تناولت في مقال سابق موضوع الوكالات أو المكاتب التنفيذية من حيث نشأتها ومبررات ظهورها ومهامها ومسؤولياتها، وخلصت إلى نتيجة مفادها: أن الوكالات أو المكاتب التنفيذية أنشئت في الأساس لتولي مهام تنفيذية محددة بالنيابة عن المؤسسات والدوائر الحكومية وقد أثبتت التجربة العملية فاعلية تلك المكاتب .
ونجاحها في إنجاز المهام الموكلة إليها بوقت أسرع وتكلفة أقل وجودة أعلى فهي بمثابة رأس القاطرة التي تقود مجموعة من القاطرات المحملة ببعض المهام والخدمات نيابة عن المؤسسة الحكومية نظراً للأعباء الجمة الملقاة على عاتق تلك المؤسسة أو بسبب البيروقراطية الإدارية المسيطرة على بعض الدوائر الحكومية الأمر الذي ينعكس سلباً على جودة الخدمة.
وعلى فئات المجتمع المستفيدة من تلك الخدمة وساعدها في ذلك صلاحياتها في تكليف أو تلزيم من تراه مناسباً من الأطراف الخارجية «خبيراً أو مؤسسة خاصة ومتخصصة أو مؤسسة تطوعية وغير ربحية أو غير حكومية» لإنجاز المهام التي شكلت من أجلها المكاتب التنفيذية. وفي هذا المقال سأتناول على عجلة موضوع التعاقد contracting بين تلك الوكالات ومزودي الخدمة أو الخبرة والاستشارة.
إن موضوع التعاقد بين الجهات الحكومية ومزودي الخدمة وتحديداً من القطاع الخاص أصبح ظاهرة واسعة الانتشار في الدول المتقدمة والنامية على السواء وقد شهد العقد الأخير تغييرات جذرية في توجهات المؤسسات الحكومية تمثلت في البحث عن طرف خارجي متخصص في مجال معين وخدمة محددة أو خبرة في إدارة العمليات أو إعادة الهيكلة وتكليفه بالمساهمة في تنفيذ الخدمة المطلوبة وفق معايير الجودة والكفاءة والتكلفة خاصة بعد الإنجازات الإدارية والتشغيلية الهائلة التي حققها القطاع الخاص.
وهكذا يمكن القول إن الدوائر الحكومية تنشئ المكاتب التنفيذية للقيام بمهام محددة وفق مبدأ الإدارة الذاتية وتقوم تلك المكاتب في بعض الحالات وبحكم صلاحياتها بالتعاقد مع طرف خارجي من أجل إنجاز المهمة وفق الخطة المرسومة والجدول الزمني المحدد.
إن هذا الأسلوب يتيح للدوائر الحكومية التفرغ للقضايا الاستراتيجية والتخطيط والتمويل والتحكم والمراقبة ويخلصها من مهام وخدمات لم تكن قادرة على إنجازها إما بحكم تشابك المهام الملقاة على عاتقها أو لنقص في الموارد البشرية والتقنية أو لضعف في الإدارة والكفاءة التشغيلية ويقوم المكتب التنفيذي بدوره في وضع خطة العمل وتوفير الموارد الداخلية والخارجية لإنجاز المهمة والتي قد تتطلب التعاقد مع طرف خارجي.
ان الاستعانة بمصدر خارجي أصبح اليوم خياراً سليماً للإدارة الاستراتيجية وهذا ما دفع كثير من الدوائر الحكومية في دول العالم إلى تحويل العديد من المهام إلى القطاع الخاص لخبرته التشغيلية والإدارية وقدرته على إدارة وتنفيذ الخدمات بكفاءة واحترافية خاصة عندما تكون تلك المهام مرتبطة بمصالح وحاجات قطاعات واسعة من المجتمع مثل بعض الخدمات المرتبطة بالصحة والتعليم والماء والكهرباء وغيرها إضافة إلى خدمات تقنية المعلومات برامج التطوير والتحديث وما شابه ذلك.
الأسئلة الجوهرية المطروحة هنا: كيف يتم التعاقد، ومع من، وهل هناك أمور يمكن التعاقد بشأنها وأمور أخرى لا يمكن التعاقد بشأنها مع طرف خارجي؟ إن هذه الأسئلة وسواها تشكل مدخلاً للحديث عن معنى التعاقد وشروطه والعناصر الأساسية التي يجب أن يحتويها لضمان انجاز المهمة الموكلة إلى طرف خارجي إضافة إلى المسؤولية القانونية لأطراف التعاقد وبنفس الوقت تعتبر الأسئلة المذكورة أعلاه ضرورية لتحديد شروط ومعايير اختيار الطرف الخارجي وأهمية اختيار الخدمة المنشودة، فهذه العملية ضرورية لإنجاح هذا الإجراء.
إن الإجابة الدقيقة عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالتعاقد ستكون موضوع مقال آخر نختم فيه الحديث عن الوكالات التنفيذية ونحدد مدى أهمية تلك المكاتب للوضع الراهن في دولة الإمارات عامة ودبي خاصة في ظل المشاريع العملاقة التي تشهدها الدولة.
محللة اقتصادية ـ جمارك دبي