هناك عدة تساؤلات مهمة يجب أن نطرحها على أنفسنا فيما إذا كنا نريد التغيير أم لا؟ وهي: هل نحن سعداء؟ هل نحن راضون بما وصلنا إليه في مختلف نواحي حياتنا؟ هل يمكن أن نكون بمستوى أفضل أم ان هذا أعلى ما يمكننا الوصول إليه؟ هل لدينا مشاريع نعيش من أجلها؟ هل هناك هدف من حياتنا؟ لا أعتقد أننا مسلّمون بما وصلنا إليه لأن النفس البشرية تطمح دائما نحو التحليق في الأفق.
ولكن بنسب متفاوتة، فكل انسان أو مؤسسة تطمح للتغيير نحو الأفضل ولكن الشئ الأهم في التغيير ان يكون نابع من داخل الشخص أو المؤسسة وهذا ما أكده النص القرآني «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» وهذا ما أكدته الدراسات العلمية فلا نستطيع أن نغير إنساناً آخر ما لم يغير من نفسه، فنحن نستطيع إيجاد مناخ للتغيير أو حافز أو دافع له. فالتغيير إذن هو الرغبة في الانتقال من واقع غير مرض أو حالة غير صحيحة أو متوازنة، إلى واقع وحالة أخرى، تخالف ما كان قبلها، بنتائج احسن وافضل ومرغوبه، والقصة التالية ستوضح ذاك.
هي قصة حقيقية منسية من تاريخ الدولة الإسلامية الأندلسية في قرطبة أسبانيا اليوم حيث وفي ليلة باردة اجتمع ثلاثة عمال كانوا يشتغلوا «حمّارين»، فقال أحدهم اسمه محمد بن عامر «يا جماعة.. إذا أصبحت خليفة ماذا تريدون؟ ما هي رغباتكم؟ فاندهش صاحباه واعتقدا أن ثالثهم قد أصابه مس من الجنون، وبعد أن أصر على صاحبيه بإعطاء إجابة لسؤاله قال له الأول: إذا أصبحت خليفة، سأطلب قصرا وحديقة غناء وخيولا أصيلة، وجاريات حسان، وألف دينار ذهب... فقال له هل من مزيد؟
قال: لا كفى ذلك. فسأل الثاني: وأنت ماذا تطلب أو تتمنى لو أصبحت خليفة؟، فقال له: اذهب عني، حتى شكلك لا يصلح لتكون خليفة للمسلمين، وبعد إصرار صاحبه قال له: أريد إذا أصبحت خليفة أن تضعني على حمار بالمقلوب، واضعا لافتة تقول هذا دجال محتال يمنع التعامل معه ومن يفعل سيكون مصيره السجن.. هذا كل ما تطلب؟ قال نعم.
بعد ذلك انقطع الخليفة محمد إلى نفسه وفكر مليا أدرك جيدا أن وظيفته الحالية لا تؤدي قطعا إلى ذلك الهدف، فلابد من التغيير.. تغيير المهمة فالتحق بقسم الشرطة.. وما لبث غير بعيد حتى أظهر تفوقا ومهارة وامتيازا ملفتا للنظر، فرقي في منصبه حتى أصبح رئيس شرطة قرطبة كلها، وما لبث غير بعيد حتى توفي الخليفة الأندلسي وخلفه ابنه وهو ابن عشر سنوات، فارتبكت القيادة في مقرها الرئيسي في دمشق، وبعد مداولة قرروا أن تسند تولي شئون الدولة إلي ثلاثة من القيادات البارزة وليسوا من آل الأموي وكان أحدهم «الحاجب المنصور» .
وما لبث غير بعيد كذلك، حتى استطاع بمهارته الفائقة إزاحة الاثنين الآخرين، وأعلن نفسه الخليفة الجديد، ولكن لم يسم نفسه خليفة، بل الحاجب المنصور، وبدأ في تحقيق الانتصارات العظيمة واستحكم الأمن في البلاد ونشر العدل وإتاحة الفرص والنقد للجميع، حتى أحبه الناس. وبعد سنوات طويلة تذكر ماضيه وأحلامه وتطلعاته وأمانيه وتذكر صاحبيه، فأعلن في مجلسه بأن يتحسسوا مكان صاحبيه، وإحضارهما لقصره، وللعجب، لقد وجدهما في نفس المكان، نفس الوظيفة، لم تتغير أمورهما، ولم يعملا على الأخذ بالتغيير.
وفي حضور مجلس الطاقم الوزاري، أعلن قصته حيال صاحبيه، وبعد إحضارهما كرر السؤال للأول وإعطائه كل ما كان يحلم به ردا على سؤاله القديم، ماذا تطلبوا مني إذا أصبحت خليفة؟ أضاف إلى عطيته للأول، بأن يدخل على الخليفة بدون حاجب، وبدون أذن في أي وقت شاء، ثم طلب من الثاني أن يقول أمام المجلس مقاله ردا على سؤاله... وبعد ما سمعوا، قال لهم... ضعوه على الحمار وجوبوا به شوارع قرطبة،،، لماذا؟ ليعلم أن الله على كل شئ قدير. فهل يحتاج ذلك للإيضاح لمن أراد التغيير؟
حتى تستطيع المؤسسات والمنظمات المختلفة احداث التغيير في أنظمتها لتحسين العمل وتجويده فلا يكفي ان يمتلك القادة في تلك المؤسسات الرغبة الأكيدة في التغيير، بل يجب ان يكون لديهم معرفة بطرق ومنهجيات التغيير الفعالة، وكيفية التطبيق الصحيح لتلك الطرق، وتعدد منهجيات التغيير وتنوعها، وقد تختلف كل طريقة عن غيرها في بعض الاجراءات، الا ان منهجية التغيير المطلوبة يجب ان تقوم على مشاركة العاملين في التغيير وذلك من خلال إيجاد شعور جماعي بالرغبة في التغيير بتوفير وتبادل المعلومات اللازمة والدقيقة وتقدير مشاركات الافراد وتحقيق النتائج المرغوبة.
كما يتطلب الأمر استخدام منهج نظامي للتغيير يعتمد على ان يعرف من سيتأثر ومن سيستفيد من التغيير، لأن التغيير لن يحدث من منطقة منعزلة بل يجب ان نسعى ليكون التغيير في صالح الجميع ولن يحدث إلا بتعاون الجميع، كما لابد من المحافظة على النجاحات التي تحققت مع الاستمرار في التحسين المستمر اي التغييز للأفضل باستمرار.
ومن وسائل التغيير مفهوم (كايزن) الذي ظهر إلى الوجود في الستينات وبدأ تطبيقه في عام 1948 في اليابان على يد الخبير الياباني ماساكي اماي. وكايزن كلمة من اصل ياباني تتكون من كلمتين «كاي» وتعني التغيير و«زن» وتعني للأفضل، وتضاف كلمة «جمبا» والتي تعني موقع العمل الفعلي، يصبح المعنى المستخدم «جمبا كايزن» والذي يعني اجمالاً التحسين المستمر في مواقع العمل او العمليات.
ويقوم منهج التغيير باستخدام جمبا كايزن على مبدأ التحسين المستمر والسعي الى التغيير للأفضل وهذا التغيير ينتج ويطبق في الجمبا (موقع العمل) الذي يعمل على رفع القدرات الابداعية للعاملين (رؤساء ومرؤوسين) وتفترض هذه الطريقة ان كل عمل ينفذ يمكن تحسينه وكل عملية تتم حالياً لابد وانها تحتوي هدراً او هالكاً والتخلص من هذا الهدر او تقليله ينتج قيمة مضافة للعملية وللعميل المستفيد من ناتجها، لذا تركز منهجية التغيير باستخدام كايزن على فكرة التخلص من الهدر في العمليات.
إن منهجية التغيير باستخدام كايزن ترى ان اي عمل او نشاط تتضمن عملا مفيداً وعملاً غير مفيد، لذا فان هدف التغيير باستخدام كايزن ليس التغيير لغرض التغيير ولكن هو التخلص من الهدر او الفاقد في العمليات قدر الامكان. وهذا الاجراء يفترض ان يؤدي الى تحسين زمن العملية وتكلفتها وجودتها وهذا هو الجانب التقني في العملية، ولاتغفل منهجية كايزن الجانب الاجتماعي فتؤكد التغيير في ثقافة العاملين و المؤسسة من خلال التعلم واعتبار انشطة التعلم جزءاً اساسياً في فلسفة كايزن حيث يتعلم الفرد العامل كيف يحدد اهدافه في المنظمة (المؤسسة) ويصل اليها بنفسه.
إن المؤسسات المعاصرة عبارة عن نظم اجتماعية يجري عليها ما يجري على الكائنات البشرية فهي تنمو وتتطور وتتقدم وتواجه التحديات، وتصارع وتتكيف، ومن ثم فإن التغيير يصبح ظاهرة طبيعية تعيشها كل مؤسسة. والمؤسسات لا تتغير من أجل التغيير نفسه، بل تتغير لأنها جزء من عملية تطوير واسعة، ولأنها يجب عليها أن تتفاعل مع التغييرات والمتطلبات والضرورات والفرص في البيئة التي تعمل بها
نقطة وأول السطر...
الانضباط الذاتي هو السمة الأولى التي تقوم عليها حياة الانسان العملية،
فبدون هذا الانضباط لا يمكن للمرء ان يحقق أي نجاح يذكر في حياته.
باحث قانوني واكاديمي