قالت دراسة اقتصادية إن دبي وأبوظبي كانتا ولا تزالان رائدتين في السعي لتحقيق التنويع الاقتصادي وتحرير التجارة بينما تعمل معظم الدول الأخرى في المنطقة على اللحاق سريعا بالركب.

وأوردت الدراسة التي أعدتها مؤسسة «أكسفورد بزنس جروب» وردت في العدد الجديد لمجلة «تجاري» التي تصدرها غرفة تجارة وصناعة أبوظبي انه بالنسبة لدبي يتمثل الدافع وراء الحاجة إلى تحويل اقتصادها في حقيقة انخفاض احتياطيات النفط مشيرة في هذا الخصوص إلى ان دبي بذلت جهودا كبيرة وأنفقت مبالغ نقدية ضخمة من اجل تطوير الصناعات وتشجيع استثمارات القطاع الخاص وجذب الشركات الأجنبية إلى المنطقة وخلق بيئة أعمال سليمة.

وتضيف الدراسة، التي وردت تحت عنوان صناعة السياحة، وأعدها جيسون ناشي مدير قسم البحوث في المؤسسة انه لحسن الحظ استطاعت الإمارات أن تتعلم من أخطاء جيرانها، الأمر الذي جعل منها نموذجا يحتذى به في جميع أنحاء المنطقة، وبالطبع، قد تظهر الكثير من الشكاوى بشأن التشابه اللافت لبرامج التنويع بين دول الخليج.

ولكن في حين يكون التقليد هو أفضل أسلوب للإطراء، يتعين إدراك ان هناك نماذج معينة قد تثبت فعاليتها بكل بساطة أحيانا، لبعض الوقت على الأقل، ومن هنا تبرز حاجة الإمارات للاستمرار في تجديد نفسها، مع احتفاظ دبي بصورة خاصة بدورها كواحدة من أكثر المراكز جرأة في الابتكار والاختبار.

ومن ناحية أخرى، لا تعاني أبوظبي من نفس الاعتبارات المالية مثل دبي، بالرغم من إدراكها بحتمية وجود تنوع أكثر لاقتصادها من مجرد النفط، وقد كرست أبوظبي 136 مليار دولار على الأقل لتطوير قطاعي العمال والسياحة إلى درجة تؤدي إلى زيادة أعداد زوارها من 35 ,1 مليون في عام 2006 إلى 3 ملايين بحلول عام 2015 .

ولا تسعى الإمارات وحدها إلى تنشيط السياحة، حيث تلجأ كل من قطر والبحرين وعمان إلى برامج تعمل على تعزيز مكانة السياحة في الاقتصاد وتسعى السعودية والكويت لأن تصبحا أكثر جاذبية، وتبحثا أيضا عن طرق لتشجيع المزيد من مواطنيها للاستمتاع بعطلاتهم داخل الدولة.

وإلى جانب العائدات التي ستجلبها السياحة، من المتوقع ان توفر أيضا حوالي مليون ونصف مليون وظيفة في قطاع الضيافة بالشرق الأوسط بين الآن وعام 2020. وبالرغم من ان الكثير من تلك الوظائف ستشغلها عمالة وافدة، ستفتح فرص توظيف جديدة أمام المواطنين، الأمر الذي يعتبر احد الدوافع الرئيسية للتحول الهائل نحو السياحة والصناعات الأخرى التي تعتمد على الخدمات.

وتتمثل إحدى الصعوبات التي تواجه الاقتصادات المرتكزة على النفط في الإمكانيات المحدودة التي يمكن من خلالها توليد وظائف جديدة في الصناعة، وتدرك كل تلك الدول، على مدار العقدين الماضيين، بأن التشكيلة السكانية وحدها هي التي ترغمهم على التخلي عن النماذج القديمة لتوفير الوظائف في القطاع الحكومي، الا انه لم تتوفر دائما الموارد والدوافع لتحويل اقتصاداتها.

والسبب الآخر للتشجيع على تطوير صناعة السياحة المحلية يتمثل في الشعور بالعزلة الذي اعتلى الكثير في الشرق الأوسط على اثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر ضد الولايات المتحدة الأميركية وفي الوقت الذي شهد فيه الغرب بأسره تعزيزا في التدابير الأمنية للسفر، مثل التشديد على متطلبات التأشيرات وتكثيف إجراءات الدخول، انتابت الزائرين من الشرق الأوسط أحاسيس بالاستهداف غير العادل وبعدم الترحاب.

وكنتيجة مباشرة لذلك، شهدت المنطقة ارتفاعا في الاستثمارات بقطاع السياحة سعيا وراء توفير المرافق وأماكن الجذب السياحية الموجودة في الواجهات البعيدة دون الشعور بنظرات الشك أو العزلة، ناهيك عن الإجراءات المفرطة لاستصدار التأشيرات.

وإلى جانب قلة الشركات العاملة في الشرق الأوسط، انعكست تلك النتيجة في التمثيل الأميركي الوحيد من مكتب الأمن القومي خلال معرض السفر العربي، ولكن، مع يأس كبار المروجين من أسواق الشرق الأوسط، لم يكن تطبيق تقنية بصمات الأصابع الجديدة أفضل طريقة لجذب السياح المحتملين بأي حال من الأحوال.

وبالنسبة للسعوديين فإن التصعيد المتشدد في التدابير الأمنية يعني ان السفر والسياحة في الولايات المتحدة الأميركية قد أصبح مجرد رقم إحصائي ولا يمثل سوى 34 ,0% من الرحلات الخارجية، وكانت آخر الإحصائيات المتوفرة فيما يتعلق بالخمس دول الكبرى من حيث تلقي السعوديين خلال الربع الثالث من عام 2006، هي مصر 21%، وسوريا 17%، والإمارات 14%، والبحرين 9%، والكويت 3% .

ويحظى الشرق الأوسط بنسبة 77% من مجموع الرحلات التي قام بها السياح السعوديون، في حين تمثل حاليا أوروبا، التي حظيت بشعبية في فترة من الفترات، نسبة 5% من السياحة الخارجية، ويعتبر الربع الثالث الفترة الأكثر شعبية للسياحة الخارجية في الخليج، ولذلك تسعى دول أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للاستفادة من الطلب المتزايد.

ويمكن ان يكون التركيز على المسافرين الخليجيين إلى الخارج عملية مربحة، فاستنادا إلى منظمة السياحة العالمية، فقد انفق السياح الوافدون من منطقة الخليج أكثر من 12 مليار دولار خلال عطلاتهم الخارجية في عام 2005 وهو آخر عام تتوفر فيه إحصائيات كاملة، وكما يتبين من المملكة العربية السعودية، اكبر أسواق المنطقة.

فقد انفق الكثير من هذه الأموال في بيئات أكثر ودا وترحابا في الشرق الأوسط، وأظهرت آخر الإحصائيات بأن المملكة العربية السعودية قد شهدت وحدها نحو 5, 4 ملايين رحلة قام بها مواطنوها في عام 2005. وبالرغم من شعور الكثيرين في الشرق الأوسط ببعض النفور من الغرب.

فإن هذه المشاعر لا تمتد إلى ثقافاتهم، فقد تم مؤخرا توقيع عقود لإنشاء مقر لاستوديوهات «يونيفرسال» العالمية، وإقامة متنزهات ترفيهية لكل من «مارفيل كوميكس» و«نيكولوديون ريكرييشين» في دبي لاند، مركز الاستجمام والترفيه في دبي الذي تصل تكاليفه إلى عدة مليارات من الدولارات.

وتمثلت مشاريع الرفاهية المكلفة الأخرى في الاتفاقيات التي توصلت اليها أبوظبي مع اثنين من اكبر متاحف الفنون الرائدة في العالم، متحف اللوفر ومتحف غوغنهايم، لوضع اسميهما وأعمالهما الفنية في مراكز جديدة في الإمارة، وكاتجاه سائد، تقوم أسواق الخليج بانتقاء واختيار أفضل العناصر التي تحوز على إعجابهم في الغرب وجلبها إلى المنطقة.

ومع كل الاندفاع الذي تشهده المنطقة لتوقيع عقود مع الأسماء الرائدة من أشهر المؤسسات الثقافية العالمية، تبقى السمة المحلية هي عامل الجذب الرئيسي لصناعة السياحة المستقبلية في الشرق الأوسط. وهناك تحول أيضا في التركيز على تجارة السياحة في المنطقة، التي كانت تتركز بشكل حصري تقريبا على السياح الأثرياء وعلى بناء فنادق من فئة سبعة نجوم ومنتجعات فاخرة.

ولكن يتزايد الوعي، وبقدر كبير في الخليج، باتساع حجم قطاع السياحة من المستوى المتوسط وقلة الاستفادة منه، وقد افرز هذا التحول عددا من الخطوط الجوية قليلة التكلفة، مثل طيران العربية وطيران الجزيرة، وزيادة الاستثمار في فنادق وأماكن إقامة ميسورة التكلفة. ولم تتقاعس دول مثل مصر وسوريا في تحديد تلك الأسواق، وتخصصت في استيعاب سوق السياحة الخليجية المتوسطة منذ سنوات.

ولكن، بالرغم من كل الأموال التي رصدت لتطوير قطاع السياحة، وتوفير احتياجات البنية التحتية، والسلسلة الكاملة من الفعاليات التي خصصت لذلك الغرض، لا تزال الصناعة بحاجة إلى تجاوز بعض العقبات، وتتمثل احدى تلك العقبات في محاكاة الجهود المبذولة، حيث ان هناك منافسة شديدة بين بعض الدول في المنطقة لبناء الأكبر والأفضل، وعند نقطة معينة، يمكن ان يكون الحجم اقل أهمية مقارنة بالأصالة والجودة.

وبصورة جزئية على الأقل، بدأ عددا من دول الخليج في معالجة مفهوم «الأكبر هو الأفضل» عبر تحديد الأسواق المتخصصة في هذا القطاع، وتعتبر عمان إحدى أفضل الأمثلة، حيث طالما نشطت في ترويج نفسها كوجهة عطلات مفعمة بالمغامرات.

وذلك بفضل جبالها ووعورة أرضها، المثالية للتخييم والرحلات الجماعية والسفاري، وتروج السلطنة أيضا لقدراتها استيعاب السياحة الطبية عن طريق استخدام المستشفيات والمرافق الصحية لجذب الزوار الدوليين المحتاجين إلى الرعاية المتخصصة، وفيما يتعلق بأسواق الخليج، تعمل عمان على الترويج لمدينة صلالة في جنوب البلاد كوجهة للذين يسعون إلى الهروب من حرارة الصيف والتمتع بشيء من الخضرة.

وأعطت دول أخرى اهتماما خاصا لقطاعات متخصصة، مثل الرياضة، وقامت بتجهيز المنشآت والترويج لفعاليات ترفيهية دولية مثل الغولف، والكريكيت، وسباقات السيارات والراليات، والرياضات المائية، ومع ذلك، فإن احد مشاكل السياحة المعتمدة على الرياضة في الهواء الطلق تتمثل في موسمية انعقادها، وبسبب درجات الحرارة المرتفعة، فقد ارتأت دبي بشكل خاص تركيز عقد الأحداث الرياضية خلال أشهر الشتاء.

وتعتبر محاولة توزيع تلك الأحداث على مدار العام بمثابة التحدي التالي الذي تحتاج دبي لإيجاد حلول له، ويمكن ان يكمن العلاج في السياحة عبر الدول الخليجية. وهناك قطاع فرعي آخر تشهد فيه الأعمال تسارعا مستمرا، وهو السياحة المهنية، التي ترتبط بإقامة الاجتماعات والحوافز والمؤتمرات والمعارض، والشائعة أكثر باسم «ام. أي. سي. أي» «ميتينغز، اينسنتيفز، كونفرنسيز، اند اكزيبيشنز».

وفي حين تتصدر دبي وأبوظبي القائمة لاحتضان ذلك الشكل من السياحة وأرباحه المتنامية، تقتسم دول مثل البحرين وقطر والكويت، شريحة متزايدة من السوق. وتمثل التحدي الآخر الذي حدده تقرير «جي. اف. اف» في «الهوية الجماعية» التي تعاني منها المنطقة، وذلك يعود جزئيا إلى التصورات التي ولدتها أحداث 11 سبتمبر.

حيث أشار التقرير إلى انه يمكن معالجة ذلك التحدي من خلال تدابير أمنية مشددة. وفي الوقت الذي لا يمكن فيه للمال وحده ان يضمن نجاح أي مشروع تجاري، في حين يجري جذب السياح بشكل جيد جدا عبر توفير إغراءات الفنادق الفخمة والشواطئ الذهبية والشمس المشرقة على مدار السنة، هناك إدراك متزايد في معظم دول المنطقة بأن الزوار المميزين يرغبون بالمزيد، وهذا يعني انه كانت هناك زيادة في التركيز، ليس فقط على الاستثمارات.

وإنما على الاستثمارات المستهدفة، بشكل يسمح لصناعة السياحة في الشرق الأوسط لتصبح أكثر نضجا وتزيد من جاذبيتها، وهي الآن لم تعد قضية تتمحور حول مفهوم، «بناء ما يجذب السياح» بل حول مفهوم «بناء ما يرغب به السياح».