تعرض بعض الصالات المحلية شريط «هافن» متأخرة ثلاث سنوات عن تاريخ إنتاجه، من دون أي توضيحات مرفقة. مع ان «هافن» اختير في العام (2004) ليكون فيلم الافتتاح في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي. تدور أحداث الفيلم فوق إحدى جزر «الكيمان» الخلابة بطبيعتها، والمتحولة إلى «ملجأ»، كما هو اسم الشريط، لكل الهاربين من سلطات بلادهم بسبب جرائم مالية على الأرجح، وهي بلاد مغرية لمدمني المخدرات يرتادونها ليتمتعوا بسخاء إمكانية الحصول على مبتغاهم بسهولة. فهذه الجزر الصغيرة والنضرة، ليس فيها «اقتصاديات» جدية.
إذ ان لا قطاعات إنتاجية قادرة على التصدير. وفي القرن الثامن عشر كما يخبر الشريط، تحطمت على شواطئها سفن وبواخر خلال عاصفة مدمرة، على متن إحداها كان ابن الملك البريطاني، الذي انقذ من الغرق على أيدي سكان الجزيرة من صيادين وغيرهم، ما دفع بالملك ان يعفي أهل الجزية من دفع أي ضرائب.
مخرج الفيلم الشاب فرانك إي فلاورز مولود على هذه الجزيرة. درس السينما في أميركا، والحياة في مسقط رأسه. يتمتع بحس روائي قوي، وبشكل أدق يمتلك قدرة على ان يقص مجموعة أحداث من غير الضروري ان تترابط ببعضها أفقياً، لكنها تتجمهر حول بعضها عموديا، أي أنها تلتقي حول بعضها بصيغتي المكان والزمان وليس بالترابط السردي الكلاسيكي. فالمخرج متأثر بقوة في فن الرواية الحديثة، خصوصا تلك الأميركية اللاتينية.
ويتناول أحداث من عدة أماكن. من منتصفها تارة ومن أواخرها تارة أخرى، لا فرق كون ليس من حكاية محددة تروى. فهو يقدم المكان كخشبة مسرحية وفضاء تدور داخله الشخصيات منتجة أحداثها، في مواقف متناقضة قدرية، مليئة بالحب والغدر والحقد العنصري والخيانة والضياع والجرائم بنوعيها «الصغيرة والكبيرة». متفرقات الصورة هذه تجتمع في كادر واحد. أحياناً بدا كادرا مفككا لكنه يتطابق مع طبيعة النص، وطبيعة الواقع القاسي، المسمى الحياة الحديثة، باسمها فقط.
الممثل اورلاندو بلوم يؤدي دور الشاب «شاي»، الصياد الخجول الذي فقد والده بشجار عندما كان طفلا. الحادث يؤدي به إلى مستوى من مستويات الانغلاق على الذات. علاقته بوالدته معلمة المدرسة فيها الكثير من العطف والخوف عليه من مستقبل يؤدي فيه إلى ما أوصل والده إلى الحتف. مقابل الخوف من الموت، تنتصب علاقته بالحياة عبر علاقته الغرامية ال«روميو جولياتية» اذا صح التعبير، مع ابنة رب عمله الميسور اندريا (الممثلة زوي سالدانا).
العلاقة التي تغيظ الأب المتعجرف والشقيق العنصري، الذي يبادر إلى إحراق جانب من وجه «شاي» بالأسيد. ويدفع شقيقته إلى ضياع في عالم الإدمان. كارل ريدلي (بيل باكستون)، ثري أميركي لا نعرف كيف جمع ثروته يفر إلى ارض الجزيرة مع ابنته «بيبا» (اغنيس بروكنر)، هاربا من رجال الضرائب الذين يطاردونه.
الابنة ترفض هذا الفرار أولاً، ولا تلبث أن تنصاع بعد تعرفها في اليوم الأول على الشاب «فريتز» ) فيكتور راسك)، الذي ينام في غرف الفنادق خلسة، ويستخدم قوارب الآخرين وسياراتهم بدافع اللهو، بدون علمهم. وهو متورط مع عصابة مخدرات صغيرة تروج بضائعها في حفلات اللهو والصخب.
تنقاد هذه الشخصيات إلى قدر، كانت تسعى إلى عكسه. «شاي» يقتل من احرق وجهه. ريدلي يعتقل ويتعرض للخيانة. الآباء والأمهات يفجعون بمصير أولادهم. فريتز يتعرض للضرب المبرح على يد شرطي عنصري. ووحدهم الهامشيون يبقون على حالهم. كأن الحياة الطبيعية ليست موجودة إلا في الهوامش.
المخرج فرانك إي فلاورز، ليس لديه سجل طويل من الأعمال. تنتمي سينماه إلى نوعية السينما المستقلة والباحثة عن صيغ جديدة ولغة غير مألوفة. وهي سينما تنتمي إلى مؤلفها محاورة القدر والأوهام. المخرج يكتب نصه ويصور رؤية متكاملة في مبناها ومعناها. فيلمه الأول في العام (2003) «الجرعة»، الحائز عنه عدة جوائز، ظهرت فيه إشارات كثيرة لاتجاهات لها مذاق خاص عند هذا المخرج الذي تستقطبه الحياة وأوهامها وصورها المتناقضة. «هافن» أو «الملجأ»، فيلم بلغة بسيطة يعبر عن قضايا معقدة وقاسية.
دبي ـ حسين قطايا
