض مستوى كل من الديون الشخصية وديون الشركات في المملكة بنسبة 14% و22% على التوالي من إجمالي الناتج المحلي، والحصص الكبيرة من القروض بفوائد ثابتة، يعني ان تقلبات معدل الفائدة لها تأثير قليل نسبيا على الطلب، وبالمثل توجد قيود هيكلية وعملية على استخدام السياسة المالية كأداة لمحاربة التضخم.

وبالنظر إلى الحجم الصغير للأساس الضريبي، فان أمام الحكومة فرصة ضئيلة جدا لزيادة معدلات الضرائب من اجل إبطاء الطلب، كما سيكون للحد من الإنفاق تأثير سلبي على مشاريع البنية التحتية الكبيرة والهامة وفي إطار العام، لن يساعد استعداد الحكومة لتوفير زيادات كبيرة في رواتب القطاع الخاص.

ويمكن للحكومة ان تضع في اعتبارها تمديد نظام تثبيت الأسعار، فقد كان لتخفيض أسعار الوقود بنسبة 30% في مايو من العام الماضي تأثير في الحد من التضخم بشكل كبير، وقد ذكر تقرير لمجموعة سامبا السعودية للأعمال المصرفية انه باستثناء الجزء المتعلق بحزمة «المواصلات والاتصالات اللاسلكية» في مؤشر الأسعار للمستهلك، فقد وصل معدل التضخم إلى 3,4% في ديسمبر 2006 أي ارتفع من نسبة 6,1% في نهاية عام 2005 مما يعتبر مؤشرا على مدى تأثير تخفيض أسعار الوقود.

ولكن على الأرجح في الوقت الذي تستطيع فيه خزانة الدولة تحمل مثل ذلك السخاء، فان تشويه واقع السوق الذي يحدث بسبب تثبيت الأسعار والدعم المالي الذي غالبا ما تتبعه الحكومة، قد يجعل كل ذلك يبدو كأسلوب غير جذاب، وتشير سامبا إلى أن تثبيت أسعار الإيجار بدون دعم مالي حكومي سيكون عامل تثبيط لشركات التنمية للقيام بمزيد من أعمال البناء الأمر الذي سيؤدي إلى إبطاء جانب العرض في الوقت غير المناسب تماما بينما يمكن للدعم المالي الحكومي خلق معدلات فائدة ثابتة، وتصعيب إلغائها في حال تراجع إيرادات النفط في المستقبل.

وكخيار أخر، يمكن زيادة سعر الريال مقابل الدولار ورفع قيمته، وذلك سيؤدي إلى خفض تكاليف الواردات، ولكن سيجعل العديد من صادرات المملكة اقل منافسة أيضا وسيكون بمثابة عامل غير محفز للاستثمار، وسيعمل ضد الأولويات الحالية للحكومة تماما مثل تقليص الميزانية.

صدمة العرض

وتتوقع سامبا أن يرتفع معدل التضخم إلى 7,2% هذا العام نتيجة استمرار كل من عاملي زيادة الطلب وصدمة العرض، وعدم فعالية أدوات محاربة التضخم على المدى القصير، والمعدلات المتوقعة لعامي 2008 و2009 هي 4,2% و8,1% على التوالي.

ويتوقع التقرير تضخم الإيجار بنسبة 5% خلال العام القادم، وذلك اقل مما هو عليه في الدول الأصغر من مجلس التعاون الخليجي بسبب النمو السكاني الأقل سرعة، وضخامة حجم المملكة الجغرافي ونقص الاستثمار الأجنبي في السوق وستعزي أسباب التضخم في الإيجار جزئيا إلى هبوط متوقع في تضخم أسعار الأغذية وقطاع «النفقات والخدمات الأخرى».

وكما تشير سامبا، تعتبر المعدلات الأقل من 3% طبيعية بالنسبة للاقتصادات المتطورة وميزة تحسد عليها الدول سريعة التطور، وفي الوقت الذي يفرض فيه الانتعاش النفطي والارتفاع في عدد السكان زيادة في الطلب، سيكون للنقص في مخزون الوحدات السكنية والأيدي العاملة في بعض القطاعات تأثير على صدمة العرض، ويتعين أن تؤدي تلك العوامل مجتمعة إلى إبقاء معدل التضخم فوق مستوى 1% على ما تبقى من العقد الحالي، ويمكن تهدئة جانب العرض عبر انشاء منازل جديدة وتخفيف أنظمة التأشيرات على المدى المتوسط.

كما يمكن الحد من الطلب بهبوط أسعار النفط، التي تبدو محتملة في حال استقرار الأوضاع في العراق، أو إذا زادت قوة الدولار الأمريكية، وتبقى إمكانية حدوث تلك الحالتين في المستقبل القريب امرا مشكوكا فيه، ولكن قد يكون هناك تخفيض في الإنفاق الحكومي نتيجة اكتمال مشاريع جديدة لإبطاء الزيادة في الطلب.

وبالرغم من عدم وضوح مشهد التضخم في المملكة العربية السعودية، توجه كمية من الاحداث غير المسجلة على الأرجح، وبالنسبة للحكومة السعودية، وغيرها في الإقليم، فانه في حين قد تكون الزيادة في الإنفاق مفيدة لتعزيز التطوير وتنويع الاقتصادات في مواجهة ضغوط التركيبة السكانية، يتعين عليهم اتخاذ الحيطة والحذر، فالميل إلى استقطاب المشاريع العام ماديا قد يقوض توقعات التضخم، ويؤدي إلى ذبول ثمار النمو الاقتصادي، وعندما يخرج جني التضخم من زجاجته، سيتطلب الأمر تطبيق سياسات نقدية واتفاقية أكثر صرامة للحد من عدم استقرار النمو على المدى الطويل.