يعتبر شعار «مد جسور التفاهم بين الشعوب» من أبرز أهداف مهرجان دبي السينمائي الدولي، والتي يحاول المهرجان الذي لم يتخط عمره السنوات الأربع أن يستغل كل مناسبة لترجمته على أرض الواقع.

آخر نتائج هذا التطبيق تمثل بتبني إدارة المهرجان الحالية برئاسة عبد الحميد جمعه نائب المدير العام لسلطة المنطقة الحرة للتكنولوجيا والإعلام فكرة إنشاء تجمع مهرجاني سينمائي عربي تحت سقف واحد يخلو من الأهداف الشخصية ويسمو بمشروع التعاون السينمائي العربي ويدفع إلى الأمام بالفيلم العربي لوضعه على الخريطة العالمية لكي يحجز مكانته من الآن على قائمة انتظار كبرى الجوائز السينمائية العالمية.. حول الحلم في إنجاح تطبيق الفكرة بين الظروف والمعطيات على ارض الواقع، وحول الرؤية المستقبلية لمهرجان دبي السينمائي الدولي كان لنا هذا الحوار مع عبد الحميد جمعة حيث التقيناه خلال زيارته إلى الرباط، ويتم نشر الحوار بالتزامن مع الشقيقة «الإمارات اليوم»:

ـ في البداية يفرض علينا مكان لقائنا هنا في العاصمة المغربية الرباط، وفي إطار مهرجان الرباط الدولي لسينما المؤلف سؤالا بديهيا حول أسباب تواجدكم؟

ـ تأتي زيارتي إلى مهرجان الرباط في إطار التشاور المستمر مع المهرجانات السينمائية العربية وهو النهج الذي وضعته إدارة مهرجان دبي السينمائي الدولي نصب أعينها منذ العام 2003.

وقد تلقيت دعوة مهرجان الرباط في إطار التنسيق الذي تم الاتفاق عليه بيننا في زيارتي السابقة إلى المغرب في نوفمبر من العام السابق 2006، ولكن من أهم أسباب تواجدي هنا اليوم هو طرح رؤيتي حول المبادرة التي أطلقها مهرجان دبي من اجل لم الشمل السينمائي العربي تحت سقف واحد يحمل اسم (تجمع المهرجانات السينمائية العربية).

وهي المبادرة التي تحمست لها إدارة مهرجان الرباط وتفضلت مشكورة باستضافة اجتماعها التشاوري الأول ودعوة عدد من رؤساء ومديري المهرجانات العربية للحضور وبحث وضع اللبنة الأولى للتجمع وتجسيد الفكرة ووضع خطة وآلية عمل واضحة لهذا التجمع المقرر إعلان تأسيسه رسميا في دبي في إطار مهرجان دبي السينمائي الدولي 2007.

ـ لاشك أن فكرة إنشاء كيان عربي يجمع المهرجانات العربية تحت سقف واحد أمر رائع، لكن دعني اطرح سؤالا حول أسباب تبني مهرجانكم دون غيره إطلاق هذه المبادرة؟

ـ نحن في دبي نبحث دائما عن كل ما هو جديد ولقد فكرنا دائما وحتى قبل انطلاق دورتنا الأولى 2004 في خلق نوع من التجانس مع المهرجانات السينمائية العربية وعدم تضارب أهدافها ووضع لبنة قوية للارتقاء بمستوى السينما العربية.

بالإضافة إلى مساعدة الشباب العربي على الانخراط في هذه المهنة خاصة وان الكل يرى حماسا ورغبة لدى الجمهور العربي في متابعة المهرجانات السينمائية، كما أن وجود مهرجانات جديدة تنشأ يفرض بطبيعة الحال ضرورة أن تستفيد هذه المهرجانات من نظيراتها العريقة في المنطقة التي تملك الخبرة والتاريخ والمكتسبات الأخرى مثل «القاهرة، دمشق وقرطاج».

ومن زاوية أخرى وجدنا أن هناك حاجه ماسة لمثل هذا التجمع فيما يخص التنسيق في أوقات إطلاق المهرجانات حيث نبتعد قدر الإمكان عن تضارب المواعيد، الأمر التي يساعد المهتمين بالسينما العربية على متابعة كافة المهرجانات.

وأتمنى أن يسفر اجتماعنا الأول هنا عن تسليط الضوء على مثل هذه المشكلات والسعي إلى حلها أو على الأقل توضيحها بحيث لا يفهم مثلا انه إذا تعذر على مهرجان أن يغير موعده الذي يواكب موعد مهرجان آخر على انه أمر مقصود.

ومن كل ما سبق سعت دبي إلى محاولة خلق تجمع سينمائي عربي يجمع كافة الرؤى والأفكار والاتجاهات تحت لواء واحد مثلما نجحت دبي في تحقيق ذلك على مستويات أخرى اقتصادية واجتماعية وإعلامية ومعلوماتية فأنت تجد في دبي العديد من الجنسيات يعمل رعاياها على أرض واحدة من اجل هدف واحد.

ـ نعود إلى الاجتماع التشاوري الأول للتجمع، ما هي المقررات التي خرجتم بها؟

ـ حضر الاجتماع ممثلو مهرجانات القاهرة ودمشق والرباط ودبي طبعا وتم الاتفاق على عدد من القرارات تم إعلانها في ورقة توصيه ضمت الآتي:

1- أن يتم إطلاق اسم «تجمع المهرجانات السينمائية العربية» على هذه المبادرة.

2- يعتبر اجتماعنا الأول في الرباط اجتماعا تشاورياً.

3- أن يتم اجتماع تشاوري آخر في القاهرة تزامنا مع مهرجان القاهرة السينمائي 27 نوفمبر2007.

4- أن يتم إعلان التأسيس الرسمي للتجمع في دبي في إطار مهرجان دبي السينمائي في ديسمبر المقبل 2007.

5- يتم الترتيب لاجتماعين في العام لأعضاء التجمع وإعطاء الفرصة لأي مهرجان عربي للدخول في العضوية.

ـ ما هي الصعوبات التي قد تواجه هذا التجمع وإعلانه؟

ـ لاشك أن أية أفكار جديدة تجمع عددا من الأطراف يكون لها عوائقها خاصة إذا كانت أهداف التجمع يصعب تحقيقها في أسابيع أو شهور وربما تأخذ سنوات لتحقيقها. ولكني متفائل بتحقيق أهداف التجمع في وقت سريع حيث أن التجمع المزمع إعلانه لا تؤثر فيه أية آليات سياسية.

ـ ولكن الواقع العربي يقول عكس ذلك فهناك العديد من المهرجانات العربية تنشأ في الأساس لأهداف سياسية؟

ـ احد أهداف هذا التجمع هو الخروج من دائرة البيروقراطية واتخاذ القرارات فيما يخص التعاون السينمائي العربي بعيدا عن السياسة في حين نحترم قرارات وظروف كل مهرجان على حدة فمنها المستقل ومنها التابع لمؤسسات ذات طابع سياسي لابد من مراعاته.

نحن هنا فقط نحاول أن نتبادل الخبرات والممارسات التي أثبتت فعاليتها في إدارة مشاريع اقتصادية وثقافية معتمده على أسس علمية وخطط عمل واضحة في حين لا ننسى الاستفادة من طرق مؤثرة أخرى تدار بها المهرجانات العريقة مثل القاهرة ودمشق وقرطاج وغيرها من المهرجانات ذات التاريخ العريق في المنطقة.

الأمل الأكبر لنا أن تضع كل المهرجانات نصب أعينها هدف مساعدة السينما والارتقاء بمستوى الفيلم العربي والقطاع السينمائي العربي بشكل عام ومن حق كل مهرجان أن يبحث عن مصلحته الخاصة ولكن في إطار المصلحة العامة بدون أن يفقد هويته وأسلوبه في الإدارة.

ـ ما هي الاستفادة التي يسعى مهرجان دبي لتحقيقها من خلال تبنيه فكرة إنشاء تجمع سينمائي عربي؟

ـ تحقيق التكامل السينمائي بما يخدم مصلحة الفن السابع في وطننا العربي ومحاولة الاستفادة من ممارسات وخبرات المهرجانات العريقة في المنطقة ومحاولة تنسيق مواعيد المهرجانات العربية على أن يتم كل ما سبق في إطار المصلحة العامة.

ـ هل صحيح ما يشاع أن مهرجان دبي السينمائي سوف يأخذ طابعا تجاريا ويبحث عن تحقيق مكاسب مادية خلال دوراته المقبلة؟

ـ أنشئ مهرجان دبي السينمائي عام 2004 ووضعت له خطة واضحة الملامح لمدة خمس سنوات تتمحور حول الآتي:

أولا - التواصل الحضاري ومد جسور التفاهم بين الشعوب من خلال الفن السابع.

ثانيا - الاعتماد على الفيلم العربي وإعطاؤه فرصة اكبر للوصول إلى العالمية وجعل مهرجان دبي المكان الأهم لاكتشاف المنتج السينمائي العربي وكل ما يتعلق بهذه الصناعة التي قررت دبي الدخول فيها بقوة.

ثالثا - وضع أساس لهذه الصناعة من ناحية الاستفادة من مدينة دبي للاستوديوهات التي أعلنت دبي عن إطلاقها حديثا.

رابعا - الاهتمام بصناع السينما من شباب الإمارات ومساعدتهم على سرد قصصهم للعالم عبر الشاشة الفضية بمحاولة التركيز على الكثير من المبادرات والمشاريع التي تصب في مصلحة تطورهم سينمائيا.

وإذا رجعنا إلى النقاط السابقة نجد أن المهرجان لا يستطيع تحقيق كافة هذه الأهداف خلال عام أو عامين لأنها أهداف طويلة الأجل، وقد ركزت دبي على السير بها منذ الدورة الأولى للمهرجان ولا تغيير في هذه السياسة مما يعنى أنها ليست ذات طابع تجاري.

وإذا كنت تقصد بسؤالك أن مهرجان دبي سوف يعتمد على تمويل نفسه ذاتيا، اعتقد انه من المهم أن ننظر إلى هذه الفكرة بجدية وإعطائها الوقت المناسب وإذا استطعنا أن نحقق هذا الهدف فهو في حد ذاته نجاح، الأمر الذي سيدلل على قدرة مهرجان دبي جذب نسبة كبيرة من الشركات العالمية في دبي وخارجها لتمويله والاستفادة من انتشاره عالميا.

ولكني أوضح انه إذا حدث ذلك فسوف يتم وفق إطار مدروس ومنظم يضمن للمهرجان الحفاظ على هويته غير التجارية، كما أوضح أن مهرجان دبي لن يعتمد على المال وحده في جذب النجوم العالميين وكبار صناع السينما، بل سيوازن بين المظهر الراقي والجذاب وكسب احترام صناع السينما العرب والعالميين بما يليق بهم وبمستوى طموح دبي في إدارة المشاريع المتنوعة الاقتصادية والثقافية والفنية.

ـ خلال جولاتكم في العديد من المهرجانات العالمية ما هو الفرق الذي لاحظتموه بين فعاليات هذه المهرجانات ونظيراتها في الوطن العربي؟

ـ لا أريد أن افرق بين المهرجانات العربية وغيرها لان لكل مهرجان ظروفه الخاصة حيث تختلف المهرجانات باختلاف رغبات وأهداف إنشائها فالمهرجانات لعدة أهداف منها السياحية والاقتصادية والسياسية والإنتاجية ومعظم المهرجانات لا تخرج عن الإطارات السابقة، لذا أرى أن الفرق الوحيد بين المهرجانات العربية والأجنبية هو أن الأولى تهتم بالفيلم العربي ومحاولة إيصاله إلى العالمية أو لابد أن يكون هذا احد أهم أهدافها.

ـ يعرف عنكم الاعتراف بالأخطاء وإعلانها قبل إعلان الانجازات فما هي الأخطاء التي تعلمتم منها؟ وماذا تعلمتم؟

ـ في البداية لا أريد تصنيفها تحت مصطلح أخطاء فأي مشروع جديد يقام على خطة واستراتيجية واضحة عندما يصبح على ارض الواقع ربما تختلف الظروف خاصة إذا كان هذا المشروع مهرجانا سينمائيا له خصوصية وتفاصيل دقيقة لا تعرف ولا تستطيع أية إدارة احترافها إلا مع التجربة.

ومن هذا المنطلق يكون مهرجان دبي مثل باقي المهرجانات مهتم بتطوير إدارته عاما بعد عام. كما أننا نسعى دائما إلى البحث عن أفكار جديدة في كل دورة مهرجانية مع الحفاظ على ثبات صبغة المهرجان التي تحدد هويته لأنه يجب أن يتعرف زوار المهرجان على الطابع الخاص لنا بداية من ابسط الأشياء حتى لو كان شعار المهرجان وألوانه، وهذا ما نجحنا في تحقيقه حيث يحظى مهرجان دبي حاليا باحترام العديد من المهرجانات العالمية العريقة.

ـ سبق أن قمت بزيارة إلى المغرب العام الماضي، فما هي النتائج التي حققها مهرجان دبي من الزيارة؟

ـ كان هدف زيارتي السابقة إلى المغرب الاستفادة من التجربة المغربية في إطلاق العديد من المهرجانات السينمائية وغيرها أيضا.

والتقيت خلال الزيارة بالعديد من المسؤولين المغاربة المرتبطة مؤسساتهم بهذه المهرجانات مثل اندريه ازولاي مستشار الملك محمد السادس عاهل المملكة المغربية الذي كان استقباله لنا رائعا بمكتبه في القصر الملكي والذي يشرف على اكبر المهرجانات المغربية مثل مهرجان مراكش السينمائي الدولي ومهرجان الصويرة للموسيقى التراثية، بالإضافة إلى نبيل بن عبد الله وزير الاتصال المغربي والمتحدث الرسمي باسم الحكومة.

حيث تم خلال هذه اللقاءات الاتفاق على تبادل الخبرات مع دبي فيما يخص تنظيم الأحداث الفنية والمهرجانات بشكل خاص. وبشكل عام فإن زيارتي إلى المغرب كانت هامة للمس واقع الإنتاج السينمائي المغربي ومدى التقدم الذي حققته السينما المغربية، حيث تمكن الفيلم المغربي مؤخرا من تحصيل العديد من الجوائز في عدد من المهرجانات المهمة.

ـ كيف ترى مستقبل مهرجان دبي السينمائي في المنطقة الخليجية مع ظهور مهرجانات وليدة أخرى؟

ـ يوجد على مستوى العالم حاليا ما يقارب 1200 مهرجان وهذا العدد يدل على انه من حق كل مدينة أو دولة أن تنشئ مهرجانها الخاص الذي يتوافق مع طبيعتها وهو الأمر الذي يجعل من كثرة المهرجانات دافعا للمبدعين إلى الرقي بالمنتج السينمائي في دولهم.

وهذا ما نتمنى أن نجده في منطقة الخليج التي استطاعت أن تحقق مكاسب ملموسة على المستوى الدرامي خلال السنوات الماضية حيث أصبحت الدراما الخليجية تنافس نظيراتها المصرية والسورية، وليس بعيدا أن تستطيع منطقة الخليج تحقيق قفزة سينمائية خلال السنوات المقبلة.

إن وجود المهرجانات السينمائية يعد عاملا مهما لدفع عجلة الإنتاج السينمائي في المنطقة، ولكن الأهم من ذلك هو وجود صيغة للتفاهم والتعاون فيما بين هذه المهرجانات، لذا أرى أن المهرجانات تشبه المدارس فكلما كثرت المدارس نضج التعليم وكلما كثرت المهرجانات نضجت صناعة السينما.

الرباط ـ وائل الصواف