إيفان سميرنوف وابناه ميخائيل وديمتري ومعهم سيرغي كليفنسكي، أربعة عازفين حملوا معهم حرارة موسيقاهم من موسكو مدينة التاريخ الزاخر بالفنون والأدب والمفارقات، إلى دبي المزهوة بحيويتها وحضورها العالمي.
قصد الضيوف الليلة قبل الماضية قاعة «بيرغرين» في فندق «رويال ميراج»، وأحيوا حفلاً موسيقياً نظمته جامعة زايد بالتعاون مع الفنانة إلينا فون هافن، في إطار أنشطتهاالهادفة لنشر الثقافة والفن الراقيين. وحضره الدكتور سليمان الجاسم مدير الجامعة وشخصيات دبلوماسية وثقافية وإعلامية، وجمع من ذواقة الموسيقى امتلأت بهم القاعة الأنيقة بديكوراتها وإضاءتها وألوانها.
ووسط صمت عظيم، ساد في أرجاء القاعة إيذاناً باشتعال الموسيقى، صعد إيفان سميرنوف، على المسرح المصمم بأسلوب شرقي، حيث الخلفية كما لو أنها خيمة عربية. «إنها الزيارة الأولى لهذا «الرباعي» إلى الإمارات.. قال سميرنوف بكلمات انجليزية نطقها بصعوبة، «لكنني أعتقد أنها لن تكون الأخيرة، لقد أحببنا دبي منذ اللحظة الأولى».
واستهل سميرنوف العزف منفرداً بمقطوعة «راندي فو» (موعد)، ليلتحق به إلى المنصة، ميخائيل ( الدرامز والطبلة) وديمتري السائر مع الغيتار على خطى أبيه، وسيرغي كليفنسكي الذي جمع بالقرب من مقعده على الخشبة، ثماني من آلات النفخ المتنوعة في أصولها الشرقية والغربية.
اثنتا عشر مقطوعة توزعت على فصلي الأمسية، تناغمت موضوعاتها في محاكاتها للتراث والفلكلور الروسي الغني، كما للطبيعة وكائناتها الحية والجامدة على السواء.. وتتالت العناوين : «أغنية غجرية»، و«موسيقى ريفية»، والأرض حيث الشمس ترسل أشعتها»، و«البحيرة الطويلة»، و«بالالايكا ستومب»، و«أغنية سبتمبر»، و«فراشة سوداء»، و«في قلب الصحراء»، و«معك»، و«بادي»، و«رقصة تيبسي».
الارتجال كان سائداً، لكن كل واحد من الأربعة، كان يعرف متى يدخل ويخرج أثناء كل مقطوعة.. تناغم بقيادة «مايسترو» ذكي، هو إيفان سميرنوف الذي استعرض تقنياته الهائلة في العزف على الأوتار حيناً، ومن خلال استيلاده الإيقاعات مداعباً خشب غيتاره أحياناً أخرى.
وسميرنوف المولود في موسكو عام 1955 من أشهر عازفي الغيتار في روسيا، وقد أذهل النقاد الذين وصفوا غيتاره بأنه «أكبر من أوركسترا»، في إشارة إلى مهارته في عزف موسيقى الجاز والغجر واحياء الفولكلور.
وبينما ظهرت جلية عناصر الطبيعة، الطيور والهواء وأصوات الذئاب في «البحيرة الطويلة» عبر آلات النفخ التي استخدمها تباعاً سيرغي كليفنسكي، وتنوعت بين المزمار والناي و«المنجيرة» ذات الأنغام الشرقية، والأبواق وموسيقى «القرب» الاسكتلندية.
أطلق سيرغي جنونه الجميل في عزفه المتواصل على الآلات المتنوعة، وكان الأغرب بينها، واحدة على شكل عصا طويلة، قام يراقصها عزفاً ومدندناً كلاماً غجرياً.
في «الأرض حيث الشمس ترسل أشعتها»، ثمة جسور موسيقية متنقلة على إيقاع آلات النفخ، أما «في قلب الصحراء»، فتبادل سميرنوف مع نجله الغيتارات ليبدآ جدلاً موسيقياً رائعاً.
في «فراشة سوداء»، لعب ميخائيل على «الأكورديون»، بينما حمل سيرغي آلة من آلات النفخ التي وضعها قريباً من متناوله، ليقدم عبر كل واحدة منها،عينة من الموسيقى الأخاذة التي جعلت القاعة تضج تصفيقاً.
ظلت الموسيقى تصدح لغاية الحادية عشرة ليلاً.. التعب لم ينل من العازفين، وما انتاب الملل نفوس الحاضرين، بينما ترك هؤلاء «السحرة» انطباعات رائعة عن أمسية لا تنسى.
دبي ـ إسماعيل حيدر
