ماذا يعني القول: «صنع في دبي»؟ إنه يعني أن العمل المطلوب صنع طبقا لمفهوم دبي في تحقيق الإنجاز المتميز ووفق معايير ومتطلبات ومواصفات محدودة يمكن إيجاز بعضها كالآتي: التفوق - التغلب على الصعاب - صهر الجهود في بوتقة النجاح - التجارب الحضارية - صنع ظروف النجاح - الإيجابية - ابتكار الحلول - الأمن والاستقرار - الاستمرارية.

تلك كانت سطور تم اقتباسها من كتاب «رؤيتي» لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي. في الماضي القريب كان التلفاز يحوي بضع قنوات وكلها قنوات أرضية لا تعمل إلا في الساعة العاشرة صباحاً وحتى منتصف الليل.

وكانت هناك صحيفتان أو ثلاث وربما لا يشتري الواحد منا إلا صحيفة واحدة فقط، لم نعرف شيئاً اسمه إنترنت ولا مواقع والكثير منا لا يملك أي حاسوب أصلاً، الهواتف النقالة كانت صرعة جديدة في ذلك الوقت والرسائل النصية القصيرة لم تكن موجودة.

في مثل هذا الوقت كان السوق بكراً ولم يكن هناك الكثير من المتنافسين، الإعلانات في الصحف والتلفاز تؤدي إلى نتائج ملموسة لأن الناس لديهم وقت للانتباه إلى هذه الإعلانات، اليوم ازداد كل شيء ما عدا الوقت، ازداد عدد المنافسين في كل سوق، لدينا بضع مئات من القنوات الفضائية، مئات الصحف والمجلات، عشرات الإعلانات الموزعة في الطرق،

محلات كثيرة تتنافس على سوق مزدحم، كل شيء يقول للإنسان: انتبه لي أنا موجود هنا! لكن الناس ليس لديهم الوقت الكافي للانتباه لك أو لغيرك، فإن لم تكن مميزاً فأنت بالنسبة لهم لا شيء وغير موجود، فلماذا ينتبه لك الإنسان وأنت تقدم بالضبط ما يقدمه غيرك إلا أنك غيرت بعض الشكليات فقط؟

التميز هو المخاطرة بتقديم شيء مختلف يجعل البعض يحب ما تقدمه والبعض يكرهه، إن حاولت تقديم شيء يرضي كل الناس ستقع في فخ «المنتج دون العادي»سواء كان هذا المنتج كتاباً أو سيارة أو موقعاً أو أي شيء. لكي تجذب انتباه الناس عليك أن تكون مميزاً وإلا فما تقوله هو مجرد صوت آخر في حفلة صاخبة يصرخ فيها الناس كلهم بأعلى صوت.

لو أغمضنا أعيننا لبرهة وتأملنا فيما يميز كل مدينة من المدن الحاضرة والقديمة، فكيف سنتصور كل مدينة؟ قرطبة كانت تتميز بالهندسة المدنية وأنها مدينة العلم والعلماء، وبغداد تتميز بالعلم، والقاهرة بالأهرامات، وباريس بالعطور، وميلانو بالموضة، وهونغ كونغ بالأعمال، ونيويورك بناطحات السحاب، ولندن بساعة بج بن وتوقيت جرينتش ... فما الذي يميز دبي؟

بماذا نريد أن نسوّق دبي؟ ما المعالم الحضرية التي يرغب فيها الزائر؟ كيف نصنع المدن من لا شيء إلى شيء مؤثر في الإنسان؟ كيف صنعت المدن العظيمة القديم منها والحديث؟ ما المقومات؟ وكيف تم العمل على إظهار تميز المدينة وكيف صنع ذلك التميز؟ كيف نستطيع أن نقدم للعالم مميزات دبي؟

وماذا يجب علينا أن نعمل كي نضع المقومات لعمل نهضة عمرانية واقتصادية وثقافية؟ ما الذي وقف ويقف أمام السابقين والحاضرين من صناع القرار؟ إن صناعة المدينة ووضعها على خريطة العالم ليسا مرتبطين بأصحاب القرار فقط .

وإنما يرتبطان أيضا بأهلها وسكانها ومقدرتهم على تحمل المسؤولية ومحبتهم لها ولبعضهم البعض والغيرة عليها والشعور بالانتماء لها من جميع فئات شرائح العمل والانتماء إلى الهدف من تميز المدينة وهم المسؤولون عن رفع أو خفض تميز أو طمس هوية مدينة.

إن ما نواجه في دبي هو من صنع أيدينا، ويرون استثناء المواطن والمقيم والزائر فنحن الأساس. إن أساس ما وصلت إليه دبي هو نمط الإدارة التي تدار من خلاله، هناك فريق عمل يدير دبي بقيادة صاحب السمو الشيح محمد بن راشد ولعل هذا واحد من العوامل التي ساعدت على تميز دبي وجعلتها مدينة تخرج عن النمط التقليدي لما ألفناه في مدن الجوار القريبة والبعيدة، وأضحت من خلالها دبي المدينة المتواجدة في كل المحافل والقطاعات.

لعل دبي استطاعت أن تجمع توليفة متميزة من المال والأعمال وناطحات السحاب والثقافة والتسوق والهندسة ومراكز التسوق ومدن التسوق، دبي في البداية أثبتت للعالم أنها تستطيع أن تحقق ما حققه الآخرون في سنوات طويلة وهي اختصرت الأزمنة وجعلت نفسها تقارع الجميع وكأن لسان حالها يقول هل من مبارز فأبارزه وأهزمه.

قد تجاوزت دبي ذلك وأصبحت تصدر خبراتها للجميع حتى بات اسم دبي مقترنا بالتميز والابتكار، ويبقى السؤال حائرا: ماذا يميز دبي؟ هل استطاعت دبي أن تصنع رمزا يميزها عن كافة مدن العالم؟ أم أن دبي متجهة اتجاهاً آخر وتريد أن يصبح اسمها يتمنى الجميع أن يرتبط به، بحيث إذا ما اقترن منتج معين أو مشروع أو خدمة تجتذب الجميع لأنه مكتوب عليه صنع في دبي؟.

نقطة وأول السطر ...

إذا درّت نياقك فاحتلبها، فما تدري الفصيل لمن يكون

وإن هبّت رياحك فاغتمها، فإن لكل خافقة سكون

باحث قانوني واكاديمي

rd.jamal@dc.gov.ae