لا تجد مؤسسة أو هيئة تجارية، كبر حجمها أو صغر، عامة كانت أو خاصة إلا ولديها شخصية واضحة المعالم تحدد توجهاتها ورؤيتها وأهدافها بما يتماشى مع القطاع الذي تعنى به والشريحة المستهدفة من العملاء الذين تسعى إلى استقطابهم عبر طرح ما تقدمه من منتجات أو خدمات..
ومن هنا جاء مصطلح «الهوية المؤسسية»، وهي هوية ظلت حتى وقت قريب، رهينة للأذواق والأهواء الشخصية لأصحابها، الذين يخلطون ما بين الهوية المؤسسية لشركة أو مؤسسة بمفهومها الواسع، وبين شعار هذه الشركة الذي يعتبر جزءاً مكوّناً لهذه الهوية وغالباً ما يشتمل على اسم الشركة ورمزها المميز وغيرها من العوامل الأخرى.
وإذا ما نظرنا إلى عالم المال والأعمال المحلي لوجدنا أن الكثير من الهويات المؤسسية القائمة اليوم تفتقر بشكل واضح إلى العديد من المكونات الأساسية لهذه الهويات. فعند محاولة تحديد شخصية ومعالم شركة ما يجب علينا أولاً أن ننظر إلى جملة من العوامل الهامة والمؤثرة في مسيرة وأداء الشركة أو المؤسسة المعنية على المدى القصير والبعيد، والتي يمكن اختزالها في النقاط التالية:
1ـ رؤية وأهداف الشركة.
2ـ القيم التي تقوم عليها العلامة التجارية للشركة.
3ـ الأسواق التي تستهدفها الشركة.
4ـ تحليل مدروس للفئة المستهدفة من المستهلكين وفهم واضح لاحتياجاتهم ومتطلباتهم.
يرى الكثير من المؤسسات والشركات أن ابتكار واستنباط علامة تجارية أو هوية مؤسسية جديدة هو ليس ـ من الناحية التقنية ـ عملية صعبة، وهذا صحيح.. ولكن المسألة تصبح أكثر تعقيداً عند تحديد الهدف من وراء ابتكار هذه العلامة التجارية..
هل تسعى الشركة إلى بناء وتعزيز ثقة المتعاملين معها؟ أم أنها تسعى إلى بث روح التجديد والابتكار فيها من خلال اعتماد هوية مؤسسية جديدة؟ وهنا تكمن صعوبة ابتكار وبناء علامات تجارية ناجحة، إذ يجب أن تستند إلى أساس متين وقيم تجارية وأخلاقية واضحة.
وإذا نظرنا بشكل عابر إلى الكم الهائل من العلامات التجارية التي تغطي المساحات الإعلانية المختلفة في الإمارات، لوجدنا أن معظمها حقق نصيباً وافراً من النجاح، إلا أن علامات تجارية قليلة فقط استطاعت أن تتجاوز حدودها المحلية لتحقق ذات النجاح والتألق في الأسواق الإقليمية.
لنتناول علامتين تجاريتين محليتين تعتبران اليوم من أشهر وأبرز العلامات التجارية في الدولة، من حيث الانتشار والشهرة: «طيران الإمارات» و«اتصالات».
فقد نجحت «طيران الإمارات» في تحويل علامتها التجارية إلى علامة عالمية من الطراز الأول أضحت رمزاً لتفوق وتميز الدولة في كافة الميادين. يتألف شعار الشركة من جزأين: شعار الشركة وهو عبارة عن اسمها بالعربية بخط عربي تقليدي ومرادفه باللغة الإنجليزية.. وبالرغم من بساطته الشديدة إلا أنه يعبّر بشكل دامغ عن المعالم المحورية التي تقوم عليها الشركة وهي التزامها بأعلى مستويات الخدمة والجودة الفائقة التي لا تضاهى.
وهذه المعالم ذاتها تنسحب على كافة مكونات الهوية المؤسسية وجميع أدواتها التسويقية من وسائل إعلانية مكتوبة أو مسموعة أو مرئية، لتنجح «طيران الإمارات» في تجاوز حدودها المحلية والإقليمية لتصبح من أهم شركات الطيران في العالم ولتصبح هويتها المؤسسية رمزاً من رموز الدولة خارج حدودها.
وعلى الجانب المقابل، فإن شركة «اتصالات» قد عمدت إلى تغيير هويتها المؤسسية ثلاث مرات خلال السنوات العشر الأخيرة.. صحيح أن طبيعة عملها واتساع نطاق خدماتها التي تعدت حدود خدمات الهاتف الثابت والنقال إلى أكثر من ذلك بكثير وما واكبها من تغييرات ربما تطلبت قيامها بتعديل وتحديث لهويتها، ولكن الأكيد أن اتساع نطاق المنافسة عبر دخول مزود خدمة ثان في الدولة كان له دور أساسي في سلسلة التغييرات التي شهدتها الشركة على صعيد شخصيتها المؤسسية.
مع ذلك، فإن شعار الشركة الجديد، يكتنفه الكثير من الغموض ويفسح المجال لقدر كبير من التأويل.. وفي الوقت الذي نسلّم فيه بأناقة هذا الشعار من الناحية البصرية والفنية، إلا أنه لا يعبّر عن شخصية الشركة وطبيعة عملها أو ماهية هذا الشعار وما يفترض أن يمثله.. فإذا نظرنا إلى الشعار بمعزل عن اسم الشركة، كم منّا سيقرنه بقطاع الاتصالات؟
وإذا ما أردنا أن نستعرض بعض أهم العلامات التجارية في العالم، مثل «شل» أو «ماكدونالدز» لوجدنا أن نجاح هذه العلامات لا يرتبط بتميز تصميمها الفني أو الألوان المعتمدة فيها، بل بعامل أهم وأكثر فاعلية، وهو قدرة هذه العلامات التجارية على مجاراة الزمن وما يواكبه من تغييرات، بحيث يستطيع أي شخص أن يتعرف عليها ويميزها بشكل فوري حتى بدون ذكر اسم الشركة.
من هنا، تجدر بالشركات المحلية والإقليمية أن تتروى عند الشروع في ابتكار علامة تجارية أو شعار مؤسسي مرتكزة بذلك على أبحاث متخصصة تبين احتياجات السوق وطبيعة المستهلكين والمنافسين والمناخ التجاري السائد، خاصة وأن شعارها الجديد هو صلة الوصل الأولى ما بينها وبين عملائها، والمفترض أن يبقى كذلك لسنوات طويلة.
وتصميم واستنباط الهويات والعلامات المؤسسية في الإمارات صناعة متقدمة قطعت أشواطاً طويلة في هذا المجال خلال السنوات القليلة الماضية. ولاشك أن الكم الهائل من الشركات والوكالات الإعلانية المتخصصة في هذا المجال يشير إلى اتساع الطلب على هويات مؤسسية تخدم شركات جديدة أو أخرى قديمة ترغب في بث روح التجديد والتغيير في بنيتها الأساسية. ومع ذلك نجد أن عددا غير قليل من علاماتنا التجارية الأبرز تفتقر إلى الرؤية الصحيحة والقدرة على التأثير في المستهلك متجاهلة حقيقة أن هذا المستهلك هو في نهاية المطاف الخصم والحكم.
كاتبة إماراتية