وراء أي ظاهرة إجرامية العديد من الأسباب، التي إن سمح المجتمع بوجودها، بعدم السبق في الوقاية منها، فعليه أن يتوقع نتائجها الخطيرة، بل وعليه الاستعداد لدفع الثمن، أسباب اقتصادية وأسباب اجتماعية وأسباب مرضية، لكن يسبقها ويليها الأسباب الأخلاقية.

القانون قد يردع لكنه وحده لا يكفي للعلاج لأنه لا يحمي المغفلين، والتوعية قد تمنع أعداداً من الوقوع في شراك النصابين، لكنها وحدها لا تمنع وجود السارقين، والشرطة يمكنها القبض على المجرمين وتقديمهم للعدالة، لكنها وحدها لا تستطيع منع العديد من الجرائم الاقتصادية كالنصب والغش والاستغلال والرشوة والسرقة والفساد.

سيادة القيم الأخلاقية قد تشكل سورا عاليا للوقاية من الجريمة، لكن يبقى العامل الأساسي لمكافحة الظواهر الإجرامية، لا بهدف منعها تماما ولكن لتقليل نسبتها، هو معالجة أسباب الظاهرة من ضعف إيمان وبطالة وفقر وفساد، وليس الاكتفاء بمواجهة آثار نتائجها ومعاقبة مرتكبيها.

وإذا كان صحيحا أن القانون بالردع يشكل وسيلة مصدر إلزام قانوني للأفراد، فإن الثقافة الدينية التي يحاول البعض تغييبها عن التربية والتوعية أقوى من القانون لأنها مصدر الالتزام الخلقي من داخل كل فرد، والثقافة الأخلاقية بغير كفاية اقتصادية واجتماعية.

وتوفير الحد الأدنى لكل من يعيش في المجتمع لا تكفي لتسد باب الشياطين. فمما لا خلاف عليه أنه إذا ضاع الإيمان غاب الضمير، وإذا غاب الضمير ضعف مصدر الالتزام في كبح الذات الإنسانية بما يسمح للنوازع الشريرة أن تنطلق من عقالها، بما يبقى الضمير الإنساني هو رجل الشرطة الأول والقاضي الأول في مواجهة النفس الضعيفة.

ومجتمع الإمارات ظل دائما واحة للأمن والأمان بفضل من الله، ثم بفضل حضور غلاب للقيم الإسلامية التي تنشر التكافل والتراحم بين الناس، وتوفر العمل وتساعد الفقير، من خلال مؤسساته الخيرية ومبادرات الخيرين من أفراده، وبتأثير التقاليد العربية في الأمانة والكرم والسماحة وإحقاق الحقوق، وبفضل عدالة القانون الذي لا يفرق بين الناس في الحقوق، ونتيجة للجهوزية العالية لرجال الشرطة.

لكننا في السنوات القليلة الماضية، وبسب غياب عدة عوامل للوقاية من الجريمة، والاقتصادية منها على وجه الخصوص، وفي الوقت الذي زادت فيه وسائل ملاحقة الجريمة ومعاقبة مرتكبيها بعد وقوعها بما قد يوفر العلاج، لابد لنا أن نعترف أننا بدأنا نشهد أنواعا جديدة من الجرائم التي لم تكن شائعة من قبل، كالنصب والتزوير والغش والسرقة واستحلال حق الغير.

وسأعرض هنا سببا واحدا، هو مشكلة ارتفاع الإيجارات وندرة المعروض من الإسكان لمتوسطي ومحدودي الدخول، لنشأة نوع واحد من جريمة واحدة هي النصب استغلالا لمعاناة الناس من محدودي الدخل، وقصة واحدة تتكرر بأشكال مختلفة بسبب هذه الأزمة.

قبل أسبوعين هاتفني رجل يسأل في كيفية التصرف في واقعة نصب تعرض لها، وحكى لي وهو في غاية الارتباك أنه يسكن في شقة كبيرة لكنه نتيجة لارتفاع الإيجارات الباهظ الذي يفوق قدرته قرر البحث عن شقة صغيرة من غرفة واحدة، وبدأ رحلة المتاعب المضنية للبحث عن شقة.

وبعد جهد طويل استوقفه إعلان في إحدى الجرائد الإعلانية، وظن أنه وجد ضالته، واصطحبه المعلن لمعاينتها فارغة، ووقع معه العقد، وطلب منه إيجاراً لستة أشهر بقيمة 30 ألف درهم دبرها بصعوبة وتسلم إيصالا بها، وفي موعد الاستلام ذهب تسبقه الفرحة، بعد أن باع أثاثه القديم واشترى أثاثا جديدا للشقة الجديدة.

لكن مفاجأة غير سارة كانت في انتظاره، إذ وجد أسرة أخرى تسكن بالشقة، ليس فقط، بل فوجئ المسكين بأسرة أخرى قادمة في نفس التوقيت ومعها عقد إيجار مماثل من ذات المعلن، ودفعت مبلغا مماثلا للمؤجر وتريد استلام الشقة، بينما الوحيد الذي لم يأت كان «المؤجر النصاب» الذي تحول إلى « فص ملح وداب».

وفي مركز الشرطة تبين أن الأسرة الأولى مستأجرة أصلية من دائرة الخدمات، وأن النصاب بشكل أو بآخر حصل على مفتاح، واستغل فراغ الشقة من السكان الذين كانوا خارج البلاد، ومن الشرطة إلى النيابة، ومن النيابة إلى التحريات، ومن التحريات إلى معاناة الانتظار بحثا عن شخصية النصاب، الذي اعتقد الجميع أنه قد غادر البلاد، لولا عناية الله وجهود المساكين المخدوعين وسرعة مبادرة الشرطة.

وبإعلان مماثل هذه المرة بالانجليزية لشقة أخرى، ومن رقم هاتف آخر، اشتم أحدهم أنه بداية الخيط فقرر مواصلة اللعبة، إما أن تكون حقيقة فيظفر بشقة، وإما أن يكون نصابا آخر فيحرص على القبض عليه.

لكن المفاجأة السارة حين رآه، تذكر أنه رآه من قبل في الخديعة الأولى مع النصاب الأول دون أن يراه النصاب الثاني، فوعده بإحضار المبلغ في موعد الاستلام، وأبلغ المخدوع الثاني، وقاما بإبلاغ الشرطة، وتم القبض عليه.

اعترف النصاب الثاني، وتبين أن النصاب الأول مزور لأكثر من صورة لجوازات سفر لآخرين وضع عليها صورته، وأنه لم ينهب ويهرب كما يفعل اللصوص، بل كان يواصل عمليات نصبه ببرود أعصاب بأسماء وجوازات أخرى في إمارات أخرى، وقد تم القبض عليه بمساعدة زميله، واعترف وأحيل للمحكمة.. عظيم.

ليبقى السؤال.. أليست أزمة ارتفاع الإيجارات وأزمة المعروض من المساكن للطبقات المتوسطة هي سبب نشوء هذا النوع من الجرائم؟

..وكيف سيحصل هؤلاء المساكين على أموالهم التي لا يملكون غيرها؟ وماذا يجديهم حبس النصابين بعد ضياع أموالهم؟

..وكم قصة؟ بل كم مأساة أكبر من هذه المآسي حدثت للكثيرين، ومن الكثيرين وافدون ومواطنون أكبر من هذين المثلين؟

..وكم من الجرائم الأخلاقية ترتكب يوميا بسبب ارتفاع الإيجارات الباهظ والفجوة الواسعة بين العرض والطلب في المساكن غير الفاخرة لمحدودي ومحددي الدخول؟

صحيح أنه سبب واحد، لكن الأكيد أنه ينتج عشرات الجرائم ومئات المآسي بسبب «مافيا النصابين والمستغلين» في سوق العقارات، الذين يثرون من معاناة البسطاء الباحثين عن شقة صغيرة للإيجار غير الكبير.

.. وأخيراً، مطلوب حل اجتماعي نابع من القيم الإسلامية والتقاليد العربية يحمي البسطاء والضعفاء، يوفر لهم المأوى اللائق ولو كان صغيرا، وبإيجار شهري يقدرون على دفعه لو كان ممكنا، بما يرفع عنهم معاناة الأزمة وتوابعها.. حل وقائي وجذري يعالج الأزمات قبل تفاقمها ليمنع الأسباب التي تساعد على نشوء الجريمة، وليس ذلك بالأمر المستحيل مع إمكانية الاستثمار الحلال للمال ووعي الاقتصاديين الخيرين من الرجال.

كاتب ومحلل اقتصادي

mamdoh77t@hotmail.com