دعت دراسة حديثة بلدان الشرق الأوسط إلى انتهاج مقاربة متعدّدة الأبعاد من أجل تشجيع مشاريع الأعمال المبتدئة الجديدة وجني المكاسب الاقتصادية الهائلة التي تولّدها المبادرات الفردية.

وقال جو صدّي، نائب الرئيس الأول في بوز ألن هاملتون ورئيسها في الشرق الأوسط، وهي شركة استشارات إدارية عالمية لها مكاتب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن رعاية مشاريع الأعمال المبتدئة وتشجيعها يؤدّيان وقعاً إيجابياً كبيراً على الناتج المحلي الإجمالي.

وفي السياق نفسه قال صدّي خلال مؤتمر عن المبادرة الفردية في إطار يوم الشرق الأوسط السنويّ الخامس الذي ينظّمه نادي الشرق الأوسط في كلية لندن لإدارة الأعمال إنّ المبادرة الفردية محرّك رئيسي للنمو الاقتصادي واستحداث فرص عمل جديدة، ونرحّب بها في المنطقة .

خصوصاً في البلدان حيث لا يزال النشاط الفردي محدود. وجدير بالذكر أنّ النادي اختار هذا الموضوع نظراً للتدفقّات الرأسمالية الهائلة التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة. وقد تناول المتحدّثون في مداخلاتهم التحديّات والفرص الجديدة التي يواجهها أصحاب المبادرات الفردية في الشرق الأوسط الفريد في ظروفه وبيئته.

وأوضح أنّ مع تطوّر مشاريع الأعمال المبتدئة وتحوّلها إلى شركات صغيرة أو متوسّطة، تصبح مساهمتها رئيسية في العمالة والناتج المحلي الإجمالي. فعلى سبيل المثال، تشكّل مساهمة الشركات الصغيرة والمتوسطة في إجمالي العمالة 70% في الاتحاد الأوروبي، و49% في الولايات المتحدة الأميركية، فضلاً عن مساهمتها في 60% من الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا و55% في إندونيسيا و40% في الولايات المتحدة الأميركية.

تلقي دراسة بوز ألن هاملتون الضوء على ثلاثة عناصر رئيسية من شأنها إيجاد الظروف الملائمة لقيام مشاريع الأعمال المبتدئة. وهي أولاً، وقبل كلّ شيء، توفّر قاعدة كبيرة من أصحاب المبادرات الفردية وانتشار ثقافة المبادرة الفردية. ثانياً، قيام نشاطات وأفكار ابتكارية تشمل تحديد فرص السوق وابتكار مفاهيم جديدة. وثالثاً توفّر دعم فعليّ للمشاريع المبتدئة.

إلى ذلك، حدّد صدّي عنصرين من شأنهما تشجيع أصحاب المبادرة الفردية، فأكّد أنّ الاحترام والتقدير في المجتمع شرطان لازمان لقيام ثقافة المبادرة الفردية. ثانياً يجب إنماء ثقافة المبادرة الفردية في المدارس.

أمّا في تعزيز الأفكار والنشاطات الابتكارية، فيقول يمكن تحديد احتياجات السوق من خلال التعاون والتنسيق بين المسؤولين في الحكومة والقطاع الخاص وقطاع التعليم، كما أنّ قيام علاقات وثيقة بين الجامعات وقطاع الأعمال والقطاع المالي يشجّع على ابتكار التقنيات الجديدة وتسويقها. وتؤدّي الحكومات دوراً محورياً في تعزيز البحث والتطوير والأفكار الابتكارية.

ويبقى السبيل الأفضل إلى دعم المشاريع المبتدئة الجديدة، في نظر صدّي، إيجاد بيئة أعمال مؤاتية بما في ذلك توفير حوافز ضريبية وتنظيم الإجراءات وتبسيطها وتخفيف المعوقات الإجرائية الروتينية والبيروقراطية، إضافةً إلى تأمين التمويل والدعم للمشاريع المبتدئة بمختلف الوسائل المتاحة عبر القطاع العام أو الخاص أو بالشراكة بينهما.

وختم صدّي بطرح مقاربة متعدّدة الأبعاد بهدف حفز المبادرة الفردية، ومن عناصر الاستراتيجية الشاملة هذه، التعاون بين القطاع العام والخاص وأية قطاعات متطوّعة أخرى من أجل توفير الظروف المؤاتية للانطلاق في مشاريع جديدة والحرص على تقديم الحكومة الدعم اللازم لهذا النوع من المشاريع.

ولا بدّ من تنسيق الخطط والبرامج التمويلية بين القطاع العام والقطاع الخاص على المستوى الوطني والإجمالي لمساعدة أصحاب المبادرات على تأمين الحدّ الأقصى الممكن من رأس المال واعتماد برامج تمويلية جديدة لسدّ أية ثغرات.

من هنا يجب تنسيق خدمات تطوير الأعمال بشكل أفضل، العام منها والخاص، وتحسينها، مع العمل على وضع برامج جديدة لسدّ الثغرات وتشجيع أصحاب المبادرات على استخدامها. ودور الحكومة أساسي في جمع الخدمات وتنظيمها في مركز موحّد (تطبيق نظام الشباك الواحد) بما يمكّن أصحاب المبادرات من تطوير أفكارهم الجديدة.

في الإطار نفسه، يجب أن تعمل الحكومات مع القطاع العام والخاص وأية قطاعات متطوّعة أخرى، بما يضمن توّفر البئية والظروف المؤاتية لخوض مشاريع أعمال جديدة وتقديم الحكومة الحوافز اللازمة للمشاريع المبتدئة.

وحاول نادي الشرق الأوسط من خلال الاجتماع السنويّ استكشاف المجالات التي تمكّن قطاع الأعمال في المنطقة من استغلال الفرص المتاحة اليوم بفضل التدفقات الاستثمارية المتنامية.

تدنّ كبير في الإنفاق على البحث والتطوير

أحد أكبر معوقات المبادرة الفردية في الشرق الأوسط هو التدنّي الكبير في مستوى الإنفاق على البحث والتطوير، حيث يبلغ معدّل الإنفاق في البلدان العربية على البحث والتطوير 2 ,0% من الناتج المحليّ الإجمالي، مقارنةً بـ 6 ,0% في تركيا، و15, 1% في البرازيل، و3, 2% في بلدان منظمة التعاون والإنماء الاقتصادي، و8, 2% في الولايات المتحدة الأميركية، و1, 3% في اليابان.

زد على ذلك ما يواجهه أصحاب المبادرات الراغبين في الانطلاق في مشاريع جديدة من معوقات إدارية ومالية عدّة وتكاليف مرتفعة. ففي أحد البلدان العربية مثلاً، تمّ إجراء دراسة استطلاعية حدّدت أبرز العوامل الإشكالية في تأسيس الأعمال، وهي فرص الحصول على التمويل، والإجراءات البيروقراطية والنقص في القوى العاملة المتعلّمة والضرائب.

ويذكر في هذا الإطار أنّ تأسيس مشروع أعمال يستغرق في البلد المشار إليه 36 يوماً، أي 5, 1 ضعف المعدّل في بلدان منظمة التعاون والإنماء الاقتصادي، والحدّ الأدنى لرأس المال المطلوب هو 25 مرّة معدّل الدخل الفردي في ذلك البلد، مقابل 44% من الدخل الفردي في بلدان منظمة التعاون والإنماء الاقتصادي.