تعمل لجنة اقتصادية خاصة تابعة للهيئة الاستشارية لدول مجلس التعاون الخليجي - وبناء على تكليف من القادة الخليجيين - على دراسة موضوع ملاءمة بيئة الاستثمار في دول المجلس لأعمال القطاع الخاص بالدول الأعضاء، حيث نظمت لقاءات مع ممثلين عن القطاع الخاص في دول المجلس للتعرف على مرئياتهم بهذا الخصوص والمعوقات التي يواجهها القطاع الخاص، كما تواصل عقد اجتماعات لها للتوصل إلى وضع تقرير متكامل حول هذا الموضوع.

ولا شك أن قائمة المعوقات التي تواجه القطاع الخاص تطول في بنودها، بعضها متراكم منذ سنوات طويلة، وبعضا ناشئ عن تأخر تنفيذ قرارات التكامل الاقتصادي الخليجي ولا سيما في مجال تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل في ممارسة النشاط الاقتصادي لمواطني دول المجلس، والناجمة بدورها عن تأخر بعض الدول في مواءمة قوانينها الوطنية مع قرارات المجلس الأعلى أو غياب التطبيق الفعلي لها وإختلاف إجراءات التطبيق.

فلا تزال بعض دول المجلس لا تمنح مواطني دول المجلس نفس المعاملة الممنوحة لمواطنيها في الحق في ممارسة العمل التجاري والصناعي وخصوصا في منح السجلات التجارية والتراخيص الصناعية والحصول عليها. كما لا تزال توجد قيود على حق التملك والاستثمار العقاري وإنشاء المؤسسات والشركات العقارية في بعض الدول الخليجية، علاوة على فرض شرط الحاجة إلى وكيل محلي لممارسة تجارة الجملة أو للسماح بتوزيع وتصريف المنتج الوطني.

وكذلك استمرار شرط وجود شريك محلي بنسبة لاتقل عن 51% واستمرار شرط الإقامة بالنسبة للمشاريع الفردية وشرط المشاركة مع المواطن لبعض الدول بالنسبة للأنشطة التي تأخذ طابع الشركات التجارية. وفي مجال الاستثمار يبرز عدم تطبيق المعاملة بالمثل فيما يتعلق بتملك وتداول الأسهم والوساطة المالية وتأسيس الشركات وعدم السماح بفتح فروع للبنوك الوطنية البحرينية في بعض الدول.

وفي مجال التبادل التجاري وتنفيذ التعرفة الجمركية الموحدة تبرز أيضا العديد من المعوقات مثل عدم اعتراف بعض الموانئ بالشهادات الصحية الصادرة حول بعض السلع والمنتجات الغذائية، وإعطاء أفضلية للمنتج المحلي على المنتج الخليجي بغض النظر عن الجودة والسعر.

علاوة على فرض ضرائب على بعض المنتجات الوطنية، والاختلاف الجاري حول شهادة المنشأ والقيمة المضافة والتأخر في الجمارك والصعوبات في الحصول على تأشيرات دخول مندوبي الشركات من غير البحرينيين ، ورفض سفارات بعض الدول الموجودة في البحرين تقديم التأشيرة إلا من خلال شركة تخليص موجودة في بلدها .

كما تشكل الاستثناءات في تنفيذ القرارات الصادرة من المجلس الأعلى إحدى معوقات تحقيق التكامل وتساهم في تأخير وإرجاء تنفيذ المشاريع والبرامج كمشروع الإتحاد الجمركي والوحدة النقدية وحق التملك وغيرها. بل أن بعض الأجهزة أو المؤسسات في الدول الخليجية تتعامل مع نظيراتها في بعض الأحيان في تأسيس وإقامة المشاريع على أساس تنافسي وليس تكامليا.

جاء في المادة ( الثالثة ) من الفصل الثاني من المرسوم بقانون رقم (7) لسنة 2002 بالموافقة على الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الصادر بتاريخ 20 أبريل 2002 على ما يلي «يعامل مواطنو دول المجلس الطبيعيون والاعتباريون في أي دولة من الدول الأعضاء نفس معاملة مواطنيها دون تفريق أو تمييز في كافة المجالات الاقتصادية».

إلا أنه وبملاحظة المجالات الاقتصادية التي أوردتها هذه المادة كأسس لقيام السوق الخليجية المشتركة، فإنه يمكن الإشارة إلى أن بعض المجالات الاقتصادية كالتنقل والإقامة لا توجد مشكلة لدى مواطني دول المجلس، إلا أنه فيما يخص العمل في القطاعات الحكومية والأهلية.

فهناك تمييز وعدم مساواة في الامتيازات التي يحصل عليها مواطنو بعض الدول فيما يتعلق بالعمل في القطاعات الحكومية. كذلك في مجال التأمين الاجتماعي والتقاعد، حيث لا يوجد تأمين في بعض دول المجلس على مواطني دول المجلس العاملين لدى القطاع العام أو الخاص. كما توجد قيود على ممارسة المهن والحرف في معظم دول مجلس التعاون الخليجي.

إلا أن أي مقترحات للتعامل مع الصعوبات والمعوقات التي تحد من وجود بيئة ملائمة للقطاع الخاص بدول المجلس يجب ان لا تقتصر على المعالجات الفنية والإدارية لتلك الصعوبات والمعوقات، بل يجب ان تشمل بالدرجة الأساس المعالجات المؤسسية، ونعني بذلك تحديدا زيادة مشاركة القطاع الخاص في إعداد وتنفيذ خطط وبرامج التنمية الاقتصادية على المستوى الخليجي.

وتفعيل قنوات التشاور مع القطاع الخاص في مرحلة بناء القرار الاقتصادي الخليجي المشترك، وقيام الدول بالدور الإشرافي لتوجيه القطاع الخاص الخليجي إلى النشاط الإقتصادي الملائم من خلال سلسلة من السياسات الاقتصادية العامة، ومن خلال صناديق التمويل الحكومية، والحوافز المباشرة وغير المباشرة، علاوة على وضع الاستراتيجيات الملائمة لبرامج التخصيص في دول المجلس ذات العلاقة بتنمية القطاع الخاص ومراعاة تقديم التعويض المناسب للعمالة الفائضة.

وفيما يخص المعالجات الفنية والإدارية، يتوجب فتح ملكية أسهم القطاعات الانتاجية وشركات القطاع العام لجميع مواطني دول المجلس، وتشجيع قيام شركات مساهمة كبيرة مشتركة على مستوى المجلس، علاوة على الإسراع باستكمال قيام السوق الخليجية المشتركة وفق الجدول الزمني الذي أقره المجلس الأعلى وتوجيه الاستثمارات الخليجية إلى داخل الدول الأعضاء، ولاسيما في قطاعات الصناعة والإسكان والسياحة والخدمات الأخرى.

وفي مجال التعاون بين أطراف ومؤسسات القطاع الخاص في دول مجلس التعاون الخليجي، يجب وضع حوافز وبرامج مشجعة لقيام هذه الأطراف والمؤسسات بعقد اتفاقيات ثنائية وجماعية وإنشاء مراكز تعاون وتنسيق لهم تكمل جهود الغرف التجارية واتحاد الغرف الخليجية.

كما يطالب القطاع الخاص بإنشاء مراكز لتنمية وترويج الصادرات وتشجيع القطاع الخاص على المستوى الخليجي لرفع مستوى جودة السلع والخدمات من خلال اختيار أفضل التقنيات المتوفرة عالميا. وتبني سياسات وإستراتيجيات لتطوير وتنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة من خلال توفير التمويل والحوافز وتسهيل الإجراءات، وتشجيع اندماج هذه المنشآت بما يساعد على تواصل مواطني دول المجلس وتحقيق قيام كيانات اقتصادية قوية وشركات عملاقة.

أيضا لدعم تلك التوجهات، وعلى صعيد المواطنين والتنمية البشرية، تبرز أهمية تفعيل قرارات المجلس الأعلى الخاصة بفتح أسواق العمل الخليجية أمام القوى العاملة الوطنية، وإعطاء أبناء مجلس التعاون أفضلية في التوظيف في القطاع الخاص والعام، مع تبني إستراتيجية جديدة لتنمية القوى البشرية الخليجية، تقوم على تحقيق الموازنة بين مخرجات التعليم والاحتياجات الفعلية للاقتصاد الخليجي، وإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص للمشاركة في هذا المجال.

وأخيرا، ومن بين المستلزمات الموضوعية الضرورية لتحسين بيئة العمل الملائمة للقطاع الخاص تبرز كذلك أهمية بناء قاعدة معلومات اقتصادية خليجية عريضة توفر المعلومة الدقيقة للمستثمرين الحاليين والمحتملين لمساعدة مؤسسات القطاع الخاص في اتخاذ قرار الاستثمار على أسس علمية وبما يحقق لها النجاح.

علاوة على ضرورة توفر الوضوح والشفافية عند إصدار وتطبيق الأنظمة واللوائح ذات العلاقة بأعمال القطاع الخاص، مع تحقيق المرونة في السياسات والأنظمة التجارية والاستثمارية. وتطوير أنظمة ولوائح الاستثمار بما يزيد من جاذبية بيئة الاستثمار في مجلس التعاون، ويشجع قيام شركات مساهمة خليجية وأجنبية كبيرة.