دعا القائمون على صناعة الدراما في مصر من كُتّاب ومخرجين ومنتجين وممثلين إلى عقد مؤتمر يناقش أسباب تراجع الدراما المصرية، في محاولة لرأب الصدع الذي أصابها في الفترة الأخيرة والذي أفقدها ريادتها على المستوى العربي.

وكان المخرج محمد فاضل أول من تبنى الدعوة لإقامة مؤتمر لبحث حال الدراما المصرية، وإصلاح أوضاعها عبر البرنامج التلفزيوني »البيت بيتك«، حين دعا وزير الإعلام المصري أنس الفقي إلى تبني توجيه الدعوة للمؤتمر الذي تشرف عليه وتنظمه وزارة الإعلام، وهي الدعوة التي لاقت استجابة فورية من جانب الوزير، لكن المفارقة أن فاضل رفض الكشف عن وجهة نظره في هذا الصدد.... »البيان« تفتح من خلال الاستطلاع التالي ملف الدراما المصرية الشائك من خلال أصحاب المصلحة والمهمومين بقضاياها، ومن عانوا من أزماتها ومشكلاتها لنتعرف علي وجهات نظرهم، وكانت البداية مع كتاب الدراما، وهم أول من نبه إلى وجود خلل وتدهور كبيرين في الدراما. ويقول الكاتب أسامة أنور عكاشة: »نحن نواجه خطورة كبيرة تتصل بعدم الاهتمام بالنص، بعدما أصبحت الدراما في خدمة المعلن والإعلان والمكسب التجاري.

وبالتالي تراجعت أهمية النص الذي هو أساس العمل، وأصبحت المسائل مشوهة، وكان لابد من وقفة لإعادة التفكير في كيفية إصلاح حال الدراما على مائدة مستديرة تنظر في وضع الآليات التي تعيد الاعتبار للمؤلف وتصحيح القاعدة العلمية للإنتاج، بدءاً بالمادة الخام المتمثلة في النص، الذي لابد أن يتوافر له الاهتمام الكافي بينما الحاصل الآن أن الاهتمام أكبر بالكم على حساب الكيف، والكارثة أن النجم الآن يأتي ومعه النص، وأصبح الكُتّاب مثل »الترزية«، والغريب أن المنتجين يسمحون بذلك، لكننا نأمل أن يحدث تغيير في الأيام المقبلة، وأن يعود النص ليصبح النجم كما نحتاج إلى قانون لتنفيذ قانون حق الأداء العلني للمؤلف. وعن أسباب أزمة الدراما، يؤكد المؤلف محمد صفاء عامر أنها تعود في أحد أسبابها إلى عقود الإذعان التي يوقعها المؤلف السيناريست، بحيث يصبح العقد بمثابة تنازل عن عمله ما يتناقض وقانون حقوق الملكية الفكرية، فالقانون شيء والعقد شيء آخر.

وما يجري لا يعفي المؤلفين من جهلهم، ولو افترضنا أن في العقد عشرة بنود يكون واحداً للمؤلف، وبالتالي يصبح من حق المنتج أن يبيع العمل لمنتج آخر، من دون أن يعترض المؤلف، أولاً ينفذ الرواية و»يسقعها« بلغة المنتجين كالبضاعة إلى حين وجود فرصة أفضل، أو يقوم بتعديل السيناريو ويفسخ العقد ويلجأ إلى تشويه العمل مثلما حدث معي في مسلسل »السندريلا« وكان يمكن ألا يشوه لو ذهبت إلى الأستوديو. وجلست هناك طوال التصوير، لكنني لا أستطيع أن أفعل ذلك مثلما لا أستطيع الصراخ في وجه أحد، وأحذر الجميع من المساس بإبداعي مثلما يفعل الزميل أسامة أنور عكاشة الذي يتواجد باستمرار في مكان التصوير ويصرخ إذا وجد أي خطأ. ويعتبر المخرج نادر جلال أن المشكلة التي يعاني منها شخصياً هي النجم، ويقول: »عندما كنت أعمل في السينما كان النجم هو المسيطر، وهو العنصر الأول، قبل أي عنصر آخر حتى المخرج، وتصورت أنني بانتقالي للإخراج التلفزيوني لن أواجه مشكلة عجيبة كهذه، خصوصاً أن الاعتماد على النجم في التوزيع لا يمثل معضلة في التلفزيون.

كما هي في السينما، لكنني فوجئت باستحالة الاستعانة بالصف الثاني أو الثالث من الممثلين، وفوجئت بأن المشكلة تفاقمت وأن التلفزيون أصعب لأن توزيع المسلسلات يشترط وجود نجوم والكارثة أننا لا نملك من النجوم في التلفزيون سوى يحيى الفخراني ونور الشريف، وإذا عملت مع نجوم الصف الثاني، قيل لي إنهم لا يساهمون في توزيع الأعمال أو يشجعون المحطات الفضائية على شرائها«.

وينفي المنتج صفوت غطاس مسؤولية المنتج عن تردي الدراما المصرية، ويقول بغضب: »ما نعاني منه سببه المؤلفون الذين يغالون في أجورهم مقابل الاستهتار الشديد في الاهتمام بإبداعهم، ولذا ساد التطويل الذي لا نراه في المسلسلات الأميركية أو حتى المكسيكية، وعلينا أن نراعي متطلبات التسويق، قبل المطالبة بإنتاج مسلسلات الـ15 حلقة، خصوصاً في ظل تراجع الطلب على المسلسل المصري والإقبال تدريجياً علي المسلسل السوري والخليجي أيضاً.

فالخطر يتهدد المنتجين وليس المؤلفين الذين يقبضون أجورهم كاملة، ووصلت أحياناً إلى الملايين دون تحمل أية خسارة، بينما المنتج هو الخاسر إذا فشل العمل في تعويض تكلفته، وفي كل الأحوال نعاني، سواء في انحسار سوق التسويق أو إغراقه.

ويقول المنتج ممدوح شاهين: »المنتجون »غلابة« فهم وحدهم الذين يخوضون المغامرة ويواجهون زحف الدراما السورية، التي اتجهت أخيراً إلى إنتاج 35 عملاً بعدما كانت تقتصر علي أربعة تقريباً، ونحن الذين نتحمل غطرسة النجوم ومطالبتهم وندفع أجورهم الضخمة، مقارنة بأجور الممثلين العرب المتواضعة والنتيجة أننا ندخل العمل وشبح الخسارة«.

من جهته يقول الممثل يوسف شعبان: »قبل أن يظهر المنتج المنفذ أو المشارك، كانت الدراما تباع للمحطات والدول العربية على أساس جودة العمل ومستواه، بغض النظر عن أسماء الممثلين في المسلسل، وكان هذا عاملاً مهماً جداً لدى الشركة المنتجة.

وبالتالي كان المخرج يعمل بحرية ودون ضغوط من أحد، أو العمل على تنفيذ رغبات الآخرين، وكانت أغلب الأعمال المنفذة ذات مستوى جيد، والأمثلة كثيرة على هذا كالأعمال الخالدة مثل: »ليالي الحلمية« و»الشهد والدموع« و»رأفت الهجان« و»المال والبنون« لكن مع ظهور المنتج المنفذ أو المشارك الذي يريد الاستفادة المادية من دون أن يكون لديه فكرة عن الدراما أو الفن أساسا، غاب الفن الجيد وتراجع في غمار اهتمامه بمصلحته وحده وتناسى مسؤوليته تجاه بلده، لذلك دخلنا العصر الأقرب إلى السرقة«.

أما الممثلة فردوس عبدالحميد فتتحدث عن المشكلات التي تعترض الدراما قائلة: »لاشك أن الدراما تواجه الآن عدم توازن بعد أن تراجع المستوى الدرامي للعمل.

وفقد المخرج سيطرته وسلطته على إدارة العمل وأي ورق مكتوب أصبح في الإمكان تنفيذه، أيا كانت قيمته ما كان له الأثر السلبي على مستوى الدراما، علاوة على الشركات الإنتاجية التي باتت تجري خلف الإعلانات، فأصبح المعلن هو الذي يتحكم في اختيار الفنانين، ومع هذا ثبت بالدليل القاطع أن العمل الجيد يستقطب الإعلانات مثل النجوم تماماً، والدليل على هذا مسلسل »مصر الجديدة« الذي جسدت فيه شخصية هدى شعراوي، وحظي بمشاهدة كبيرة.

ومن ثم توافرت له إعلانات بعدما شعروا باهتمام الناس بالعمل، وما يحدث الآن يعكس خللا أصاب الدراما، سواء في اختيار نجوم الأعمال وتوقيعهم على العقود من قبل كتابة أي كلمة بالنص، ما يجعل العمل يتراجع، ومعه تراجع الكتاب والمخرجون الذين كانوا يبدعون أهم الأعمال«.

وتلخص الفنانة معالي زايد رأيها في الأزمة قائلة: »أنا كممثلة أعاني عند تقديم أي عمل من صعوبة اختيار النص الجيد، لهذا رفضت أربعة أعمال، وما نراه الآن هو نوع من الاستسهال في التأليف ولم يعد هناك فكر أو إبداع وفي أعمال كثيرة نكتشف النهاية من أول حلقتين، فما نواجهه الآن يعكس أزمة نصوص بعد أن ساد الكسل في العملية الإبداعية.

وأي مشاهد تكتب الآن لا تعتمد على قراءة الأحداث أو تقديم الفكر الذي يجذب الناس، أو حتى الممثل نفسه ليجتهد لتوصيل المعنى المطلوب للمشاهدين، والمسألة كلها مجرد ملء ساعات الإرسال بأي كلام ليأخذوا مبالغ وأجوراً كبيرة لأنهم المستفيدون إذا وصلت حلقات المسلسل إلى 40، بينما يمكن أن يقتصر العمل على 15 حلقة فقط«.

وتقول الممثلة بوسي: »الممثل يأتي دوره من حيث ينتهي إبداع المؤلف والمخرج، وإذا لم يتوافر الورق الجيد للممثل، فلن يقدم كل ما في جعبته الفنية، فالإبداع وإصلاح وتحسين مستوى الدراما تبدأ من المؤلف ومعروف أن التيمة الدرامية واحدة، لكن المعالجة هي التي تختلف من عمل إلى آخر وهذا ما نبحث عنه، بغض النظر عن الكتابة للنجوم، فالمشكلة ليست في النجوم بل في المؤلفين الذين تساوت أجورهم بأجور كبار النجوم.

وأصبحوا يلقون تهمة تدهور الدراما على النجوم أو آخرين لإبعادهم عنهم، بينما الدراما في الأصل هي الكلمة«. وخلافاً لما قالته بوسي، فإن الفنان أحمد راتب يلقي بمسؤولية تدهور الدراما على النجم الذي أصبح يستأثر بالمسلسل وحده، ويفرض نفسه على المؤلف، ويضيف قائلاً: »في الماضي كنا نعمل بخطى سليمة وموضوعية عندما كان الموضوع الجيد يفرض نفسه.

وبعدها يتولى المخرج اختيار الشخصيات طبقاً لمعايير فنية بحتة، مستنداً إلى النص المكتوب، وليس تبعا لأهواء ومعايير النجم بغض النظر عن كونه يصلح للعمل أم لا، والدراما السورية تميزت لأنها تسير بالنظام ذاته الذي كنا نتبعه في الماضي.

أما الآن فقد أصبحنا نعمل وفق نظام مختلف وأصبح للإعلانات والمنتج والمعلن السطوة، فيتعرض النجم حتى لو كان مرتبطاً بأعمال أخري، وبالطبع لا يستطيع ممثل أن يعمل على مدى 22 ساعة، وكان لابد من أن تسقط الدراما القائمة على النجم الواحد، وللخروج من أزمة الدراما التي نعاني منها علينا بالعودة للماضي، وأن يعود الكاتب ليكتب العمل بعيداً عن أية حسابات أخرى«.

محفوظ عبدالرحمن: كُتّاب الدراما مصدومون لتجاهلهم

يقول الكاتب محفوظ عبدالرحمن: »إن تجاهل كتاب الدراما، وحجب جائزة الدراما عنهم في مهرجان القاهرة الدولي للإذاعة والتلفزيون أخيراً كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ولم يكن احتجاجهم نابعا من حرصهم على الجوائز بقدر ما هالتهم الصدمة، بعد حجب الجائزة، لأن هذا يعني ــ ببساطة ــ اتهامهم بأنهم غير مبدعين، وهو اتهام يجافي الواقع والحقيقة.

وعندما نبدأ في مناقشة أحوال الدراما المصرية، ينبغي علينا أن نطرح وجهات النظر العملية والواقعية، التي تسهل وضع حلول لمشكلات الدراما المصرية في ظل وعي واهتمام القيادة الإعلامية، لكن هذا لا يعني التفاؤل بأن كل المشكلات ستحل بشكل مثالي.

وبالتالي لا توجد أولوية لمشكلة على أخرى، بل ان كل مشكلة مرتبطة بالأخرى، فإذا تكلمنا عن إصلاح النص سنجده مرتبطاً بالتسويق والأخير مرتبطاً بالإنتاج، وعلينا ألا نغفل شيئاً على حساب الآخر«.

القاهرة ـ وصفي أبو العزم