إقحام أعمالنا الفنية خاصة السينمائية بما تمثله من تراث للأجيال المقبلة في الإعلان عن سلع تجارية، يمثل تهديداً صارخاً لهذه الأعمال الرائدة، خاصة الكلاسيكية منها، وتشويها مقصودا لذاتها وتاريخها الناصع وقيمها، كما ينتقص من مكانة فنانين عظماء صنعوا أسماءهم بحروف من ذهب على صفحات السينما المصرية.

كانت البداية عندما فوجئنا بعبد الفتاح القصري في إعلان علب الفول عرضها التلفزيون المصري وكانت معه في الإعلان ذاته الفنانة زينات صدقي، ولأنهما ليس لهما ورثة فقد مرت الجريمة بدون عقاب بل أصبحت مبادرة تتيح لكل من «هب ودب» أن يحول الأفلام التي تمثل تراث السينما العربية إلى مادة إعلانية، وسرعان ما انتقلت العدوى لبعض محطات التلفزيونات العربية، وبدأت قناة «المستقبل» اللبنانية و«الجزيرة» القطرية في بث إعلان يتضمن مسابقة عن جهاز تكييف سعودي. حيث كان أول ضحية لهذا الإعلان فيلم «اللص والكلاب»، والذي شاهدنا فيه الفنان الراحل شكري سرحان وهو يصرخ في وجه البوليس طالباً عدم القبض عليه وعدم أخذ المكيف السعودي، وعلى جانب آخر نشاهد الفنانة شادية تطلب منه أن يسلم نفسه ولا يخشى علي جهاز التكييف الخاص به، ولأن «شر البلية ما يضحك» ففي الأسبوع التالي شاهدنا عبدالفتاح القصري يطالب بإعدام عبد الوارث عسر بتهمة حيازة جهاز التكييف السعودي. وبعد ذلك توالت المهزلة لتصل للعبث بكل الأفلام الجيدة وبكل رموز الفن العربي وعلى رأسهم سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، وقد استخدموا فيلمها «الأستاذة فاطمة» في نفس الغرض، وقد أخذتنا الدهشة عندما شاهدنا عادل إمام في مشهد شهير له مع الفنانة شادية يعلن عن هذا التكييف المعجزة.

الزعيم بأعماله .... ولأن عادل إمام فنان يخاف على تاريخه فقد أبدى استياءه، بل وغضبه من هذه التعديات ولم ينتظر رد المسؤولين أو تحرك نقابة المهن التمثيلية، وبادر هو إلى التحرك فتحدث إلى رئيس الوزراء اللبناني السابق الراحل رفيق الحريري صاحب محطة «المستقبل» وأعرب له عن استيائه من هذا الإعلان، ومن العبث بتاريخه الفني، فوعد بإصدار أوامره الفورية بوقف إذاعة هذا الإعلان على قناة «المستقبل». وفي المقابل اتصل عادل إمام برئيس مجلس إدارة قناة «الجزيرة»، الذي أصدر أوامره أيضا على الفور بمنع الإعلان ومعاقبة الشركة التي أنتجته، وفي الجانب القانوني كلف الفنان عادل إمام مستشاره القانوني بتحريك دعوى قضائية عاجلة لرفع الضرر الذي أصاب اسمه بسبب هذا الإعلان.

شكاوى الفنانين .... ويقول يوسف شعبان نقيب الممثلين المصريين السابق: «تلقيت أكثر من شكوى من الفنانين بشكل شفهي عبر فيها الفنانون عن استيائهم من هذا الإعلان ومن استغلال تراثنا السينمائي بهذا الشكل، وكرد فعل للنقابة وبصفتي نقيباً للممثلين المصريين حينها ناديت بأن يقاطع الفنانون المصريون قناتي «الجزيرة والمستقبل» والامتناع عن الظهور في برامجهما إلى أن تتوقف عن عرض مثل هذه الإعلانات ما لم تكن لديهما موافقات من أصحاب الشأن، كما قمنا بتكليف المستشار القانوني للنقابة بدراسة إمكانية اتخاذ موقف قانوني من هذه التعديات».

ويقول الفنان محمد التاجي حفيد الفنان عبد الوارث عسر، أن والدته أقامت دعوى قضائية ضد قناة «المستقبل» لعدم اقتناعها بموقف المسؤولين الحازم من هذه المسألة، ويضيف: «لا أعلم من المسؤول الذي يعنيه هذا الأمر..

هل هو وزير الإعلام أم وزير الثقافة أم نقابة المهن التمثيلية، ولذلك فأنا أدعو كل رموزنا الفنية، وأعتقد أنهم المعنيون بهذا الأمر، أن يواجهوا هذا الخطر حتى لا نفاجأ باليوم الذي تتحول فيه أفلامنا السينمائية إلي مواد إعلانية لا تجد من يدافع عنها».

ويتابع قائلا: «هل نسكت مثلاً إلى أن يتحول «اللعب مع الكبار» إلى إعلان شاي و«دعاء الكروان» إلى إعلان صابون، الأمر يستدعي وقفة من كل فنان مصري وعربي يهمه إبداعه وإبداع عبد الوارث عسر وفاتن حمامة والقصري وشادية».

أما الفنانة مريم فخر الدين فتؤكد أن «التلفزيون المصري هو الذي فتح الباب أمام مثل هذه النوعية من الإعلانات، والتي تدخل في إطار التعدي على الحقوق الفنية والتاريخية لأبطال السينما المصرية، وأرفض أن يكون ذلك من قبيل المؤامرات.

كما يردد البعض عند كل مشكلة تظهر في السينما، والذين يدعون ذلك يريدون التشويش على القضية الأساسية وهي أن هناك تعديات على حقوق صُناع الأفلام التي ليس من حق أحد التلاعب بها واستغلالها بشكل تجاري وبدون استئذان، وأنا أرى أن المسؤولية تقع بالأساس على القناة التي تعرض الإعلان، لأنه من المفترض أن تتأكد القناة قبل عرض مثل هذه الإعلانات أن هناك موافقات كتابية حصل عليها المعلن من أصحاب هذا الشأن».

موقف إيجابي

الفنانة الكبيرة فاتن حمامة تقول: «رغم كل التجاوزات التي تحدث من بعض القنوات العربية، فإننا نرفض كفنانين مصريين أن يكون ذلك من قبيل التآمر من أجل أن يكون لهم الريادة مستقبلاً، فالكل يقدر لمصر حجمها وقدرها، وبدلا من أن يكون هناك افتعال للمواقف فإننا ندعو إلى وحدة الصف العربي ابتداء بالقطاع السينمائي».

وعن موقفها من هذه الإعلانات تقول: «إنني متضامنة مع النقابة في أي موقف إيجابي تتخذه ضد هذه التعديات التي تعتبر استخفافاً بالسينما المصرية والعربية، لأن الإعلان الذي يستغل جزءاً من أي فيلم يؤدي في النهاية إلي تشويه شكل الفيلم في عيون الناس».

أما الفنانة نادية لطفي فتقول: «إن السكوت على مثل هذه الإعلانات التي تستغل تاريخنا السينمائي ونجوم الفن يشجع على انتشارها وزيادتها، حتى أنه من الممكن بعد ذلك أن يقوم كل معلن بقطع المشهد الذي يناسب سلعته لعمل إعلان عليه».

أما المنتج رشيد جبران فيتساءل قائلاً: «أين نقابة الممثلين والسينمائيين مما يحدث، وهل نعلن الحداد على ما تبقى لنا من كرامة ونخوة ورغبة في الدفاع عن أنفسنا أم نكتفي بالبكاء على اللبن المسكوب ونتركهم يمتهنونا كما يحلو لهم؟

وهل ننتظر حتى تمتد يد العبث لخطب جمال عبد الناصر وأنور السادات فنجد رموزنا الوطنية تساهم في الإعلان؟»، ويختم قائلا: «نناشد رموزنا الفنية من أمثال فاتن حمامة وعادل إمام ومحمود ياسين أن يدافعوا عن تراث من مهدوا لهم الطريق قبل أن نترك الدنيا جميعاً ونحن غير مطمئنين على ما سيحدث لما خلفناه».

القاهرة ـ وصفي أبو العزم