ضل التعاون الاقتصادي العربي الطريق الصحيح وسط مشاكل عديدة واجهت الدول العربية في الموضوعات السياسية التي تقوم جامعة الدول العربية بالاهتمام بمعالجتها، وعرضها على مؤتمرات القمة لاتخاذ قرارات سياسية فيها - وقد كانت مشكلة فلسطين من الموضوعات السياسية المهمة التي أخذت الجزء الأكبر من وقت القمة في أغلب المؤتمرات وداخل المنظمات العربية خلال الستين عاماً الماضية، وهي المشكلة المعقدة التي ظهرت على السطح طوال العقود الماضية منذ نشأة إسرائيل والتي لم يتم الوصول إلى علاج لها حتى الآن، وذلك بالإضافة إلى موضوعات سياسية أخرى خطيرة، أما التعاون الاقتصادي العربي فلم يأخذ الوقت المناسب فى المعالجة.
وكانت هذه الحقائق أمام الملوك والرؤساء العرب في قمة الرياض أواخر مارس الماضي، وهم الذين لم يخفوها بل وقد اعترف بعضهم بمسئوليتهم عنها وطالبوا جميعا بضرورة تصحيحها في أقرب وقت ممكن عن طريق مؤتمر قمة اقتصادي يضع خريطة جديدة لطريق سليم وعاجل لتعاون اقتصادي عربي شامل، يصل إلى أبناء الشعب العربي في كل الدول العربية ويوقف الاستنزاف الأجنبي للموارد العربية المالية والطبيعية والبشرية، تعاون يتعين أن يصل إلى كل مواطن عربي مهما كان تعليمه أو مستواه الاقتصادي، وهو ما أدى إلى اهتمام إعلان الرياض الصادر عن القمة العربية في دورتها التاسعة عشرة بالتركيز على نقاط غابت عن مؤتمرات القمة السابقة.
ومن هنا فقد أكد إعلان الرياض على الضرورة الملحة لاستعادة روح التضامن العربي والدفع بالعمل العربي المشترك في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية والالتزام بالجدية والمصداقية والوفاء الأمين في هذا العمل وتحقيق التعاون العربي الحقيقي الذي اختفى طوال الستين عاما الماضية، وفي ضوء ذلك رأت قمة الرياض ضرورة عقد قمة اقتصادية تناقش المسائل الاقتصادية والاجتماعية، والتنموية وأهميتها بالنسبة لمفهوم الأمن العربي الشامل، وقد قررت ما يلي لتحقيق وتفعيل هذا التعاون:
ـ عقد قمة عربية تخصص فقط للشؤون الاقتصادية والتنموية والاجتماعية بهدف بلورة برامج وآليات عملية لتعزيز وتفعيل الاستراتيجيات التنموية الشاملة والمتفق عليها.
ـ تكليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والأمانة العامة للجامعة العربية بالإعداد لهذه القمة بالتنسيق مع المنظمات العربية والمجالس الوزارية المتخصصة واتحاد الغرف التجارية العربية ومؤسسات رجال الأعمال مع الأخذ في الاعتبار العناصر التالية:
أ ـ كيفية تشجيع القطاع الخاص باعتباره أحد الركائز الأساسية للعمل الاقتصادي والتنموي المشترك.
ب ـ مراعاة المدى الزمني الذي تستغرقه البرامج والمشروعات قبل أن تؤتي ثمارها.
ج ـ التدقيق في اختيار المشروعات الاقتصادية والتنموية المطلوبة بحيث يكون لها عوائد ملموسة ومباشرة لدى المواطن العربي وبحيث تكون من المشروعات التي تعزز التكامل والاندماج الاقتصادي في العالم العربي.
د ـ الاهتمام بتفعيل الاتفاقيات الثنائية والإقليمية بما يصب في النهاية في مصلحة العمل العربي المشترك.
هـ ـ إعطاء أولوية لمشروعات البنية التحتية كشبكات الطرق والطيران والربط الكهربائي والاتصالات والموانئ.
و ـ صياغة برامج خاصة لبعض الدول العربية حسب ظروفها الاقتصادية وقدراتها المؤسسية لتحسين مستواها الاقتصادي.
وطالب الدكتور أحمد جويلي منذ أيام وهو الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية، بالإعداد الجيد لهذه القمة الاقتصادية وتحديد الموضوعات الاقتصادية التي ستعرض عليها موضحاً أنه سيعرض عليها المشاكل الاقتصادية العربية التي تعوق التقدم الاقتصادي العربي والوسائل المقترحة لعلاجها بشكل غير تقليدي، خاصة وأنها أول قمة اقتصادية عربية تعقد بين القادة والزعماء العرب الذين سيصدرون قرارات بآليات قابلة للتنفيذ الفوري وليس مجرد توصيات.
وهناك اقتراحات عديدة بالإسراع في انعقاد هذه القمة لأهميتها على أن تتم قبل ديسمبر المقبل، وأن تبحث المشاكل بشفافية على أساس أن الاقتصاد العربي هو الأب الروحي للسياسة وليس العكس، وأن تبني فكرة مشروع التنمية إعمار المنطقة العربية بشكل يؤدي إلى نقلة موضوعية وكبيرة في شكل التعاون الاقتصادي العربي والتفاعل بين الدول العربية التي تعاني من إهمال غير مقصود لقضايا التنمية، بينما حان الوقت لتفعيلها بشكل عاجل حتى يمكن مسايرة التطورات العالمية والعمل على الارتقاء بمستوى الحياة المعيشية للشعوب العربية.
ولا شك أن كافة المواطنين العرب على اختلافهم يهمهم ويسعدهم أن تنعقد هذه القمة الاقتصادية في أسرع وقت ممكن وأن تضم كافة الزعماء العرب مصطحبين معهم أعلى الخبرات الاقتصادية العربية، لكي تخرج ببرنامج عمل لتعاون اقتصادي عربي جديد يوجه مباشرة إلى رفع المستوى الاقتصادي والثقافي والعلمي للمواطنين العرب في كل الدول العربية، بحيث يستطيعون تأدية رسالتهم القومية في الحفاظ على هويتهم العربية والمشاركة الفعالة في إعادة بناء المنطقة العربية حتى تعود إلى ما كانت عليه من تقدم وقوة وازدهار وبالاعتماد على ما وصله العالم من تكنولوجيا وابتكارات حديثة.
وبعد وضع خطة جديدة للتعاون الاقتصادي العربي واعتمادها من مؤتمر القمة الاقتصادي الذي سينعقد قريباً إن شاء الله، فإنه يتعين أن يتم تحديد مراحل تنفيذها الكامل والعاجل ببرنامج زمني عملي فلا تكون كالمشروعات العربية التي أوصت بها المؤتمرات الاقتصادية السابقة والتي مضى عليها سنوات طويلة دون تنفيذ، كمشروع السوق العربية المشتركة الذي تم وضعه في عام 1964 ولم يتم تنفيذه حتى الآن، ومشروع اتخاذ جدول موحد للتعريفة الجمركية الذي تقرر منذ الخمسينات ولم يتم تنفيذه بعد.
ولكي نخطو خطوات جادة وغير تقليدية فإنه من المناسب أن يتم تشكيل مجموعة عمل من خبراء عرب على مستوى عال من الكفاءة والأمانة القومية.. يضعون خطوات التنفيذ في المجالات الاقتصادية المختلفة التي ستبحثها القمة، وكيفية إنجازها، ومن يقوم بتمويلها، وذلك بعيدا عن المؤسسات الحكومية والمنظمات العربية المتخصصة التي مضى على عملها في محيط التعاون الاقتصادي العربي عشرات السنوات بلا إنجاز عملي لصالح هذا التعاون.
إن الإعداد الجيد والعرض السليم والمناقشات الفعالة والأمانة القومية والخطوات التنفيذية والعملية مطلوبة لنجاح القمة الاقتصادية العربية القادمة بعيداً عن البيروقراطية المكتبية التي عاشت فيها الدوائر العربية طوال السنوات الماضية، وعلى أن يتم ذلك تحت إشراف الزعماء العرب المهتمين بالفكرة والذين طالبوا بتنفيذها، وفي مقدمتهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، فسموه هو الذي اقترح عقد قمتين عربيتين سنويا تخصص الأولى منهما لشؤون التنمية الاقتصادية فقط، وكان ذلك اهتماما من سموه بدفع وتفعيل التعاون الاقتصادي العربي في أسرع وقت ممكن.
كاتب ومحلل اقتصادي مصري