لن يكون مؤتمر القمة الاقتصادية، الذي أوشك على الاجتماع أواخر هذا العام، أكثر من مؤتمر اقتصادي عربي يجتمع لإقرار توصيات عادية في مجال دعم وتشجيع التعاون الاقتصادي العربي، وذلك ما لم يُصدر قرار محدد بإنشاء السوق العربية المشتركة.
خاصة وأن التعاون الاقتصادي العربي لم يتفاعل مع الشعوب العربية طوال نصف قرن، وبالتحديد منذ نشأة جامعة الدول العربية عام 1945حيث كان هذا التعاون من أهم البنود التي ركز عليها ميثاق الجامعة.
إن الصفة الوحيدة التي تجعل مؤتمر القمة الاقتصادية يتميز عن غيره من مؤتمرات التعاون الاقتصادي العربي دون أن يصاب بالبيروقراطية العربية، هو أن يقوم باتخاذ قرار عملي وجريء بإنشاء السوق العربية المشتركة، وهي التي تم إقرار مبادئها في اتفاقية جماعية وقعتها أغلب الدول الأعضاء في مجلس الوحدة الاقتصادية العربية عام 1964 وأقرت المبادئ التالية التي لم تطبق للأسف حتى الآن:
ـ حرية انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال.
ـ حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية والأجنبية.
ـ حرية الإقامة والعمل والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي.
ـ حرية النقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل والمرافئ والمطارات المدنية.
وهذه المبادئ لم تبحث ولم تدرس ولم ينظر إليها أحد حتى الآن باستثناء حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية التي أنشئت منطقة تجارة عربية حرة منذ عامين لتطبيقها ووافق عليها ما يقرب من ثماني عشرة دولة بينما ما زالت هناك صعوبات في التطبيق من أهمها عدم صدور قرار بتعريف ماهية السلع الوطنية ولا بتحديد شهادة المنشأ التي توضح وتبين مكوناتها العربية.
أقول إن القمة الاقتصادية العربية إذا اجتمعت ولم تصدر قراراً بإنشاء السوق العربية المشتركة التي تضم في جوانبها كل مجالات التعاون الاقتصادي العربي وكل ما يأمله المواطن العربي في مسيرته الحياتية، فإنها ستكون كما يقولون «تحصيل حاصل».
وللعلم فإن قرار إنشاء السوق طالما صدر من القمة فإنه يتطلب تكوين مجموعات عمل تبدأ فور انتهاء المؤتمر لتضع الخطوات التنفيذية اللازمة لإنشاء السوق وتحرير انتقال البضائع والخدمات والأشخاص والأموال وبحيث تطبقها الدول الأعضاء دون ضرر لأحد الأعضاء على حساب عضو آخر، وبحيث يستفيد الجميع كما استفادت الدول الأوروبية حاليا من تطبيق السوق الأوروبية المشتركة واستطاعت عن طريقها إنشاء الاتحاد الأوروبي الذي رفع شأن هذه الدول.
لقد سجلت السوق الأوروبية المشتركة منذ بدايتها نجاحا كبيرا على عكس كل التوقعات في اتجاه تحقيق التكامل والوحدة الأوروبية بحيث أصبحت حجر الزاوية في هذه العملية، وربما كان ذلك راجعا بشكل أساسي إلى أن الاتفاقية التي أنشأت السوق الأوروبية المشتركة كانت في معظمها إطارا للعمل أكثر منها قواعد مفصلة لكل شيء.
كما تقرر أن يتم إلغاء التعريفات الجمركية بين الأعضاء تدريجيا خلال فترة انتقالية قدرت آنذاك بين 12و15سنة وقسمت إلى ثلاث مراحل، وفي الوقت نفسه فإن التعريفات الجمركية الخاصة بكل دولة تجاه العالم الخارجي تم تعديلها وتوحيدها لكي تكون هناك تعريفة واحدة لأعضاء السوق.
أما بالنسبة للقضايا الأخرى المتعلقة بحرية حركة العمل ورأس المال والمؤسسات وتنسيق السياسات فيما يتعلق بقطاعات معينة مثل الزراعة والمواصلات والتجارة الخارجية فقد تم فيها وضع خطوط واضحة للجميع.
على أن القرار الضروري الذي يتعين أن يصاحب قرار السوق العربية المشتركة والذي سيمهد لها فعلا وعملا هو قرار إنشاء صندوق للتنمية العربية يتولى مسؤولية تنمية الدول العربية الفقيرة دون عوائق وهو ما فعلته الدول الأوروبية قبل إنشاء السوق الأوروبية المشتركة والذي ساعدها على تنفيذ السوق في أقل مدة ممكنة حيث أنشأت الصندوق الأوروبي للتنمية الإقليمية عام 1979 بهدف تشجيع ودفع التنمية الاقتصادية في الأقاليم الفقيرة داخل الجماعة الأوروبية.
إن المطلوب في تصوري لإنشاء السوق العربية المشتركة يتعين أن ينطلق من ناحيتين:
أولا: إنشاء مجموعة عمل تضم الخبراء العرب من داخل وخارج المنطقة العربية تتركز مهمتهم في التنسيق بين السياسات الاقتصادية العربية وعلى رأسها السياسات النقدية وسياسات الزراعة والصناعة والتصدير والاستيراد والجمارك والمالية العامة والتمويل والهجرة بين الدول العربية.
ولا أقول توحيد هذه السياسات فهو أمر صعب حاليا في ظل المناخ العربي السائد ولكن من الضروري أن تتقارب هذه السياسات وأن يحذف منها الاختلافات الجوهرية التي تؤدي إلى منع قيام السوق العربية المشتركة أو تعطيل قيامها لفترة طويلة.
وهو ما يتطلب أن تضم المجموعة ممثلا لكل حكومة عربية يكون مفوضا بإصدار قرارات عاجلة من أجل تحقيق السوق العربية المشتركة في أقرب وقت ممكن، وهو ما كان الخبراء الأوروبيون يقومون به في عمل مستمر ليلا ونهارا للإعداد لإنشاء السوق الأوروبية المشتركة.
ثانيا: ضرورة التقارب التنموي بين المناطق والأقاليم العربية واستثمار الأموال والإمكانيات العربية داخل المنطقة، فليس من المناسب أن تتحقق السوق المشتركة بين إقليم فقير جدا وإقليم غني جدا حيث إن هناك فروقا شاسعة بين الأوضاع التنموية في بعض الدول العربية، تؤدي إلى تفاوت كبير جدا بين متوسط دخول الأفراد بها.
وعلى سبيل المثال وبموجب إحصائيات التقرير الاقتصادي العربي الموحد هناك أربع دول عربية يقل الدخل السنوي للفرد بها في المتوسط عن 500دولار، وهو ما يؤدي إلى صعوبة تحقيق سوق عربية مشتركة تكون هذه الدول أعضاء بها.
وبالتالي فالمطلوب بصفة عاجلة بث أنشطة تنموية داخل هذه الدول عن طريق إنشاء مشروعات عربية كبيرة لصالح الدول العربية الفقيرة وتستفيد منها أيضا باقي الدول العربية بما فيها الدول الغنية وبما يؤدي إلى تكامل اقتصادي عربي، ويمكن أن تساهم الأموال العربية المستردة من الخارج في إنشاء هذه المشروعات.
كما يشترك فيها رجال الأعمال العرب عن طريق تنظيم اجتماعات تتم لهذا الغرض وتعرض عليهم هذه المشروعات، وقد يكون من المناسب إنشاء غرفة عمليات تقوم بالاتصال بين المستثمرين العرب وأصحاب المشروعات، وذلك باستخدام أحدث وسائل الاتصالات الدولية المتوافرة حاليا، وعلي أن تضم هذه الغرفة أعلى المستويات العربية الفنية من الخبراء في الصناعة والزراعة والاقتصاد والطب والتعليم والإسكان والبنوك.
وفي ضوء ذلك يهمني أن أعرض اقتراحا أرجو أن تدرسه جامعة الدول العربية ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورجال الأعمال والمستثمرين العرب في الداخل والخارج .. يتلخص الاقتراح في تقسيم تنمية الدول العربية التي يقل متوسط الدخل بها عن ألف دولار أميركي سنويا وعددها خمس دول تقريبا هي (جيبوتي واليمن والسودان وموريتانيا والصومال)
على الدول العربية الغنية التي تتمتع بمتوسط دخل مرتفع للفرد وعلى أن تكون كل دولة غنية مسؤولة عن تنمية اقتصاديات دولة فقيرة على الأقل، ويكون لها الحق في مراجعة خطة التنمية بها واختيار المشروعات الإنتاجية التي ترى، مع سلطاتها المحلية.
أنها ستؤدي إلى زيادة معدل النمو وتحسين مستوى المعيشة لسكانها وفي نفس الوقت يستطيع المستثمرون بالدول الغنية بما لهم من إمكانيات فنية ومالية إقامة هذه المشروعات والحصول منها على العائد المناسب نقديا ومعنويا وقوميا ويكون لهم الحق في الحصول على كل الضمانات اللازمة لأموالهم من هيئات ضمان الاستثمار.
إنني لا أدعي ابتكار هذا الاقتراح حيث إن هناك اقتراحا قريبا منه عرضه كرايسكي رئيس وزراء إيطاليا السابق عندما كان خبيرا بالأمم المتحدة ومكلفا منها بإعداد دراسة عن تنمية الدول الفقيرة وعلاج مشاكل القروض الخارجية بها منذ سنوات.
وقد طالب فيه أن تقوم الدول الغنية المتقدمة كالولايات المتحدة الأميركية وانجلترا وفرنسا وبلجيكا وغيرها بتحمل مسؤولية تنمية الدول الفقيرة التي توقفت عن سداد الديون وانخفض متوسط الدخل بها إلى أقل من دولارين في اليوم، خاصة وأن ذلك سيكون مؤشرا لتعاون دولي خالص بعيدا عن الاستغلال والظلم الذي ساد القرون الماضية وامتدت روافده إلى القرن الذي نعيش فيه وأصبح سببا جوهريا لعمليات الإرهاب التي نسمع عنها.
ولاشك أن الدول العربية الغنية عندما تتعاون مع الدول العربية الفقيرة فإن ذلك سيكون مؤشرا سليما للتعاون العربي الخالص لصالح الطرفين وداخل منطقة واحدة وموجها للشعب العربي ككل والذي سيبني إن شاء الله سوقا عربية مشتركة ثم اتحادا اقتصاديا واحدا لصالح الأجيال القادمة حيت تنتهي القيود على تنقلات الأشخاص والسلع والأموال والخدمات- مؤشرا للتعاون العربي القومي الذي يقول البعض إنه غير متوافر حاليا.
إن السوق العربية المشتركة إذا صدر قرار القمة بإنشائها وتشكلت مجموعات العمل التي ستضع خطوات الإنشاء، فسوف تكون انجازا كبيرا للأمة العربية، وسوف ينقلها من التخلف الذي ينتشر في أجزاء عديدة من الوطن العربي إلى التقدم الذي يتطلع إليه الشعب العربي.
والذي يمكن أن يعالج كل المشكلات التي تؤرق المنطقة العربية والتي لن يكون لها علاج ايجابي وسريع إلا إذا أنشئت هذه السوق.. على أسس سليمة وبخطوات منظمة وبرنامج زمني عملي قد يتطلب قمة اقتصادية أخرى لإقراره.
كاتب ومحلل اقتصادي مصري
