تنطلق اليوم أعمال المنتدى العالمي السابع حول تحديث الإدارة الحكومية في فيينا، النمسا. وتشارك كلية دبي للإدارة الحكومية مع وفد عربي رفيع المستوى في فعاليات هذا المنتدى الذي تنظمه الأمم المتحدة سنوياً لتجمع خلاله قادة الحكومات والقطاع الحكومي من دول العالم أجمع، لبحث فرص وقضايا الإدارة الحكومية.
وتطرح مشاركة وفد عربي بهذه الأهمية بعض الأسئلة المهمة عن تطورات واتجاهات الإدارة الحكومية وأهميتها بالنسبة إلى العالم العربي عموماً، ولمدينة عالمية مثل دبي خصوصا، إذ تسلط الضوء على عدد من الاستشرافات حول مستقبل نمو المنطقة العربية ومدنها كافة.
ويقام المنتدى تحت عنوان «تحديث الإدارة الحكومية» ويعالج مواضيع عدة تطال توقعات المواطنين من حكوماتهم وثقتهم المفقودة بهذه الحكومات نظرا لتخلفها عن الاستجابة لمتطلباتهم ضمن المتغيرات العالمية والمحلية. ولا شك أن العولمة طرحت تحديات جديدة ومعقدة للإدارة الحكومية تسببت في تفاوت كبير بين الإدارات سواء كان هذا التفاوت بنسبة تأقلمها أو أدائها أو تقدمها أو نموها.
وركزت التجارب الحكومية الناجحة، أي تلك التي تخدم مواطنيها بطريقة فعالة، على أهمية المرونة والتكيف مع الأوضاع بهدف التوصل إلى أفضل النتائج. فالحكومة الناجحة لها دائماً رؤية واضحة للنمو وقدرة على التطور المستمر نحو الافضل. ومن جهة أخرى، ساهمت شبكات التواصل وثورة المعلومات التي نعيشها.
إضافة إلى التدفقات الاجتماعية والاستثمارية، في تعزيز إدراك الشعوب لعمليات الإدارة الحكومية حتى رفعت مستوى توقعاتهم من الحكومة ومؤسساتها. وشجع هذا الوعي الواضح لعمليات الإدارة الحكومية على إيجاد قنوات لجمع ردود الفعل والتواصل حول جودة خدمات الحكومة وفعاليتها، وبدأت الحكومات في كل دول العالم تطبيق ممارسات إدارية حديثة يستند معظمها إلى القطاع الخاص.
والواقع أن «الإدارة الحكومية الحديثة» أصبحت تتمتع بوتيرة سريعة وقادرة على التأقلم والابتكار في تقديم خدماتها لتخلق مناخاً مواتياً يتيح للشركات والمواطنين النمو والازدهار في ظله. ويكتسب نموذج الإدارة الحكومية الحديثة أهمية إضافية من عملية التحديث نفسها. ففي السنوات القليلة الماضية، تأملت الحكومات الفدرالية والمحلية والمنظمات الدولية وتدارست الممارسات الناجحة وعناصر تفعيل الإدارة الحكومية، وفي مقدمها المساءلة وإدارة الأداء واللامركزية فضلاً عن الشراكات مع القطاع الخاص.
وتضمن هذه العناصر نزاهة الإدارة العامة وفاعليتها، فهي إلى جانب أنظمة قياس الأداء تساهم في تعزيز الشفافية لأن القادة الحكوميين مسؤولون عن أدائهم وعن إدارتهم للموارد. وهذا بدوره يؤدي الى رفع مستوى الفاعلية في تقديم الخدمات الحكومية ووضوح النظم والهيكليات والعمليات، كما يفسح المجال أمام مشاركة الجمهور في إبداء الرأي في جودة الخدمات المقدمة.
ومن أهم آليات الإدارة الحكومية الحديثة في العالم الحكومة الإلكترونية. ففي ظل سهولة الاتصال والوصول إلى المعلومات تعد الحكومة الإلكترونية آلية موضوعية لتحليل البيانات ودراستها بناء على معطيات الأداء وإدارة الموارد، مفسحة المجال لمشاركة الجمهور، وإدارة المعرفة، وتقييم الأداء والنشاطات الحالية وصولاً إلى وضع سجلات ومراجع للمستقبل.
إذاَ ما معنى تحديث الإدارة الحكومية بالنسبة إلى الدول العربية؟ وما أثر ذلك على دبي؟
إلى جانب التأثيرات الواضحة على التنافسية والنمو، يعتبر تحديث الإدارة الحكومية أساسياً لاسترجاع ثقة المواطنين في العالم العربي بحكوماتهم. وفي هذا الإطار، تتخذ دول المنطقة ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي خطوات كبيرة لمعالجة مسألة الفعالية والشفافية في الحكومة.
ويتجلى ذلك في الإصدار الأخير من «مؤشر الفساد» الصادر عن منظمة الشفافية الدولية الذي عكس هذه التطورات، إلى جانب انتشار التركيز على جوائز التميز الحكومي وتطبيقات إدارة الجودة في المؤسسات الحكومية ووضع برامج تدريبية لكافة المستويات الوظيفية.
إن تحديث الإدارة الحكومية بشكل فعال سوف يؤدي إلى ظهور حكومة تستجيب لمتطلبات مواطنيها. وحيثما توفر هذا النوع من الحكومات، يتم تطوير حس الانتماء الذي يؤثر على جميع أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ومن خلال تلبية حاجات مواطنيها، سوف تتمكن الحكومات العربية من استقطاب المهارات والمواهب من بين شباب المنطقة والحفاظ عليها. فمنطقة الشرق الأوسط سجلت معدلات نمو سكاني بمعدل 5 .2 % ولديها أكبر نسبة من الشباب في العالم وبالتالي تحتاج إلى الاستفادة من القدرات المتوفرة وانتهاز الفرص المتاحة قبل أن يخرج التحدي عن نطاق سيطرتها.
في الإمارات، وخصوصا في دبي، تم اتخاذ خطوات مهمة للاستفادة من الفرص المتاحة وتخطي التحديات المرتقبة. ومؤخراً، ومباشرةً بعد إعلان الإمارات العربية المتحدة هي «الأقل فساداً» بين الدول العربية في مؤشر الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، تم تطوير خطة دبي الإستراتيجية من خلال عملية تشاورية ركزت على مجالات النمو ذات الميزة التنافسية في الإمارة. إضافة إلى ذلك، تم تصميم برامج تطوير خصيصاً لتلبية احتياجات القادة الحكوميين في الحكومة الاتحادية والإمارات.
وخلال حفل تقديم جوائز برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز الشهر الماضي، أعلن سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس المجلس التنفيذي لدبي عن عقد أول منتدى عربي حول التميز الحكومي في دبي في يناير 2008. إن تنظيم منتدى مماثل على مستوى المنطقة يعكس التزام حكومة دبي بتعزيز ثقافة التميز بين المؤسسات الحكومية وتبادل الخبرات مع الدول التي تسلك الطريق نفسه.
ومن هذا المنطلق، يتخذ التمثيل العربي غير المسبوق في ضخامته في المنتدى العالمي السابع لتحديث الإدارة الحكومية أهمية كبيرة بالنسبة للمنطقة. ولأول مرة، سوف تعرض الدول العربية خبراتها في تطوير الحكومة وإصلاحها إلى جانب الاستفادة من تجارب الآخرين.
كما سيتم تقديم استنتاجات المنتدى العربي الثاني لتحديث إدارة الدولة الذي عقد في دبي في أبريل 2006. إضافةً إلى ذلك وإقراراً بأهمية دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في إدارة المعرفة، سوف تساهم كلية دبي للإدارة الحكومية في تنظيم ورشة عمل لمناقشة هذه المسألة.
سوف تنظر ورشة العمل هذه في آخر التطورات في مجال الانتخاب الإلكتروني في الإمارات العربية المتحدة كحالة دراسية كما ستناقش حالات دراسية مستخلصة من مناطق مختلفة من العالم. وتتويجاً لجهود التميز الحكومي في دبي، سوف يشهد المنتدى تقديم جائزة الأمم المتحدة للخدمة العامة لبرنامج دبي للأداء الحكومي المتميز مما سيشكل دافعا لمزيد من التطوير والتحديث في السباق نحو التميز.