ما الذي يحصل في سوق مواد البناء؟ لماذا يرفع «الهوامير» من التجار أسعارهم مجددا؟ وهل تنجح «الاقتصاد» في كبح جماح «تحالفات الأسمنت» ؟ ولماذا يعتقد المقاولون بان الأسعار سترتفع رغم انفهم ما دامت «الاقتصاد» لم تلوح بعقوبات للمخالفين من المصانع على الرغم من تدخلها للمرة الرابعة في هذه القضية؟
ما السيناريوهات الخفية التي يسعى بعض التجار لتطبيقها للوصول بالأسعار إلى مديات أعلى بمباركة «الاقتصاد» هذه المرة؟ وهل نجح «الأسمنتيون» بتقليد سيناريوهات شركات البترول وشركات الألبان التي رفعت أسعارها على نحو هادئ؟ وهل فقد «الأسمنتيون» المقدرة على إقناع «الاقتصاد» بما تتكبده من خسائر تجبرها على رفع الأسعار أم ان شاشات أسواق المال «فضحت» بعض المصانع وهي تستعرض حجم الأرباح التي حققتها على خلفية الطلب المتنامي على مواد البناء بسبب اتساع الرقعة العمرانية في الدولة؟ أليس صحيحا أن قرارات مصانع الاسمنت ال17 متخبطة ويغيب عنها التنسيق فيما بينها على صعيد عمليات توسعها غير أنها تنسق وتتفق فقط عندما يتعلق الأمر برفع الأسعار وتعقد لذلك اجتماعات تعقد تحت مظلة ما يسمى بهيئة مصانع الاسمنت وهي هيئة على الورق ولم يباركها القانون حتى الآن؟ هل سيصل إنتاج الاسمنت إلى 40 مليون طن في 2010 مقابل طلب يصل إلى 28 مليون طن فقط؟ هل ستنجح المصانع في تصدير ال12 مليون طن الفائضة إلى أسواق الدول المجاورة التي ستشهد هي الأخرى فائضا كبيرا؟
هذه محاولة من «البيان» مدعومة بالوقائع والأرقام للخوض في أسرار أكثر الصناعات ربحية وخسارة في الدولة هذه الأيام!!
قبل 3 سنوات
عندما اندلعت الأزمة في صيف 2004 سارعت جمعية المقاولين التي يرأسها الدكتور احمد سيف بالحصا إلى اتهام مصانع الاسمنت بتشكيل تكتلات وكارتلات تتحكم بأسعار مواد البناء محليا (وهو ما نفاه مصنعو الاسمنت نفيا قاطعا وسرعان ما ظهر بأن تلك الكارتلات تجتمع بشكل أسبوعي للاتفاق على أسعار واحدة لا يحيد عنها أو يتجاوزها أحد!!)، ويجب ألا ننسى وجود نحو 50 وسيطا (وهو ما اقر بوجودهم مصنعي الأسمنت) بين المصانع وشركات المقاولات، كان لهم الاثر البالغ في رفع الأسعار ووصولها إلى ما وصلت اليه.
وبالرغم من ان وسائل الإعلام حذرت من تكرار سيناريو أزمة 2004 إلا ان الجهات المعنية كانت تراقب الوضع وتدخر تدخلها إلى يوم يحاول البعض إلى تهديد الحركة العمرانية التي يعول عليها البلد في اقتصاده بالخطر المباشر.
وهذا ما حصل فقد تدخلت الوزارة أربع مرات كان آخرها قبل أيام وفي منتصف الشهر الماضي ترأس عبد الله بن أحمد آل صالح وكيل وزارة الاقتصاد ـ قطاع الاقتصاد اجتماعا مع ممثلي جمعية المقاولين وشركات ومصانع الاسمنت في الدولة وتم فيه مناقشة أوضاع صناعة الاسمنت بالدولة والمعوقات التي تواجه مصانع الاسمنت بالإضافة إلى الارتفاع الملحوظ الذي سجلته أسعار هذه المادة في الأسواق المحلية في الآونة الأخيرة ومدى انعكاس ذلك على المستهلكين والسوق وتأثيره على التنمية الاقتصادية والعمرانية التي تشهدها الإمارات.
حرص وتفاهم
وبالطبع فقد حرصت «الاقتصاد» على توضيح انعكاسات ارتفاع أسعار مادة الاسمنت في السوق المحلية فتقرر بألا يتجاوز سعر بيع مادة الاسمنت (سائب) 295 درهما للطن الواحد وأن لا يزيد سعر الكيس الواحد من هذه المادة وزن 50 كيلو غراما عن 17 درهما وذلك حتى نهاية العام الجاري.
وكان الاجتماع فرصة ذهبية لمصنعي الاسمنت ليطرحوا مشاكلهم لكن «الاقتصاد» قالت في اليوم التالي بأن «المناقشات أظهرت عدم وجود أي دليل على لجوء بعض منتجي الاسمنت إلى خفض الإنتاج عن عمد من أجل رفع الأسعار حيث بلغت كمية مبيعات المصانع داخل الدولة نحو 18 مليون طن في الوقت الذي بلغت فيه الطاقة الإنتاجية للمصانع القائمة حاليا 9, 18 مليون طن مما يعني عدم وجود أي ممارسات سلبية توحي بخفض الإنتاج من أجل زيادة الأسعار.
وقدم منتجو الاسمنت بعض المبررات على ارتفاع أسعار مادة الاسمنت في السوق المحلية والناجمة عن ارتفاع أسعار المادة الأساسية (كلنكر) بنسبة 30 بالمئة في الأسواق العالمية تضاف عليه زيادة أسعار الشحن بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف استخراج هذه المادة محليا.
وتوقعت مصادر المنتجين ارتفاع الطاقة الإنتاجية للدولة من مادة الاسمنت خلال العام القادم نتيجة التوسعات الكبيرة التي تجريها بعض مصانع وشركات الاسمنت ودخول طاقات إنتاجية جديدة إلى السوق المحلية مما سينعكس إيجابا على استقرار السوق وخفض الأسعار.
كما اتفق المجتمعون على أن تقوم وزارة الاقتصاد بدراسة المعوقات والصعوبات التي تعاني منها شركات ومصانع الاسمنت بالدولة ورفع تقرير بشأن ذلك إلى الجهات المعنية بالإضافة إلى قيام وزارة الاقتصاد بالتنسيق مع هيئة المواصفات والمقاييس من أجل إحكام الرقابة على مواصفات الاسمنت المستورد واتخاذ الإجراءات المناسبة بحق المخالفين.
وأكد عبدالله آل صالح أن هذه التفاهمات الجديدة بشأن خفض أسعار مادة الاسمنت في السوق المحلية تساعد على ضبط سوق الاسمنت المحلي وتحمي المستهلك وتعمل على دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الاستثمارات وتطويرها في مختلف قطاعاته خاصة في قطاع الإنشاءات.الاجتماع انفض بوعد من وزارة الاقتصاد بأنها ستبذل جهدها لمساعدة شركات ومصانع الاسمنت على مواجهة المعوقات والصعوبات التي تواجهها هذه الشركات لكي تقوم بدورها الأمثل في خدمة السوق وتعزيز التنمية الاقتصادية بالدولة.
فتنة
ويرى مراقبون ان وزارة الاقتصاد بالدولة وأدت «فتنة» كادت تضرب قطاع الإنشاءات في الدولة عندما ألزمت مصانع الاسمنت بالدولة بالعدول عن قرار زيادة أسعار الأسمنت. وأثنى المراقبون على المرونة التي أبدتها هيئة مصانع الاسمنت وتجاوبها السريع لتنفيذ قرار الوزارة فور صدوره.
لكن مسؤولا رفيع المستوى بوزارة الاقتصاد قال في تصريحات خاصة ل«البيان الاقتصادي» ان «الوزارة لن تقف بوجه المصانع إذا رفعت أسعارها وفقا لآليات العرض والطلب في السوق» وشدد المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه على «ان الوزارة رفضت الطريقة التي اتبعتها تلك المصانع لتحديد تلك الزيادة عبر عقد تحالفات وتكتلات لتمرير الزيادة» .
وهو ما اعتبرته «الاقتصاد» مخالفة صريحة لقانون الدولة الذي يمنع قيام «كارتلات تجارية» لفرض زيادات سعرية خارج متطلبات سوق الدولة الذي يعمل وفق مفاهيم السوق الحرة. وتلوح في الأفق إشارات عن قرب عقد اجتماعات بين «الاقتصاد» و«هيئة الأسمنت» للخروج بحلول مرضية لجميع الأطراف فيما يتعلق بأسعار الاسمنت وضرورة التشاور مع الوزارة قبل اتخاذ خطوة من هذا النوع.
عقوبات
وشدد المصدر على ان الوزارة لن «تسمح بتكرار سيناريو أزمة مواد البناء الذي ضرب السوق قبل عام» وأكد على ان «الوزارة كانت ستضطر إلى إيقاع عقوبات رادعة بموجب قرارات مجلس الوزراء وتصل تلك العقوبات إلى سحب تراخيص المصانع غير الملتزمة ومنعها من مزاولة نشاطها وحرمانها من استيراد عمالة وغرامات مالية ينص عليها القانون، لكن التزام المصانع وتجاوبها السريع والفعال نأيا بالوزارة بعيدا عن اللجوء إلى العقوبات ودفعا بها إلى الثناء على موقفها وتقدير تجاوبها خدمة للمصلحة العامة».
لكن ممثل هيئة مصانع الاسمنت احمد الاعماش نفى بشدة في تصريحات ل«البيان الاقتصادي» ان تكون مصانع الاسمنت قد «تكتلت» لفرض أسعار رغبة منها بتحقيق مصالح خاصة على حساب المستهلك». وقال «كل ما فعلناه كان في سياق حماية المصانع من خسائر فادحة» وأضاف: «الدولة تبارك وتدعم الشركات التي تحقق أرباحاً لكنها في الوقت ذاته لا تقبل بأن تحقق المصانع الوطنية خسائر فادحة.
وإيماننا بذلك دفعنا إلى تلافي الخسائر بقرار الزيادة وتراجعنا بطلب من الوزارة ونتوقع ان تلاقي مشاكل المصانع نصيبا من الاهتمام». وعاد المصدر رفيع المستوى ليؤكد بأن الوزارة أبلغت هيئة الاسمنت «عدم ممانعتها قيام تلك المصانع بزيادة أسعارها في اطار يحدده السوق وليس التكتلات». فيما أكدت هيئة مصانع الاسمنت «بأنها تلتزم التزاما كاملا بقرار الوزارة وتدعمه، ما دامت الوزارة أظهرت تفهما عاليا للأسباب التي حدت بالمصانع إلى اتخاذ قرار الزيادة ووعدت بدارسة أوضاعها عن كثب».
تقلبات الأسعار
وكانت أسعار الاسمنت شهدت تقلبات عديدة خلال السنوات الثلاث الأخيرة وطبقا لإحدى شركات المقاولات المحلية فإن سعر كيس الاسمنت في عام 2003 كان مستقرا عند 6 دراهم ليقفز إلى 30 درهما في عام 2004 ثم يعاود الانخفاض عند حدود مرتفعة في عام 2005 ليصل إلى 16 أو 17 درهما بينما وصل سعر طن الاسمنت في الأسواق المحلية عام 2003 إلى 140 درهما ليقفز بشكل صاروخي إلى مابين 500 و600 درهم عام 2004 ثم هبط واستقر عند حدود مرتفعة قياسا بالأسعار السابقة إلى 340 درهماً للطن.
ويأتي ارتفاع الأسعار مدفوعا بالطلب من قطاع الإنشاءات الذي شهد زيادة نسبته من الناتج المحلي الإجمالي إلى 2,7 بالمئة في عام 2005 من 5 ,6 بالمئة في عام 2000. وأدى ازدهار قطاع الإنشاءات إلى زيادة استهلاك الاسمنت بمعدل سنوي 7 ,24 بالمئة في الفترة من 2003 إلى 2006 بالمقارنة مع 8,4 بالمئة سنويا في السنوات العشر السابقة ومعروف بأن الاسمنت يدخل بنسبة 5% في عمليات بناء أي مشروع.
غياب الدعم
وتعاني مصانع الاسمنت مما تصفه ب«غياب الدعم الحكومي» على صعيد أسعار المحروقات التي قفزت إلى نحو 42% في اقل من عام ما يشكل عبئا على مصانع الاسمنت التي يعتمد 30% من إنتاجها على الوقود بالإضافة إلى غلاء أسعار الكهرباء ليصبحا عاملين مهمين في دفع أسعار الاسمنت لتتضاعف بنسب خيالية وصلت إلى 200% في العام الماضي.وترى «هيئة مصانع وشركات الأسمنت» صعوبة في الإبقاء على الأسعار الحالية للأسمنت في ظل زيادة كلفة التشغيل والإنتاج وأجور الأيدي العاملة.
إيضاحات
وأوضح أحمد الاعماش ممثل هيئة شركات ومصانع الاسمنت في تصريحات سابقة ل«البيان الاقتصادي» ان تلك الزيادات لم تكن تلبية لرغبات شخصية أو لتحقيق مصالح ضيقة أو أرباح على حساب الغير، بل تأتي في سياق التعويض الجزئي لخسائر كبيرة تعرضت وتتعرض لها مصانع الاسمنت.
وردا على اتهامات بعض المقاولين بأن شركات ومصانع الاسمنت حققت أرباحاً مهولة خلال الأعوام أجاب الاعماش بثقة «الناس تتناقل كلام مقاه ومن يريد ان يعرف الحقيقة ليأت ويطلع على ميزانيات المصانع وبعدها يمكنه ان يقول ما يشاء».
وشدد الاعماش بالقول «الدولة لا ترضى ان تتعرض المصانع الوطنية إلى خسائر فادحة وقد أفرحنا تدخل الوزارة لثنينا عن المضي بالأسعار الجديدة، لكننا نتمنى ان تتدخل الوزارة أيضاً كي تحمينا من الخسائر. وقد وعدتنا الوزارة بأن نناقش كل المشاكل ونتشاور في اقرب فرصة للخروج بحلول ترضي جميع الأطراف».
تدخل
وزارة الاقتصاد سارعت لثني شركات ومصانع الاسمنت في الدولة وتطلب منها التراجع عن قرارها بزيادة أسعار جميع أنواع الاسمنت بنحو عشرة دراهم للطن الواحد اعتبارا من مطلع الشهر المقبل. وأكد عبدالله بن أحمد آل صالح وكيل وزارة الاقتصاد أن وزارة الاقتصاد تحركت سريعا عقب إعلان شركات الاسمنت عن قرارها وقامت بالاتصال مع ممثلي الشركات والجهات المعنية لوقف أي زيادة سعرية جديدة في الأسواق انطلاقا من قرار مجلس الوزراء منع قيام أي تكتلات تجارية لتوحيد الأسعار وزيادتها ومن أجل الحفاظ على استقرار السوق المحلي وتوازنه وحماية المستهلك.
وأوضح ان الظروف غير مناسبة من أجل لجوء شركات الاسمنت المحلية إلى الاتفاق على زيادة الأسعار في هذه الفترة واستغلال الطلب الكبير على الاسمنت الناتج عن الطفرة العقارية الضخمة التي تشهدها الدولة.
وأكد أن أي زيادة للأسعار يجب ان تتم وفق آليات السوق الحر وحسب ما تقتضيه السياسة التجارية والتسويقية لكل شركة واستنادا على أسس منطقية وواقعية وليس بالاتفاق والتنسيق بين هذه الشركات والمصانع إضرارا بالمستهلك مشيرا إلى أن قرار أي شركة لرفع الأسعار أو خفضها يعود إلى الشركة ذاتها وضمن سياستها التنافسية والتسويقية مع الشركات الأخرى من دون اللجوء إلى التكتلات والتحالفات لرفع الأسعار.
وشدد على أن الوزارة ستلجأ إلى اتخاذ إجراءات في حق الجهات التي يتضح أنها قامت برفع الأسعار عن طريق الاتفاقات الجماعية وقال «لا يحق لأي جهة أن تقوم بتحقيق مصلحتها على حساب المجتمع».وأشاد آل صالح بتعاون ممثلي هيئة شركات الاسمنت مع توجهات الحكومة الذين أبدوا تفهما واضحا لقرار مجلس الوزراء وبالتالي إعلانهم التراجع عن قرار رفع الأسعار حفاظا على مصالح المستهلكين واستقرار الأسعار بعد أن أكدوا عدم اللجوء إلى سياسة الرفع الجماعي للأسعار.
اليوم وغداً
والآن وبعد ان هدأت الأزمة أو «وأد فتنة الاسمنت »على حد وصف البعض يرى الكثيرون ان الوقت حان لقيام شركات الاسمنت بمراجعة لما سيحدث في ظل التطورات السريعة على ارض الطفرة العمرانية، فمصانع الاسمنت تتسابق اليوم في أقوى صور غياب التنسيق لإجراء توسعات كبيرة في خطوطها الإنتاجية إلى جانب افتتاح مصانع جديدة بينما أظهرت دراسة جديدة ل«البيان» ان إنتاج الاسمنت في الدولة سيصل في عام 2010 إلى أكثر من 40 مليون طن في حين ستصل حاجة السوق إلى نحو 28 مليون طن ما يعني أن الفائض يصل إلى نحو 12 مليون طن وهو ما يعادل 90% من حاجة السوق في العام الماضي!!
لماذا لا تفهم مصانع الاسمنت انها متفقة الآن ولكنها ستلجأ إلى «حرب أسعار عندما يتفوق العرض على الطلب؟ ولكن المشكلة تكمن في قناعة مصانع الاسمنت على استيعاب السوق للإنتاج الكامل مع انه من الصعب إدراك كيف سيتضاعف الاستهلاك على الفور لاستيعاب الطاقة الجديدة اغلب الظن كما قال احد المقاولين «نحن أمام إثارة حرب أسعار بين الشركات القائمة والشركات الجديدة وربما يدفع شركات أجنبية لدخول السوق وفي مرحلة لاحقة قد يؤدي إلى اندماجات للحد من الفوائض».
ضمانات لم تتحقق
قال علي خماس مدير عام مصنع الفجيرة للأسمنت، بأن «أزمة الأسمنت» التي اجتاحت سوق مواد البناء المحلي، وعرقلت سير الأعمال في قطاع البناء والتشييد، وتسببت في تكبيد شركات المقاولات خسائر مالية فادحة في 2004، لن تتكرر مستقبلا، عقب إجراءات فنية تتعلق بالإنتاج اتبعتها مصانع الاسمنت مؤخرا تضمن عدم حصول شح في الأسواق أو صعود صاروخي للأسعار.
وأكد خماس في تصريحات سابقة ل«البيان الاقتصادي» بأن دخول مشاريع البناء التي تم الإعلان عنها مؤخرا، مرحلة التنفيذ سترفع الطلب على مادة الاسمنت إلى نحو 14 مليون طن، ما يحمل أنباءً سارة لشركات ومصانع الاسمنت والمساهمين فيها لحصد أرباح جديدة لكن خماس كشف لـ «البيان» مخاوف منتجي الاسمنت من ان تلك الفرحة لن تدوم بحلول عام 2007 الذي سيشهد زيادة في نسبة المعروض من مادة الأسمنت، مقابل انخفاض الطلب عليه، لاسيما في ظل استمرار استيراد كميات غير قليلة من الاسمنت وضخه إلى السوق المحلية، إلى جانب شروع بعض الشركات والمصانع برفع طاقتها الإنتاجية وافتتاح خطوط إنتاج جديدة.
ب الإضافة إلى ان مشاريع بناء عديدة ستكون قاربت على الانجاز، ما قد يعيد إلى الأذهان ما وصفها خماس بـ «مأساة» الثمانينات عندما تكبدت شركات الاسمنت ومصانعها خسائر فادحة جراء تدني الطلب على الاسمنت بسبب الركود الذي خيم على قطاع البناء والتشييد في تلك الفترة، وأفقد سوق مواد البناء شهيته، حتى عام 2002 الذي شهد بدء العد العكسي لانطلاقة الطفرة العمرانية الجديدة، لتعاود شركات الاسمنت لعب دور حيوي مهم في المساهمة في المسيرة العمرانية، محققة زيادة غير مسبوقة في الأرباح.
ونفى خماس أن تكون شركات ومصانع الاسمنت المحلية قد استغلت «أزمة» العام الماضي لتحقيق أرباح كبيرة على حساب شركات المقاولات، ووصف حصاد المساهمين لتلك الأرباح بأنها نتيجة طبيعية لزيادة الطلب على الاسمنت في السوق المحلية.
وكانت مصادر موثوقة كشفت ل«البيان» في وقت سابق عن «السيناريو » المحتمل الذي طبقته مصانع وشركات الاسمنت المحلية عندما رفعت في أسعار الاسمنت بنسبة 8% للطن السائب و10% للكيس أواخر العام الماضي.
ولكن المصادر لفتت إلى ان مصانع الاسمنت المحلية لا تتمتع بأي دعم حكومي على صعيد أسعار المحروقات والكهرباء اللذين كانا من الأسباب التي أدت إلى ارتفاع أسعار الاسمنت بنسبة وصلت إلى 200% في عام 2004.
وطبقا للمصادر فإن شركات ومصانع الاسمنت تجتمع بشكل مستمر لبحث أوضاع السوق وحاجته من الاسمنت ولكنها تواجه مشكلة عدم الوقوف على الحاجة الحقيقية للمشاريع لتتمكن من تدارك أي نقص في الإنتاج من جهة أو التحكم به لعدم ضخه بكميات تجعله في مرمى «نيران» التراجع السعري.
نقص وليس جشعاً
إبراهيم يوسف الرحماني مدير واحدة من أكبر شركات تجارة مواد البناء في الدولة يرى بأن الأسعار الجديدة تعكس حجم النقص الحاصل في السوق والكل يعرف ان العرض والطلب يتحكمان بالسوق.
واستبعد الرحماني ان يكون بعض التجار قد بيتوا النية لاستغلال ملامح الأزمة الجديدة ليوسعوا من نطاقها ويكررون مأساتها على غرار مأساة عام 2004 ولفت إلى النقص الحالي حاصل في الحديد والخشب وهو نقص من الصعب ان يتحول بين ليلة وضحاها إلى أزمة.
ولكنه المح إلى احتمال ان ترتفع أسعار الاسمنت إلى 5% عن أسعارها التي استقرت عندها بعد قرار إلغاء الرسوم الجمركية على واردات الأسمنت. وذكر ان سعر كيس الاسمنت قد يتجاوز 15 درهما في غضون الأيام القليلة المقبلة.
العرض والطلب والجشع
عبدالله راشد مدير عام شركة «البادية للمقاولات» لا يخالف القائلين بأن العرض والطلب يتحكمان بأسعار مواد البناء في السوق المحلية لكنه يضيف إلى تلك الآليات آلية أخرى يحلو له تسميتها ب«آلية جشع بعض التجار» وهي الأخرى تلعب دورا مهما ومؤثرا وحساسا إلى جانب العرض والطلب في تحديد أسعار السوق والتي أجبرت المقاول على تعديل تسعير تنفيذ المشاريع في العام الجاري بنسبة 23% عن العام السابق.
وأضاف راشد ان الحال قد ينقلب على المقاولين إذا استمرت الزيادة في مؤشرها التصاعدي لان المقاولين تعلموا من دروس الماضي وقاموا بتسعير مشاريعهم الجديدة مع الأخذ بنظر الاعتبار الزيادات المتوقعة ولكن سيبقى الحال مطمئنا إذا كانت الزيادات في اطار ما يفرضه نقص المادة من السوق وفي حدود توقعات المقاولين التي على أساسها وضعوا تصوراتهم السعرية لتنفيذ المشاريع في الفترة الحالية.
وأكد ان المقاولين عموما ليسوا على استعداد للتعامل مع أي أزمة جديدة عقب الأزمة التي أطاحت بالعديد منهم ودفعت بالعديد من الشركات إلى تسريح موظفيها وإغلاق أبوابها والإقلاع عن تنفيذ المشاريع العمرانية لعدم مقدرتهم على تحمل الخسائر أو المضي تحت أثقال الديون المترتبة بذمتهم لموظفيهم أو البنوك.
التدخل المطلوب
رجل الأعمال علي موسى رئيس مجموعة شركات علي موسى وأولاده يطرح رأيه بعيدا عن التعبير عن المخاوف ويتعداه إلى دعوة الجهات المعنية إلى ضرورة الحزم في حال تجاوز الأسعار ما وصفه بالخط الأحمر الذي قد يحقق للتجار والمضاربين في سوق مواد البناء أرباحاً على حساب المقاولين.
ولفت موسى إلى ما حدث في عام 2004 فعندما تدخلت حكومة دبي لتفتح الباب أمام استيراد الاسمنت توقفت نيران الأسعار عن ابتلاع المزيد من شركات المقاولات وهدأت الأمور.
ويختلف موسى مع الرافضين للتدخل الحكومي على أساس تقاطع هذا النوع من التدخل مع سياسة السوق المفتوحة التي تطبق في السوق المحلية، وقال عندما تصل الأمور إلى درجة استغلال مفاهيم واليات السوق المفتوحة لتحقيق أرباح شخصية على حساب الآخرين فان التدخل الحكومي مطلبو لحماية الضحايا من استغلال البعض. وأضاف العديد من الدول التي تمتلك أسواقا مفتوحة ومن بينها أميركا على سبيل المثال تدخلت عندما وجدت ان بعض الواردات إلى أسواقها تهدد مصلحة صناعتها المحلية4. مليارات درهم أرباح شركات الاسمنت
بلغت أرباح شركات الاسمنت المدرجة في أسواق المال 208,4 مليارات درهم منذ عام 2004 وحتى نهاية الربع الأول من العام الجاري ما يرسم علامات استفهام كبرى أمام مصداقية بعض الشركات التي تتحدث عن تكبدها خسائر كبيرة وهو السبب الذي تعول عليه في تمرير أسعارها الجديدة والتي لم تجد آذانا صاغية من الاقتصاد لعدم قوة حجتها.
وبالطبع فان شركات الاسمنت دائما ما يحتمون بجملة حجج يطرحونها على الطاولة ما ان يبادرهم احد إلى السؤال «لماذا رفعتم الأسعار»؟
ومن تلك الحجج التي لا يمكن إغفالها:
ـ ارتفاع أسعار المحروقات، التي رفعت كلفة إنتاج الأسمنت، ويضرب (الاسمنتيون) مثلا بالدعم الذي تلقاه صناعة الاسمنت في بعض دول الخليج التي تحصل مصانعها على المحروقات والطاقة الكهربائية بأسعار شبه مجانية!! ولهم في ذلك حق حيث يباع الغاز الطبيعي في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال للشركات بـ 70 سنتاً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية بينما يصل سعر الكمية نفسها من الغاز في الدولة إلى 30 ,3 دولارات.
وقد تحولت شركات اسمنت في الدولة إلى استيراد الفحم لتشغيل أفرانها بسبب ندرة الغاز وعدم ظهور دلائل على انحسار طفرة الإنشاءات التي أثارها ارتفاع إيرادات النفط. ويقول منتجون وتجار ان من شأن ذلك أن يدفع أسعار الفحم العالمية للارتفاع. ولم تتمكن الإمارات التي تضم أراضيها خامس أكبر احتياطيات غاز في العالم من استغلال حقولها بسرعة كافية لمواكبة ارتفاع الطلب. وفي إمارة رأس الخيمة الشمالية استوردت بعض الشركات الفحم بالفعل من جنوب إفريقيا في حين تفكر شركات أخرى في التحول إلى الفحم.
ـ زيادة الطلب على الاسمنت وشح المعروض منه، محليا وإقليمياً وعالميا.
ـ عدم كفاية الإنتاج المحلي الذي يتراوح ما بين 10 إلى 11 مليون طن سنويا ينتجها 17 مصنعا وطنيا مقابل طلب متزايد يزيد على 13 مليون طن سنويا(ما يعني نقص قوامه مليوني طن أو أكثر بكثير).
ـ إطلاق مشاريع بناء كبيرة قبل التنسيق مع الجهات ذات العلاقة للوقوف على مدى كفاية مواد البناء لتنفيذ تلك المشاريع.
ـ قيام شركات الكونكريت بطلب كميات كبيرة واستعدادها لدفع الأثمان مهما بلغت مما ساهم في رفع الأسعار بشكل كبير.
ـ ارتفاع سعر اليورو مقابل الدولار، وارتباط ذلك باستيراد مادة الكلينكر من الخارج حيث قفز سعر الكلينكر من 22 دولاراً إلى 54 دولاراً في عام 2004 و 2005، حيث يتم استيراد 3 ملايين طن سنويا للدولة.
الكل بريء من« دم يوسف» !
وبينما يتفق الجميع على فداحة الآثار الجانبية التي تسببت فيها الارتفاعات المهولة في أسعار مواد البناء وانعكاساتها السلبية على الاقتصاد، فان الجميع حرصوا على إعلان البراءة من (دم يوسف) وكأن الأخبار التي تنشرها الصحف عن تحقيق مصانع الاسمنت أرباحاً خيالية في غضون أشهر قلائل المقصود منها مصانع الاسمنت في كوكب المريخ وليس بالدولة، ولا ندري كيف حققت المصانع وشركات مواد البناء وديناصورات السوق السوداء كل تلك الأرباح بدون أن تكون السبب في كل تلك الخسائر بالميزانية الحكومية وبشركات المقاولات وبقطاعي المقاولات والعقارات؟
ونعود إلى النتائج غير السعيدة، نذكرها على أمل ألا نعيشها مجددا وهي:
ـ اضطرت الحكومة خلال الأعوام السابقة إلى إعادة تسعير 259 مشروعا بسبب ارتفاع الأسعار مما سيضاعف الأعباء المالية على كاهل الميزانية، إلى جانب ضبابية مستقبل مشاريع بناء جديدة بقيمة 1,1 تريليون درهم تم تسعيرها قبل ارتفاع الأسعار.
ـ عرقلة مسيرة البناء والتشييد وعزوف شركات مقاولات عن تنفيذ العديد من المشاريع.
ـ زيادة كلف البناء بنسبة 60%، (لأن تكلفة الصلب تدخل فيما بين 25 إلى 30% من إجمالي تكلفة البناء، ما يعني عندما ازداد سعر الصلب بنسبة 100% فان تكلفة البناء ازدادت ما بين 24 إلى 30%، وبما أن الاسمنت يدخل في 12% من تكلفة البناء فإن زيادة سعر الاسمنت بنسبة 200% يعني زيادة تكلفة البناء إلى ما بين 25 و30% أيضاً لتزداد تكلفة البناء بالدولة بنسبة 60% تقريبا).
ـ خسائر مالية فادحة تكبدتها شركات المقاولات ومازالت تتكبدها خصوصا الشركات التي تنفذ مشاريع تم الاتفاق على تنفيذها قبل الارتفاع المجنون في الأسعار ومازالت قيد الانجاز، حيث وصلت الخسائر بحسب دراسة أجرتها إحدى الشركات بـ 4 مليارات ونصف المليار في أبوظبي وحدها، فيما تقوم الجمعية الآن بعمل تقرير موحد من شركات المقاولات التي بدأت بإرسال تقارير بخسائرهما منذ يناير 2002 ولغاية ابريل 2004.
ـ زيادة أسعار الأيدي العاملة، وتعطيل الخطط الرامية لاستخدام الميكنة في تنفيذ المشاريع حيث تكون الاستعانة بالأساليب التقليدية اقل كلفة.
ـ زيادة الإيجارات بنسبة 100%، وزيادة أسعار العقارات قديمها وجديدها، وزيادة أسعار الأراضي. وزيادة كلف الشحن، وتكلفة التأمين.
ـ تأثيرات سلبية على جودة البناء، حيث تجبر الأسعار بعض المقاولين على تنفيذ المشروع بمواد بناء لا تتمتع بمواصفات عالية لتلافي أكبر قدر ممكن من الخسائر المالية.
ـ بعض شركات المقاولات أصبحت غير قادرة على سداد القروض المصرفية التي تعتمد عليها في تمويل نشاطها، وهذا الوضع سينعكس سلباً على القطاع المصرفي في الدولة الذي قد يواجه أزمة ديون متعثرة. وتعثر بعض شركات المقاولات في تسديد التزاماتها المالية وحقوق العمال مما يرفع عدد الشكاوى العمالية جراء تأخر صرف الأجور، وهروب العمال لتتفاقم مشكلة الخلل في التركيب السكاني.
ـ زيادة التكلفة بالنسبة للمستثمرين وسينجم عنه بالتالي خروج بعض الاستثمارات من الدولة، مع أن ذلك قد يكون في مصلحة الاقتصاد الوطني لأن الاستثمارات التي يمكن ان تخرج نتيجة ارتفاع الكلفة هي الاستثمارات ذات القيمة المضافة المحدودة التي تعتمد على أعداد كبيرة من العمالة غير الماهرة وهذه لا تضيف كثيراً للاقتصاد الوطني، بل قد تشكل عبئاً عليه.
التصدي يرقى إلى مستوى التحدي
لم تكن آثار أزمة الاسمنت بادية للعيان وواضحة في عام 2004 و2005 إلا بعد ما تدخلت الاقتصاد وبعد تكرار نداءات التحذير التي أخذت جمعية المقاولين تعقد اجتماعاتها على خلفيتها مع (المقاولين المنكوبين) وتجري اتصالاتها مع الجهات ذات العلاقة، وتجري بحوثا ودراسات للأزمة كان أهمها دراسة أعدتها مؤسسة طلال أبوغزالة كشفت أن أسعار الاسمنت قفزت بنسب لم تشهدها أي دولة في العالم!!
وبدأت شركات المقاولات تلبي دعوة الجمعية بإرسال تقارير تكشف حجم الخسائر التي تكبدتها بسبب الارتفاع ووصلت إلى عشرات الملايين من الدراهم إن لم تكن وصلت مجتمعة إلى المئات من الملايين!! وكان ذلك كافيا لعقد اجتماع مع مصانع الاسمنت بالدولة، عقب أربعة اجتماعات عقدتها الجمعية مع شركات المقاولات للوقوف على أسباب الأزمة...
ولكن وبعد مضي أعوام على تصاعد الأزمة يرى الكثيرون ان تدخل الاقتصاد مطلوب على الدوام لدرء شبح التكتلات والاحتكار ويرى آخرون ان ذلك ضد مفاهيم السوق الحرة ولا يعكس تقديرا حقيقيا لمشاكل هذه الصناعة التي ربما ستصبح مشاكلها كبيرة جدا عندما يصل الإنتاج من الاسمنت ما يفوق ضعف حاجة الدولة وحينها لن يكون الحل غير غلق الخطوط الإنتاجية التي تتسابق الشركات الآن لإدخالها إلى الخدمة.!!
مصانع الاسمنت تقول ما لا تفعل...!
عندما تجاذبت جمعية المقاولين ومصانع الاسمنت أطراف النقاش للوقوف على نوع الحلول الممكنة لمعالجة مشكلة ارتفاع أسعار الاسمنت في بداية الاسمنت عام 2004 كان لكل طرف حلوله المقترحة، ف(الأسمنتيون) اقترحوا ما يلي:
ـ الانتظار ريثما تبدأ مصانع الاسمنت خطواتها العملية في زيادة الإنتاج.
ـ ضرورة الاجتماع مع أصحاب شركات الكونكريت ومحاولة إقناعها بالعدول عن طلب الاسمنت بأي سعر كان لضمان عدم استغلال البعض لحاجة تلك الشركات (رفضت مصانع الاسمنت وجود ممثلين عن شركات الخرسانة في اللجنة المشتركة التي تشكلت بوزارة الاقتصاد لكنها اقتنعت لاحقا بأهمية وجودهم)!!
ـ قيام جمعية المقاولين بإيجاد اطار عمل مهني يحمي صناعة الاسمنت من التعرض إلى هزات مماثلة لتلك التي تعرضت لها في منذ ثمانينيات القرن الماضي واستمرت حتى سنة 2001 عندما تعرضت لخسائر بمليارات الدراهم جراء الركود الذي خيم على سوق مواد البناء حين ذاك (وعندما اقترحت الجمعية اطار عمل امتنعت مصانع الاسمنت عن تسجيل عضويتها بالجمعية وفضلت أن تتقدم بطلب إشهار من وزارة الاقتصاد)!!
ـ عدم تشجيع شركات المقاولات على عقد تحالفات لاستيراد الاسمنت من الخارج كونه ليس بالمواصفات العالية التي يتمتع بها الاسمنت المصنع داخل الدولة إلى جانب عدم توفر محطات تفريغ في الموانئ لاستقبال الكميات الكبيرة من الأسمنت، والتأثيرات البيئية السلبية المتوقعة عند التفريغ في تلك الموانئ هذا غير الضياع الذي يحصل جراء تطاير كميات كبيرة عند تفريغه.
وبالرغم من مهنية مقترح مصانع الاسمنت والذي يعكس في الوقت ذاته قلقهم من مواجهة الإغراق مستقبلا، إلا أنهم لم يقدموا أجوبة على سؤال مفاده: إذا لم يستورد المقاول من الخارج، فمن سيزوده بالأسمنت بالكمية المطلوبة وبسعر مناسب ومعقول؟
فيما اقترحت جمعية المقاولين ما يلي:
ـ خفض الأسعار إلى أكبر قدر ممكن كي تتمكن شركات المقاولات من إكمال تنفيذ المشاريع غير المنجزة.
ـ تثبيت الأسعار عند حدود معينة (في اجتماع اللجنة المشتركة تم الاتفاق على سعر 15 درهما للكيس و280 درهما للطن لكن الاتفاق حينها لم يكن حبرا على ورق لأنه لم يكتب أصلا، فشهد اليوم التالي عدم التزام اغلب المصانع بالأسعار وبضمنها مصنع كان من المتحمسين للسعر المتفق عليه، وعندما هددت مجلة أخبار المقاولين بنشر أسماء المصانع غير الملتزمة تراجعت الأخيرة والتزمت)!!
وبالرغم من عدم قناعة «أخبار المقاولين» بعدالة السعر إلا أن السعر الجديد تراجع بنسبة 50% عن سعره السابق الذي وصل إلى 30 درهما لكيس الأسمنت، وتبقى الإشارة إلى أن السعر العادل لجميع الأطراف يجب الا يتجاوز ال 12 أو 13 درهما وفيه ما يكفي لكي يربح المصنع والتاجر والمقاول والمستهلك.
ـ إيجاد آلية لخفض الأسعار على المدى المنظور، (وهو ما لم يتحقق لاعتبارات تتعلق بمصالح مصانع الاسمنت من جهة و(ضغوطات) ديناصورات الاسمنت في السوق السوداء من جهة أخرى).
ـ إلغاء دور الوسطاء لمنع المضاربة في الأسعار (وهو مقترح كان من السهل طرحه ومن المستحيل تطبيقه)!!
ـ انضمام مصنعي الاسمنت إلى عضوية جمعية المقاولين، وتشكيل لجنة على غرار اللجنة الفنية الاستشارية العليا تحت مسمى (لجنة مصنعي الأسمنت) برئاسة من يختاره أعضاء اللجنة، بدلا من بقاء مصنعي الاسمنت بدون اطار عمل مهني يوحد جهودهم .
حيث تعتبر الهيئة التي تحمل اسم (هيئة مصنعي الأسمنت) غير مصرح لها بالعمل لخدمة صناعة الاسمنت لعدم شموليتها على الأسباب القانونية التي تجيز لها ممارسة نشاطاتها المهنية، ومن شأن لجنة مصنعي الاسمنت المقترحة ان تمنح جمعية المقاولين المقدرة على حماية صناعة الاسمنت من تقلبات السوق المحتملة من خلال التدخل لدى الجهات المعنية من جهة وعبر دعم الشركات الأعضاء من جهة أخرى.
وقد تقرر يومها خفض الأسعار إلى مابين 5,11 و17 درهما للمستخدم مباشرة، وسرعان ما تمكن التجار والوسطاء والديناصورات من التغلغل ثانية ليدفعوا الأسعار وأرصدتهم إلى أعلى لكن مع ذلك لا يمكن التقليل من الانجاز الذي حققته الجمعية بمعاونة مصانع الاسمنت حيث انخفضت الأسعار إلى ما بين 40 و50% وكانت هذه بادرة أمل دفعت بالجمعية إلى بذل تعاون أكبر مع المصانع ولقائها ثانية لكن ضمن لجنة مشتركة اقترح تشكيلها فاهم القاسمي وزير الاقتصاد والتجارة وتضم ممثلين عن الوزارة وجمعية المقاولين وشركات الخرسانة ومصانع الأسمنت.
المطالبة بإغلاق مصانع الأسمنت!!
في لقاء نظمته غرفة تجارة وصناعة الشارقة عام 2004 بين ممثلي مصانع مواد البناء وشركات البناء والتشييد والمقاولات وممثلين عن جهات رسمية بينها البلدية ووزارة الأشغال، كان الجميع منهمكاً بين مهاجم ومدافع، باستثناء رأي طرحته حينها عائشة النومان رئيسة مجلس إدارة سيدات الأعمال، وطالبت فيه بإصدار قرارات حازمة لضبط الأسعار أو غلق مصانع الاسمنت الوطنية وتولي الحكومة عملية الاستيراد من الخارج!! عائشة النومان قالت رأيها وغادرت القاعة بينما انفض الاجتماع كأي اجتماع آخر بصدور توصيات تثلج الصدور لكنها لم تر النور!!
السوق الحرة مكسب وذريعة!!
أصبحت السوق الحرة والاقتصاد الحر كسياسة تنتهجها الدولة، ذريعة لكل من يريد رفع الأسعار، وعلى ما يبدو فان (ديناصورات) السوق السوداء يحسنون (استغلال) كل شيء لزيادة حجم (كروشهم)، وكثيرا ما تذرعت تلك الديناصورات بالسوق الحرة، وكثيرا ما رددت عبارة (قوانين السوق والعرض والطلب).... لكن السؤال هنا، هل تتحكم بالسوق المحلي قوى العرض والطلب فعلا؟؟
يقول احد المقاولين «دعونا نقر أولا بأن سوق الإمارات ليست بدرجة الكفاءة الاقتصادية التي تجعل الأسعار تتحدد بالكامل بواسطة قوى العرض والطلب، فلو نظرنا إلى سلة السلع والخدمات التي تتحدد على أساسها معدلات التضخم في الاقتصاد بحسب أهمية كل واحدة منها بالنسبة للمستهلكين، كالإيجارات مثلاً فهي خاضعة لنظام السوق لأنه لا يوجد تنظيم للملاك يحددون من خلاله الأسعار.
بينما الزيادة في الإيجارات تعكس عادة الارتفاع في الطلب، أما أسعار الطاقة فتحددها عملياً الحكومة ولها انعكاس كبير على الأسعار إذ تسهم بنحو 15% من الارتفاع في الأسعار للمستهلك النهائي لأنها من عناصر الكلفة الأساسية سواء بالنسبة لكلفة النقل أو كإنفاق مباشر على الطاقة، أما في الخدمات الطبية فقد تدخلت الحكومة لتنظيمها، أما بالنسبة للمواد الغذائية فمجالات رفع الأسعار كبيرة جداً لأنه لا توجد لها علامة تجارية وفيها نوع من الاحتكار، وعلى صعيد مواد البناء فهي عملياً تخضع للاحتكار، عندما نعلم على سبيل المثال بأن هناك تاجرا متعاقدا مع أحد مصانع الاسمنت لشراء كميات من الاسمنت بـ 18 مليار درهم!!
وبذلك يتضح لنا في ضوء هذا الوضع بأن أجزاء من السوق تنافسية وأجزاء أخرى تميل إلى الاحتكار، لكن الأهم من ذلك انه ليس هناك قانون يمنع التاجر من الاحتكار كما ان القوانين لا تمنع الاتفاق بين التجار على تحديد مستويات الأسعار برغم ان ذلك يتعارض مع نظام السوق، والنموذج الواضح لدينا لهذا النوع من الاتفاقات هو النظام المطبق في قطاع منتجات الألبان، ولذلك فإن فكرة ترك الأسعار لتتحدد بواسطة نظام السوق لا تتوافق عملياً مع وضع السوق في الدولة، وعليه فإن من الأفضل ان تعمل الحكومة على منع الاحتكار ووقف الاتفاقات بين التجار على تحديد الأسعار.
لان فكرة ترك الأسعار لقوى السوق المتمثلة بالعرض والطلب تشترط ان تتمتع السوق بالكفاءة الاقتصادية التي تجعل آليات العرض والطلب تعمل بصورة صحيحة بعيداً عن التشوهات الناجمة عن وجود احتكارات قد تتحكم بالأسعار في بعض المجالات ومنها مواد البناء.
تدخل الحكومة.. بين مؤيد ومعارض
أسفرت الأزمة منذ اندلاعها عام 2004 عن ظهور فريقين أحدهما يطالب بتدخل حكومي والآخر رافض له، المؤيدون يعتقدون بجدوى التدخل الحكومي لإنقاذ المتضررين ابتداء من الحكومة نفسها مرورا بصناعاتي المقاولات والعقارات والإيجارات وانتهاء بأكثر المتضررين على الإطلاق وهو المواطن ـ المستهلك ـ فيما يرى (المعارضون) لهذه الفكرة، أن تدخل الحكومة في السوق للتحكم في الأسعار فكرة خاطئة لأنها لا تملك الأجهزة الفنية التي تجعل تدخلها يتم بطريقة صحيحة.
كذبة العرض والطلب وزيف أسباب ارتفاع الأسعار
إذا جاز لنا ووضعنا العقل ومنطق السوق جانبا، وصدقنا بكل الأسباب الموضوعية وغير الموضوعية لرفع الأسعار يبقى لنا أن نسأل «لماذا لم يرفع مصنع الإمارات للاسمنت أسعاره وبقي يبيع الكيس بنحو 11 درهماً و210 دراهم للطن بينما وصل سعر الكيس 30 درهما والطن 300 في السوق 2004/2005؟».
هذا المصنع وإدارته تستحق منا كل تقدير واحترام، لأنه لم يرضخ للضغوطات ولم يلهث خلف الربح على حساب المصلحة العليا ولم يسيل لعابه أمام الأرباح الخيالية التي تحققها باقي المصانع...هذا المصنع ربح موقفا وطنيا يسجل له بعد أن أثبت للجميع بأن كل الأسباب المطروحة لتبرير الأزمة مزيفة ومفتعلة، والأمر لا علاقة له بالعرض والطلب قدر تعلقه برغبة الديناصورات في السوق السوداء بابتلاع المزيد من مليارات الدراهم.
الأسعار وقوى العرض والطلب
ولكي تترك الأسعار لتحدد وفقاً لقوى السوق المتمثلة بالعرض والطلب، يجب تحسين كفاءة قوى السوق من خلال مكافحة كل أشكال الممارسات الاحتكارية بحيث تعمل آليات العرض والطلب بطريقة صحيحة لتحديد الكميات والأسعار لمختلف السلع والمنتجات، علما بأن استمرار الارتفاع في الأسعار مع ثبات الأجور سيؤدي إلى انخفاض مستوى المعيشة بكل ما لذلك من انعكاسات سلبية على الاقتصاد الوطني.
تحليل: مشرق علي حيدر



