مع طرح نجوم الغناء في العالم العربي ألبوماتهم في الموسم الصيفي، تلاشت حدة المنافسة بعد انتشار ظاهرة تسرب الأغنيات والألحان من خلال شبكة الإنترنت وأجهزة الهاتف المحمول، والتي طالت عدداً من الفنانين كان آخرهم عمرو دياب وإليسا وديانا حداد وتامر حسني.
ونظراً لخطورة هذه الظاهرة التي تهدد بضرب صناعة الكاسيت المصرية والعربية، ارتأينا إلقاء الضوء على تداعياتها والأسباب المؤدية إليها، ويبقي السؤال: هل حقاً أن بعض الفنانين يتعمدون تسريب بعض أغنياتهم كنوع من بالونات الاختيار أو الدعاية لهذه الألبومات؟ يقول المنتج محسن جابر رئيس اتحاد منتجي الصوتيات وصاحب شركة «عالم الفن» إنه تقدم ببلاغ لشرطة الإنترنت قبل خمسة أشهر عن سرقات لبعض أعماله ولم يحول هذا البلاغ للنيابة حتى الآن. ويضيف قائلاً: إن حال الموسيقى الآن في مصر وصل إلى حد الانهيار، كما تقول الدراسة التي أعدتها منظمة ةئة وهي الشرطة الفيدرالية للمصنفات الفنية، والتي أكدت على أن الدولة تتكبد سنوياً خسائر فادحة بسبب انهيار هذه الصناعة، والتي يرجعها جابر إلى تصفح الجمهور مواقع الإنترنت المجانية. ويشير المنتج المصري محسن جابر إلى أن إيرادات المصنفات الفنية في مصر قد هبطت عام 2006 إلى نحو 20% فقط من إيرادات عام 2000، أي أن مصر فقدت حوالي %80 من إيرادات صناعة الموسيقى، وقد كان حجم المتداول في مصر 60 مليون شريط كاسيت كل عام، حتى سنة 2000 وهو ما يعني بالأرقام 60 مليون دولار.
وفي عام 2006، كان حجم المبيعات 4,2 مليون، ويرجع ذلك إلى لجوء البعض إلى تنزيل ما يرغبون في سماعه بدلاً من شراء الكاسيت، وفي ثوان معدودة. وهذا التحول جعل المنتجين يحجمون عن العمل في سوق الكاسيت ليفسحوا المجال لغيرهم من المنتجين في الأسواق العربية الأخرى، لذلك يجب إحكام السيطرة على المواقع المخالفة، ووضع حد لحالة الهرج والمرج التي تسود هذه الصناعة بسبب الثورة الإلكترونية، خاصة إن تحديد هوية هذه المواقع يتم بضغطة زر في ثوان معدودة. وبالتالي يمكن محاربة المخالفين من خلال شرطة الإنترنت. وعن السر وراء عدم تضامن أي من المنتجين معه، عندما لجأ إلى شرطة الإنترنت يقول محسن جابر: أوضحت في البلاغ حجم الكارثة، وكشفت لهم أن موقع واحد مثل «خٍِّقفُْوم» يزوره يومياً أكثر من مليوني شخص يتجولون في داخله من دون تنزيل للأغنيات فيستمعون لها فقط، لكن من بينهم 400 ألف شخص يقومون بعمليات التنزيل. ورغم ذلك لم يتم عمل شيء في البلاغ ومنذ تقديمي للبلاغ وهم يقومون بعمل تحريات على حد قولهم لي، ومازال الموقع يمارس عمله وعمليات التحويل والنسخ تتم بمنتهى الحرية.
ولقد تقدمت بالبلاغ وحدي، لأن منتجي الكاسيت انسحبوا من المجال بالفعل، ولم يتبق سوى القليل منهم، لكنني تقدمت باعتباري عضواً في منظمة الـ ةئة ورئيس اتحاد منتجي الصوتيات الذي يضم معظم الشركات في المنطقة العربية، ونطالب بصحوة قوية لإنقاذ واحدة من أهم الصناعات في مصر. أما الفنان تامر حسني «فيؤكد أنه ضحية من ضحايا مافيا تسريب الأغنيات، مشيراً إلى أنه اكتشف وجود ألبومه «يا بنت الإيه» كاملاً على الإنترنت، ولا يعلم من هو المسؤول عن هذا التسريب.
ويتساءل حسني: كيف يمكن أن نصدق أن فناناً ما يقوم بإهدار جهده وعرقه هكذا من دون أي مقابل.. وما الذي يدعوني لقتل البومي، فمن الممكن أن نجد من يتهم مطرباً بتسريب أغنيات مطرب منافس مثلاً، رغم ما في هذا الإجراء من خسة ودناءة، لكن لا يمكنني أن استوعب اتهام المطرب بتسريب أغنيات الألبوم الخاص به، فلقد فوجئت بأغنيات ألبومي الجديد موجود على أحد المواقع، وكشفت تحريات المباحث أن أحد الأشخاص يعمل مهندس كمبيوتر قد اقتحم مقر الشركة.
أثناء العطلة الرسمية للشركة وقام بسرقة الـ أو الأسطوانة منها ووضعها علي أحد المواقع، وكشفت الشرطة عن الجاني وألقت القبض عليه، لكن حتى هذه اللحظة لم يتم اتخاذ إجراءات قانونية ضده، لأنه يقول إن أحد المطربين دفعه لذلك، ومازالت التحريات تجري لغاية الآن، ففي كل الأحوال المنتج هو الخاسر الوحيد من جراء هذه القرصنة، خاصة أن المطرب لا يتحمل أية أعباء مالية، لكن رغم تحميل الألبوم سرقته إلا أنه لاقى رواجاً في الأسواق والحمد لله.
وتعرض الملحن عمرو مصطفى لتسريب ألبومه بالكامل فيقول: لا أعرف كيف حدث ذلك، لكنه كان سبباً في تأخير نزول الألبوم بشكل رسمي لفترة طويلة، فقد اضطررت إلى تغيير كل الأغنيات. لأمر ذاته حصل مع الفنانة ديانا حداد التي تعرض ألبومها الجديد للقرصنة العام الماضي، ما جعلها تأخذ حذرها كما تقول وتؤجل نزول ألبومها الجديد حتى تأخذ الاحتياطات اللازمة. ويقول الملحن تامر عاشور: سرقوا مني أكثر من 12 لحناً قمت بإعدادها لمطربين وتم تسريبها على الإنترنت، وهذا سبب لي الكثير من المشكلات مع هؤلاء المطربين ومنهم عامر منيب الذي انزعج بشدة لضياع جهد وأموال طائلة ومن المؤكد أن شركة الإنتاج هي المسؤولة وأنا لا أتهم شخصاً معيناً.
أما الشاعر عنتر هلال فيؤكد أن الفنانين هم المسؤولون عن تسريب أغنياتهم بأنفسهم، ذلك لأسباب عديدة، كالانتقام من مطرب معين أو منتج وقعت بينه وبين فنان مشكلة من قبل وأدت إلى فسخ التعاقد بينهما، وأحياناً يكون التسريب كنوع من الترويج والدعاية غير المباشرة من المغني لنفسه، قبل طرح ألبومه بفترة بسيطة، وهناك من يسربون أغنية معينة لجس نبض الجمهور ومدى تقبله للأغنية قبل طرحها بالأسواق. ويوضح عنتر هلال بأنه تعرض للسطو، عندما قام أحد المؤلفين بسرقة أغنية «بابا أوبح» التي حققت انتشاراً ونجاحاً، وينهي عنتر كلامه بأن هذه الظاهرة هي ضرب لسوق صناعة الكاسيت، فقد دفعت بعض المنتجين لإغلاق شركاتهم الإنتاجية.
أما المنتج أحمد الدسوقي فيقول: لا يوجد شيء يسمى ترتيب أغنيات مطرب معين، فهذا يتم برغبة المنتج والمطرب أو كلاهما وتحت إشرافهما، فهذه طريقة دعاية متواضعة، فمجرد أن يظهر الفنان على صفحات الجرائد والمجلات قائلاً إن ألبومه يتم تسريبه، فإنه يكسب بذلك عطف الناس ويأخذ شهرة أكثر، وأعتقد أن أليسا وعمرو دياب وتامر حسني سربوا أغنياتهم، والدليل أنه لم يتم تسريب الأغنيات من خلال الأستوديو فهذا معناه أن الأستوديو سيتم إغلاقه أو لن يتعاملوا معه مرة أخرى، لأن كل منتج يضع الأغنيات التي انتهى منها في خزانة الأستوديو.
أما عن الرقابة ودورها فيقول الدسوقي: للأسف إلى الآن مباحث جرائم الإنترنت لا تهتم بالأغنيات، ونحتاج لتفعيل قانون الملكية الفكرية. وأخيراً، يرى مؤلف الأغنيات هاني عبد الكريم أن ظاهرة التسريب على الإنترنت أضرت بمصالحه الشخصية، فهي تضييع للحقوق الأدبية والمعنوية للملحنين والمؤلفين، بل وتضييع الملايين على الملحنين. بينما يؤكد عمر بطيشة رئيس جمعية المؤلفين والملحنين أن سرقة أغنيات المطربين من مواقع الإنترنت انتشرت في الآونة الأخيرة بصورة مبالغ فيها.
وأصبحت ظاهرة لها آثارها السلبية سواء علي الفن أو الاقتصاد، لذلك تقوم الجمعية بنشاط مكثف تجاه الحد من انتشارها، وأتوقع أن تأتي النتائج مرضية، ويتم تحجيم هذه الظاهرة، بعد أن أثبتت الدراسات الفنية عمق تأثيراتها الاقتصادية علي المستوى القومي، كما أننا ندرس حالياً إمكانية عقد مؤتمر عام يضم جمعية المؤلفين والملحنين ووزارات الثقافة والاستثمار والداخلية والنقابات الفنية الثلاث وجمعية منتجي الكاسيت، والخروج بتوصيات ملزمة للجمعيات المعينة والتي من شأنها أن تحافظ علي المال العام المهدر وتعيد الحقوق المغتصبة للمبدعين.
القاهرة ـ وصفي أبوالعزم


