هل يستحق فيلم من ست دقائق تم تصويره بالأبيض والأسود، عناء الحضور وسط زحام المدينة ورطوبتها الخانقة؟ يتساءل المرء في نفسه، لكن حكاية الفيلم عن الطفولة البريئة، تدفع أياً كان للاطلاع عن كثب عما سيجري بعد «السجادة الحمراء»، التي نادراً ما يتم الاستعانة بها في افتتاح أفلام عربية.

المكان مجمع «غراند سينيبلكس» في دبي، عند المدخل تجمهرت عدسات المصورين الصحافيين وكاميرات وساءل الإعلام المرئية قريباً من «السجادة الحمراء»، حيث سار ضيوف حفل افتتاح فيلم «عربانة» للمخرجة الإماراتية نايلة الخاجة، الذي اتسم بطابع رسمي تجلى برعاية وحضور معالي مريم خلفان الرومي وزيرة الشؤون الاجتماعية، وشهد توقيع اتفاقية بين شركة D - SEVEN للأفلام السينمائية في الإمارات وشركة iIstra للإنتاج في إيطاليا للتعاون في انتاج وتصوير ثلاثة أفلام سينمائية في الإمارات العربية المتحدة بقيمة 18 مليون دولار أميركي.

وعبرت نايلة الخاجة المدير التنفيذي لشركة D - SEVEN عن تقديرها لحضور ورعاية معالي مريم الرومي، معتبرة ان ذلك يمثل شهادة تقدير لعملها المهني، بينما أشادت الوزيرة الرومي برسالة فيلم «عربانة» الإنسانية، بعد أن تسنى لهل مشاهدته قبل الحفل. مشيرة إلى أن المواهب الإماراتية الشابة أثبتت حضورها في المحافل المحلية والعربية والدولية على المستويات الإبداعية كافة، وأكدت الرومي على ضرورة الرعاية الأسرية للأطفال والاهتمام بتربيتهم وتنشئتهم لأنهم عماد التنمية والطاقات الواعدة من أجل مستقبل أفضل. وحول الاتفاقية، قالت الخاجة: «نحن فخورون جدا بالتعاون مع شركة Istar للإنتاج، ونشكرهم على الثقة التي أولوها لنا من خلال توقيعهم لهذه الصفقة التي تتوافق وهدفنا الطموح في إرساء قواعد صحيحة للبدء في بناء البنية التحتية لصناعة سينمائية ذات جودة عالية على الصعيدين المحلي والإقليمي».

ويعتبر «رومي» أول فيلم سيتم إنتاجه، ضمن الاتفاقية الموقعة، وتقرر تصويره في شهر يناير من عام 2008 بإدارة المخرج مظفر علي المولود في الهند بالتعاون مع شركتي D - SEVEN وIstar كمنتجين منفذين. ويتناول الفيلم سيرة حياة العلامة والفيلسوف جلال الدين الرومي أحد أهم النوابغ في التاريخ الإسلامي.

وله البصمات المساهمة بشكل كبير في رفعة وتقدم الحضارة الإنسانية وازدهارها، خصوصا أثناء العصور التي كان يغرق فيها العالم الغربي في ما كان يعرف بعصور الظلام. من جهته، قال إيغور يبولدي من شركة إيستار: «إننا نؤمن بشدة بأن الحضارة الإسلامية كان لها الأثر الأيجابي الكبير على اوروبا في العديد من المراحل خلال العصور المظلمة، لذلك فقد اخترنا بعناية» رومي «ليكون فيلمنا الأساسي في هذه المشروع الضخم».

وأضاف قائلاً: «أعتقد أن الإمارات يمكن أن تصبح نقطة هامة للمنتجين وصانعي الأفلام من أنحاء العالم بشكل أفضل من إنتاج الأفلام محلياً، حيث أنهم سيستثمرون فيها أموالهم. أما المصور السينمائي الإيطالي فيتوريو ستوتارو الحائز ثلاث مرات على الجائزة الأكاديمية «الأوسكار» عن أفلام «القيامة الآن» و«حمر» و«و الإمبراطور الأخير»، فقد عبر عن سعادته بمشاركته في هذا الفيلم.

الحفل اتخذ له مكاناً في إحدى صالات عرض المجمع السينمائي، بينما الحضور المتعدد الجنسية الذي ملأ القاعة، غلب عليه الحضور الإماراتي، في مبادرة لافتة نادرة الحدوث في مناسبات مماثلة، ومن الطبيعي أن تلقى موهبة شابة مثل نايلة الخاجة اهتماماً وتقديراً من أبناء مجتمعها، بخاصة وأنها أول مخرجة ومنتجة أفلام مستقلة في دولة الإمارات.

ويطرح «عربانة» قصة فتاه صغيرة افتقدت إلى رعاية والديها، مسلطاً الضوء على ظاهرة إهمال الآباء لأطفالهم والنتائج السيئة المترتبة على المجتمع، ويتميز الفيلم من الناحية التقنية بأنه أول فيلم في المنطقة يتم تصويره على أفلام ذات مقاس 35 ميلليمترا.

الفيلم من ست دقائق.. وقصته البسيطة شهد المجتمع المحلي الكثير من مثيلاتها، لكنه شريط مليء بالعبر والدلالات حول الطفولة البريئة وضرورة رعايتها، في ظل مجتمع تتداخل ضمنه ثقافات وتقاليد وسلوكيات غير متناغمة فيما بينها..

بالأسود والأبيض، لم لا طالما الشروط الفنية متوفرة، بينما عين المخرجة كانت تلاحق المشهد تلو الآخر بلمسات شاعرية، وساعدها في ذلك الأداء الممتاز والمعبر للطفلة الصغيرة فريال انتظاري، التي أجادت في التعامل بنظراتها وعن حركة الكاميرا، بالرغم من أنها لم تخض أي تجربة في هذا المجال، ولم تتدرب كثيراً على تجسيد الشخصية.

وعبرت المخرجة الخاجة عن سعادتها وبهجتها لردود الفعل الإيجابية والمشجعة التي لقيتها من أنحاء العالم. وقالت: «بالنظر إلى الاثنين والعشرين يوماً التي أنجز فيها الفيلم بالإضافة إلى الميزانية القليلة نسبياً، والتي لم تتجاوز ال270 ألف درهم إماراتي، كان مثيرا حقا ذلك الأثر الكبير الذي تركه الفيلم علي عالمياً».

وأضافت قائلة «لقد برهن الفيلم على أننا كإماراتيين وكعرب قادرون على الوصول إلى المقاييس العالمية لأي صناعة، إذا كنا نملك الدعم اللازم والعزيمة القوية، ولا يزال أمامنا طريق طويل لنمشيه، لكن ذلك لا يجب أن يكون عذرا لنا لنتكاسل، لذلك أنا ما زلت في خطواتي الأولى في رحلتي في عالم صناعة الأفلام.

لكن ما لا شك فيه أن النجاح الذي حققه (عربانة) قد مهد الطريق للمزيد من العمل الجاد والإنجازات في المستقبل». وتوجهت الخاجة بالشكر إلى كل من ساهم بدعم إنتاج الفيلم ولاسيما منظمة اليونيسيف وشركة «فورسا» التي تدعم مشاريع المرأة في الإمارات ومفاجآت صيف دبي،إضافة إلى عدد من الشركات الأخرى.

وكان لابد من لفتة تكريمية من المخرجة نايلة الخاجة إلى الذين وقفوا إلى جانبها من هيئات رسمية وأهلية وشركات وإعلاميين ولاسيما الزميل في «البيان» إبراهيم الحساوي، حيث صعدت إلى المنصة مع معالي الوزيرة مريم الرومي التي سلمت المكرمين شهادات التقدير وسط احتفاء الحضور.

دبي ـ إسماعيل حيدر