يجري حالياً توظيف استثمارات كبيرة في البنية التحتية للنقل والسياحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للمحافظة على النمو السريع للقطاع. وعلى سبيل المثال، يجري تخطيط وتنفيذ مشاريع بقيمة تريليون دولار، الأمر الذي سيؤدي بحلول سنة 2020 إلى تشييد 200 فندق إضافي و000 .100 غرفة جديدة، وارتفاعاً في الطاقة الاستيعابية للمطارات مقدارها 300 مليون راكب، وزيادة في عدد طائرات الأسطول الجوي تصل إلى 150%.
ومن المتوقّع أن تساهم هذه الاستثمارات في رفع تصنيف المنطقة على مؤشر التنافسية لمنتدى الاقتصاد العالمي الخاص بالنقل والسياحة، من التصنيف الحالي الذي بلغ المرتبة المتوسّطة لسنة 2007، مع احتلال الإمارات مركز الصدارة في المنطقة. وقد شملت الدراسة العناصر الرئيسية للبنية التحتية، بما فيها النقل الجوي والنقل البريّ والبنية التحتية المرتبطة بالسياحة وتقنية المعلومات والاتصالات.
أظهرت النتائج التي توصّلت إليها شركة بوز ألن هاملتون أنه على الرغم من توظيف استثمارات كبيرة في قطاع النقل والسياحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ما زال هذا القطاع يواجه عدداً من التحديات المرتبطة ببنيته التحتية والتي تمثّل الشراكات بين القطاعين العام والخاص أفضل حلّ لها.
وأشارت هذه النتائج التي جرى عرضها في إحدى جلسات منتدى الاقتصاد العالمي في الأردن أخيراً، إلى أنّ اللجوء إلى الشراكات بين القطاعين العام والخاص على المستوى العالمي معتمدة على نطاق واسع عالميا لمواجهة تحديات البنية التحتية، وخصوصاً في قطاع النقل، مما يجعلها تالياً طريقة مناسبة لمعالجة المشاكل المتفاقمة التي تخيّم على قطاع النقل والسياحة في المنطقة في مجالات مثل حركة النقل الجوي، والبنية التحتية للنقل البري، وجودة الخدمة، والتقنية.
ويقول نبيه مارون، نائب رئيس في شركة بوز ألن هاملتون، وهي شركة استشارات إدارية عالمية تنتشر مكاتبها في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إنّ الشراكات بين القطاعين العام والخاص تؤدّي عدداً من الأدوار الحيوية.
ففي إمكانها زيادة حجم الاستثمارات التي يمكن توظيفها خلال فترة محدّدة من الوقت. كما تظهر التجارب الدولية أنّه، عند توافر بعض الظروف، يمكن تحقيق فعاليّة كبيرة وفوائد لناحية الجودة عبر منح مزيد من المسؤوليات للقطاع الخاص. ويمكن أن تشكل الشراكات بين القطاعين العام والخاص أيضا محركا هاما لإعادة هيكلة الشركات الحكومية وتخصيصها، مما يؤدّي إلى تخفيض الإعانات الحكومية ومزيد من الشفّافية.
يسجّل الخليج عموماً والإمارات خصوصاً أداءً أفضل من باقي بلدان المنطقة، على الرغم من أنّ الدولة صاحبة الأداء الأفضل، أي أن الإمارات، تشغل مركزاً بين المراكز العشرة الأولى في قطاع واحد فقط، ألا وهو النقل الجوي. وبشكل عام، تتمتّع الدولة بأفضل سجل في المنطقة، إذ تحتل المرتبة الــ 19، متقدّمة على بلدان مثل اليونان وأيرلندا وبربادوس وماليزيا وإيطاليا. وتحتل تونس المرتبة الــ 34 وقطر المرتبة الــ 36 والأردن المرتبة الــ 46، وهي الدول العربية الوحيدة التي تحتل مراتب بين المراكز الخمسين الأولى.
البنية التحتية للنقل
لا تزال شبكة الخطوط ما بين مطارات المنطقة والعالم متدنية نسبيا. و ينعكس هذا الأمر على نمو القطاع على أصعدة عدة منها الحد من إمكانيات نمو الحركة مع البلدان المصدرة للسياح، و تعريفات أعلى بشكل عام على المسارات ذات الخيارات المحدودة لناحية الرحلات، وصعوبة أكبر في استقطاب مشغّلي الرحلات ووكالات السياحة والسفر العالمية، واعتمادا متزايدا على الرحلات «التشارتر» التي تتركّز على مواسم ذروة محدودة.
وعلى الرغم من الطابع الإيجابي لزيادة الطاقة الاستيعابية للمطارات، فإنّها سترفع من وتيرة التنافس مما يحتّم على المطارات إيجاد الموقع الاستراتيجي المناسب، أي تحديد ما إذا كانت تريد أن تكون مطاراً محورياً عالمياً أو إقليمياً، أو جهة دولية، أو مطاراً إقليمياً يشكّل مصدراً وجهة.
إلى ذلك، سوف يتعيّن على المطارات تعزيز مستويات الخدمة والإيرادات بهدف جذب المزيد من شركات الخطوط الجوية والوجهات، وتالياً المزيد من الركاب لضمان الاستدامة الطويلة الأمد. وهذا يعني تقديم إجراءات غير معقّدة وسريعة وسهلة على مختلف المستويات انطلاقاً من الحجز وأنظمة المعلومات، مروراً بالأمن ومشتريات السوق الحرّة والمطاعم، وصولاً إلى صعود الطائرة وخدمات الأمتعة.
ولا تتطوّر ايضا شبكات النقل البري والجوي الداخلية بالسرعة الكافية، مما يحدّ تالياً من فوائد السياحة، نتيجة تدنّي المدّة الوسطية لإقامة الزائر، وخسارة فرصة تقديم عروض سياحية متنوعة وتعميم فوائد السياحة على المناطق النائية، وتراجع متوسط الإنفاق اليومي في كل موقع خلال فترة الإقامة الطويلة، وتسرّباً محتملاً لنسبة من أيام زيارة السياح الذين يمضون فترة إقامة طويلة ونفقاتهم نحو أسواق أخرى.
وأخيراً، تبقى سيارات الأجرة وسيلة النقل الرئيسية للسياح داخل المدن، نتيجة غياب البنية التحتية المتطورة للنقل المدني بالحافلات. إلا أنّ الخدمة والسعر والمعايير غير منظّمة ومضبوطة بشكل جيد، مع وجود العديد من سيارات الأجرة التي لا تستخدم العدادات وتعاني ضعفاً في الصيانة ونقصاً في التنظيف الملائم. وفي الوقت عينه، لا وجود بشكل عام للبنية التحتية ولأسطول الحافلات الخاصة بالسياح.
الفنادق والمنتجعات السياحية
وظّفت جميع سلاسل الفنادق الدولية الرئيسية استثمارات كبيرة معززة بذلك الطاقة الاستيعابية للفنادق في المنطقة، وخاصة في الإمارات العربية المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية. وبشكل عام، من المتوقع أن تسجّل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ارتفاعاً في الطاقة الاستيعابية للغرف نسبته 4 .21 في المئة بين عامي 2006 و2009.
بيد أنّه لا تزال هناك تحديات كبيرة مرتبطة بتوفُّر المرافق الضرورية لدعم هذا الاستثمار. وبحسب الوتيرة الحالية للتنمية، لن تكون المرافق - ولاسيما مرافق المياه - كافية لمواكبة جميع التطورات المخطّطة. ويتوقّع البنك الدولي انخفاضاً تدريجياً في توفر المياه، يحتمل أن يبلغ 50 في المئة من المستويات الحالية بحلول سنة 2050، إذ تبقى تكلفة تقنية التحلية مرتفعة.
من ناحية أخرى، قد يؤدّي العرض المتزايد بقوة إلى طاقة استيعابية فائضة عن الطلب في ضوء التوقعات الطموحة للسياح الوافدين التي تحدّدها السلطات المعنية. فعلى سبيل المثال، يقدّر المجلس العالمي للسفر والسياحة عدد الوافدين إلى الدولة بــ 12 مليوناً مقابل 20 مليوناً تتوقعهم السلطات الحكومية في البلاد.
وأخيراً، قد تؤدّي المشاريع السياحية المتشابهة في المنطقة، والتي تلائم في معظمها فئات السياح الرفيعة المستوى، إلى منافسة حادة ما بين بلدان المنطقة وتفاقم مخاطر الطاقة الاستيعابية الفائضة.
البنية التحتية لتقنية المعلومات والاتصالات لا تزال الاستفادة من التقنية في خدمات السفر والسياحة في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا دون المستوى المطلوب. فعلى سبيل المثال، يجري إنجاز 1 في المئة فقط من مبيعات التذاكر في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عبر الإنترنت، في مقابل نسبة 15 في المئة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ و27 في المئة في أوروبا.
ويعود هذا الأمر جزئياً إلى معدّل الاستعمال المتدني لخدمات تقنية المعلومات والاتصالات عموماً، وإنمّا أيضاً إلى النسبة المتدنية لاستخدام بطاقات الائتمان (مثلاً 5 في المئة فقط في المملكة العربية السعودية)، فضلاً عن تفضيل التفاعل الإنساني على المعاملات الإلكترونية.
كما تسجل المنطقة مرتبة متدنية في المبادرات الدولية لتطبيق التقنية في سبيل التحديث على إجراءات شركات الخطوط الجوية والمطارات وخدماتها. مثلاً يستغرق تطبيق نظام تذاكر السفر الإلكترونية (e-ticketing) وقتاً أطول مما كان متوقعا.
مما يزيد الشكوك حيال قدرة جميع شركات الخطوط الجوية في المنطقة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المنظمة الدولية للنقل الجويIATA) ) بتبسيط برنامج العمل الذي يقضي بتحقيق نسبة 100 في المئة من تطبيق نظام تذاكر السفر الإلكترونية مع نهاية سنة 2007، واعتماد أنظمة التسجيل الذاتي للرحلة (self-check in systems)، والنظام اللاسلكي لتحديد العلامات RFID الخاص بخدمات الأمتعة، ونظام الترميز لبطاقات صعود الطائرة، ونظام الشحن الإلكتروني.
قطاع واعد
يَعِد قطاع السفر والسياحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالكثير، إذ أنّه يستعدّ لاستيعاب استثمارات تتخطى قيمتها الألف مليار دولار خلال السنوات ال15 المقبلة. لكن القطاع يواجه عدداً من التحديات التي قد تثبط هذه النظرة الإيجابية وتحدّ من الفوائد المتوقعّة من نموّه. وبما أنّ هذه التحديات ترتبط بالدرجة الأولى بالبنية التحتية، ترى بوز ألن هاملتون في الشراكات بين القطاعين العام والخاص السبيل الأفضل لمعالجة هذه المشاكل، نظراً إلى نجاحها في العديد من البلدان حول العالم، وخصوصاً في قطاع النقل.
فوائد كبيرة للشراكة
ترى بوز ألن هاملتون أنّه في إمكان الشراكات بين القطاعين العام والخاص تحقيق ثلاث فوائد، إذ يمكنها أولاً زيادة حجم الاستثمارات التي يمكن توظيفها خلال فترة محدّدة من الوقت. ويمكن ثانياً على ما تظهره التجارب الدولية، في ظل بعض الظروف، تحقيق فعالية كبيرة وفوائد لناحية الجودة عبر منح مزيد من المسؤوليات للقطاع الخاص.
كما يمكن ثالثاً أن تحرّك الشراكات بين القطاعين العام والخاص إجراءات إعادة هيكلة المشغّلين الحكوميين وتخصيصهم، مما يؤدّي إلى تخفيض الإعانات الحكومية ومزيد من الشفّافية. غير أنّ ضمان نجاح الشراكات بين القطاعين العام والخاص يتطلّب تحديد طبيعتها وهيكليتها بالتشاور مع القطاع الخاص، بالإضافة إلى استخدام وثائق موحّدة يقبلها المشغلون المحتملون في الأسواق العالمية.