دخلت الإمارات مرحلة أكثر رحبةً واتساعاً صوب تأكيد دورها كفاعل مالي عالمي يخاطب المستقبل ويتعامل مع ضرورات الواقع، وبقدر إسهام عامل الجغرافيا في ارتقائها سلم الصعود إلى مصاف المراكز المالية العالمية، من ناحية إكسابها المجتمعات البشرية التي قطنت ضفاف شواطئ الدولة بثقافة «الانفتاح على الخارج» والتي تعتبر المكون الأهم في النمط الثقافي للمراكز المالية.
فانه وبالقدر ذاته، أثر امتلاك الدولة ترياق النجاح، في الاستفادة من مقومات الجغرافيا، ويعد هذا الترياق مزيجاً فريداً من نوعه، حيث تجتمع فيه الأحلام والتطلعات التي تطاول عنان السماء، مع الرؤية الثاقبة والمدروسة التي تخاطب المستقبل، إلى جانب التحرك المدروس على ارض وعرة مليئة بتعرجات ونتوءات استعصت على كثيرين، إما بسبب الاستخفاف والاستهانة بهذه المصاعب، وإما بسبب عدم امتلاك مقومات السير على هذا درب المفروش بالأشواك.
انطلق مركز دبي المالي العالمي على هذه الأرضية الاجتماعية والثقافية والجغرافية، وصار عمره ليس محسوباً بالسنوات القليلة التي أعقبت انطاقه، بل جسدت لحظة ميلاده تقاليد ومواريث ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، ولهذا، تمكن في غضون فترة وجيزة من اكتساب الصفة العالمية أسوة بالمراكز المالية العتيدة على غرار تلك الموجودة في وول ستريت ولندن، حيث تتقاسم أغلب هذه المراكز صفة أنها في الأصل «موانئ».
وهو ما يجعل من سكانها أكثر تطلعا إلى الخارج. وينطبق هذا الأمر على الإمارات التي ارتبطت على مدار حقب التاريخ بحركة ازدهار التجارة بين الضفة الغربية من الخليج العربي والبلدان الواقعة فيما وراء مياه الخليج المفتوحة، وهو الأمر الذي ساعد على ازدهار التجارة في هذه البقعة الجغرافية من العالم.
وساهم كذلك في مزج مجتمعات هذه المنطقة بثقافة التطلع إلى ما وراء البحر، وطبعها ببصمات شكلت نسيجها الثقافي حتى الآن، وهي قبول التنوع والتعدد الثقافي والتسامح مع ثقافات الشعوب الأخرى الذي يعد احد المكونات الرئيسية لثقافة المراكز المالية العالمية المزدهرة.
تجسد هذا الواقع بتضاريسه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في الرؤية التي عبر عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في فبراير 2002 وهدفت إلى تحويل دبي إلى مركز مالي دولي معترف به كمقر نشط للتمويل المؤسسي لتحفيز التطور
والازدهار والنمو الاقتصادي في دولة الإمارات والمنطقة بشكل عام، والمساهمة بشكل فعال في استقطاب تدفقات رؤوس الأموال والاستثمارات إلى المنطقة، واستعادة نسب متزايدة من رؤوس الأموال العربية المستثمرة في الخارج والتي تقدر بقرابة التريليون دولار.
أدرك القائمون على مركز دبي المالي العالمي أنه من المتعين عليهم السير على طريق وعر وشائك لتحويل هذه الرؤية إلى واقع معاش على الأرض، انطلاقا من اعتقاد راسخ بأن تأسيس واجهه براقة تحمل يافطة «المركز المالي العالمي» شيء، وامتلاك مركز مالي عالمي حقيقي شيء آخر، والاحتفاظ بهذه المكانة شيء ثالث،
حيث لا يعد إطلاق المراكز المالية أمراً صعباً أو مكلفاً، بالنظر إلى احتياج هذه المراكز بالدرجة الأولى إلى رأسمال بشري أكثر من احتياجها إلى الاستثمارات الرأسمالية، وبالتالي، يمكن للمراكز المالية أن تتلاشى وتختفي بسرعة، إذا لم تفلح في تأسيس بنية تحتية تنظيمية تحظى بثقة التجار والمستثمرين من مختلف شرائح السوق، وإذا لم تفلح في إقامة بيئة أعمال مؤاتية لتدفقات.
خبرات التاريخ
وضع القائمون على مركز دبي المالي نصب أعينهم على تجارب المراكز المالية العالمية ليستقوا منها الدروس، فعلى مدار التاريخ، تألقت دول ومدن كمراكز مالية، ولكن استطاع القليل منها البقاء والاستمرار، فقبل عام 1870، ظهر عدد كبير من المدن التي تقدم خدمات مالية عالمية وإقليمية،
وشملت كل من امستردام وبرلين وفلورنسا وفرانكفورت وهامبورغ وجنوا ولندن وميلان ونيويورك وباريس وفيلادلفيا ورما وفينيسيا، ودخلت هذه المدن في منافسة شرسة على جذب الأعمال، ولكن مع حلول نهاية هذه الحقبة، بدأت كل من باريس ولندن في الظهور كمراكز مالية عالمية قوية، واشتبكت المدينتان بدورهما في منافسة لا هوادة فيها.
وبعد عام 1870، وانتهاء الحرب الروسية الفرنسية، وهزيمة فرنسا على يد الألمان، فازت لندن بمكانة المركز المالي العالمي المسيطر، وظلت تتمتع بهذه المكانة حتى نشوب الحرب العالمية الأولي في عام 1914، وبعد الحرب، تحدت مدينة نيويورك وضعية مدينة لندن كمركز مالي عالمي،
ولكن المدينتين تقاسمتا هذه المكانة حتى حلول فترة الكساد الكبير الذي ضرب الاقتصاد العالمي في الثلاثينات من القرن العشرين، وفي هذا الوقت، تمكنت مدينة نيويورك من التفوق على لندن، وتمتعت مدينة نيويورك بوضعية المركز المالي العالمي الأول خلال فترة الحرب العالمية الثانية والسنوات التي تلتها،
وذلك حتى صدور مجموعة من اللوائح التنظيمية المقيدة للبنوك والتي قيدت قدرتها على تقديم معدلات فائدة تنافسية على الودائع، وهو ما شجع العديد من المودعين على توجيه أموالهم إلى الخارج، وسمح التطور في أسواق السندات والعملات الأوروبية خلال فترة السبعينات بأن تقوم البنوك بعرض خدمات القروض والإيداع خارج الولايات المتحدة وهكذا ونتيجة للقيود في الولايات المتحدة، تحرك حجما ضخما من النشاط المالي الدولي إلى لندن مرة أخرى.
تصورات ومفاهيم
وضع القائمون على مركز دبي المالي العالمي جملة من المفاهيم والتصورات، بناء على الخبرات التاريخية المستقاة من حركة صعود وأفول المراكز المالية العالمية، وشكلت هذه المفاهيم الأسس التي نهض عليها بنيان المركز، ووفرت كذلك الحصانة والمناعة ضد التحديات والعقبات الموروثة التي طالما عانت منها مراكز عالمية مالية رئيسية، وتتمثل هذه المفاهيم في التالي:
أولا، أن تنسجم اللوائح التنظيمية والقوانين والتشريعات مع أفضل الممارسات الدولية المطبقة في هذا المجال، لكي يتسنى جذب كبريات المؤسسات المالية في العالم، وأن يتم وضع هذه القوانين على أساس نماذج القوانين المطبقة في المراكز المالية في المملكة المتحدة وسنغافورة.
بحيث يتكامل هذا الإطار التشريعي العالمي المستوى، مع القوانين الشاملة لمركز دبي المالي العالمي، مما يوفر للمؤسسات المالية التي تختار العمل انطلاقاً من المركز بيئة عمل مألوفة لها، كما يمنحها الثقة القانونية بسلامة البيئة التي تنشط بها. علاوة على أن يكون الإطار القانوني للمركز منسجما مع المعايير السارية في منظمات كمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «أوسيد» ومنظمة «قوة مهام العمل المالي» المختصة بمكافحة غسيل الأموال، واتفاقية بازل 2.
ثانيا: أن يتمتع مركز دبي المالي العالمي بسلطة قضائية وقانونية مميزة، تكفل له بأن يصبح جهة منظمة تتمتع بالاستقلالية التنظيمية، وبحيث تشكل استقلالية سلطة دبي للخدمات المالية المحور الأساسي لمفهوم مركز دبي المالي العالمي مع التنسيق الكامل مع الجهات التنظيمية في الداخل.
ثالثا: أن تغطي قوانين المركز مختلف العمليات والأنشطة، وتشمل: القانون التنظيمي، قانون الشركات، قانون تطبيق التشريعات المدنية والتجارية، والقانون المتعلق بتطبيق تشريعات مركز دبي المالي العالمي وقانون شركات المسؤولية المحدودة وقانون العقود وقانون الإفلاس وقانون التحكيم وقانون حماية البيانات وقانون الشراكة العامة وقانون الأسواق وقانون تنظيم الأنشطة الإسلامية.
رابعا: أن تكون القوانين والنظم التي تحكم عمل المركز واضحة مسبقاً للمصارف والمؤسسات المالية الدولية الكبرى. بأن يتم وضعها وفقا التشريعات المتبعة في مدينة لندن، وأن يتم صياغتها باللغة الإنجليزية التي تعتبر لغة المال والأعمال الدولية.
خامسا: أن يكون النظام القانوني مرنا، وذلك على نحو يسمح بتطويره بشكل مستمر بما يتوافق مع التغيرات المستجدة في البيئة القانونية العالمية. وأن يراعي توفير بيئة تشريعية دولية المستوى تتسم بقدر كبير من الشفافية وتجسد في الوقت نفسه استقلالية المركز وتمتعه ببيئة تشريعية تستند إلى أرقى الممارسات الدولية في هذا المجال.
سادسا: أن يعمل المركز على توفير الشفافية في كافة المراحل وليس الترخيص فقط. وأن تلتزم الشركات بالشفافية في عملها. علي اعتبار أن المركز يوفر بيئة عمل عالمية وليست محلية.
واجه القائمون على المركز منذ لحظة إطلاقه الأولى تحدي تحويل هذه المفاهيم والتصورات إلى إطار عمل تنظيمي وقانوني موجود على أرض الواقع رحلة لم تكن حافلة بالإحداث السارة، وإنما بالعديد من التحديات التي كان من المتعين عليهم مواجهتها والتوصل إلى حلول لها من دون التفريط في جودة المقاييس والمعايير المستهدفة،
وواجهوا في هذا المجال لحظات مخاض صعبة، جرى تضخيمها من جانب بعض المحللين بتحميل المسؤولين في المركز مسؤولية تقويض المصداقية التي اكتسبتها الدولة في تنفيذها للمشروعات العملاقة، وزعم البعض الآخر أن الدولة تقف على قدم مشلولة في تنفيذها لهذا المشروع الضخم ودخل آخرون في لعبة التكهن بما هو وراء الكواليس حول منازعات وصراعات لم تكن موجودة سوى في ذهن هؤلاء الذين روجوا لها.
وفي غمرة هذا المناخ المفعم بالإحباط، تحرك مركز دبي المالي العالمي قدما في تنفيذ خططه، وحدد نقطة انطلاقه، بأن وضع مسودة القوانين التي ستحكم أدواره المختلفة كمنظم لسوق مالية عالمية ومرخص للشركات والمؤسسات المالية.
المرسوم الاتحادي
وشكل قيام مجلس الوزراء الاتحادي في يوليو 2004 بإصدار مرسوم اتحادي، يجيز إقامة مراكز مالية تتمتع بصفة المناطق الحرة، خطوة ضخمة على طريق تشييد صرح مركز دبي المالي العالمي، وعلى طريق إقامة مركز مالي على غرار الأحياء المالية في لندن وول ستريت وطوكيو وهونغ كونغ، وسمح هذا المرسوم بأن يجعل موضوع مركز دبي المالي العالمي على أجندة المناقشات في اجتماعات البنك وصندوق النقد الدولي التي استفاضتها دبي في سبتمبر 2004.
ويعتبر المرسوم الاتحادي ابتكار دستوري غير مسبوق، فهو يتيح لمركز دبي المالي العالمي درجة عالية من الاستقلالية، ويكسب المركز وضعا متميزا في الاقتصاد العالمي، بحيث يكون جاذبا للشركات والبنوك الرئيسية في العالم. وأعطى المرسوم الاتحادي دفعة قوية للمركز على المستوى العالمي، وانعكس ذلك في تدفق الطلبات من مؤسسات الخدمات المالية الدولية للاستفسار عن أحكام المرسوم الاتحادي.
ونظرا لكون الهدف من المرسوم الاتحادي هو إصباغ الصفة القانونية على مركز دبي المالي العالمي، فقد بدا جليا أن الخطوة التالية في تحرك المركز، هي سن القوانين الخاصة ببناه التنظيمية حتى يتوفر له الأساس لقيامه بإصدار التراخيص للمؤسسات المالية، إلى جانب القوانين التي سوف تحكم أنشطته.
خاصة وأنه حدد طيفا متنوعا من الأنشطة في مجال صناعة التمويل، وهي: إدارة الأصول، التمويل الإسلامي، التأمين وإعادة التأمين، عمليات الدعم الإداري، وتأسيس سوق مالي إقليمي لتشجيع بروز سوق فاعل وعابر للحدود لرأس المال السائل.وبالتالي تغطي قوانين المركز مختلف العمليات والأنشطة
التي ستتم ممارستها ضمن مركز دبي المالي العالمي والتي تشمل: القانون التنظيمي، قانون الشركات، قانون تطبيق التشريعات المدنية والتجارية، القانون المتعلق بتطبيق تشريعات مركز دبي المالي العالمي، قانون شركات المسؤولية المحدودة، قانون العقود، قانون الإفلاس، قانون التحكيم، قانون حماية البيانات، قانون الشراكة العامة، قانون الأسواق وقانون تنظيم الأنشطة الإسلامية.
وضع اللبنات القانونية
وعليه، توالي وضع اللبنات القانونية لمركز دبي المالي، فمن ناحية أصدر المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، خمسة قوانين معنية بشؤون التعاقد والعمل والضمانات في مركز دبي المالي العالمي. ومن ناحية أخرى وافق مجلس إدارة سلطة مركز دبي المالي العالمي على إصدار الأنظمة واللوائح التي تحكم عمل الشركات وتتمثل في التالي:
قانون رقم (4) لسنة 2005 بشأن العمل: ويحدد هذا القانون الحد الأدنى من إجراءات العمل بما يضاهي المعايير العالمية بهدف تعزيز المعاملة العادلة للعامل وصاحب العمل على حد سواء.
قانون رقم (5) لسنة 2005 بشأن الالتزامات: ويعمل هذا القانون على إيجاد إطار يتيح للمدعين الحصول على حقوقهم في الدعاوى غير التعاقدية، ويحدد حالات نشوء الالتزام وكيفية تسوية المنازعات الخاصة بها.
قانون رقم (6) لسنة 2005 بشأن الشروط المضمنة في العقود والشروط الجائرة: ويعنى هذا القانون بعدالة العقود الخاضعة لقوانين مركز دبي المالي العالمي، من خلال توضيح الشروط والظروف التي لا يتم عادة تضمينها في العقود، وخلق الإطار اللازم لتنفيذها.
قانون رقم (7) لسنة 2005 بشأن الضرر والتعويض: ويحدد هذا القانون الهيكل اللازم لضمان الحصول على التعويض والسبل الأخرى لاستيفاء الحقوق في مركز دبي المالي العالمي.
قانون رقم (9) لسنة 2005 بشأن الضمانات: ويحدد هذا القانون عدة أنواع للضمانات التي يمكن اعتمادها لضمان تسديد الديون ويحدد الإجراءات اللازمة لصحتها وتنفيذها.
وتعد هذه القوانين والإجراءات جزءا من التشريع الخاص بالأنشطة غير المالية، والتي هي من اختصاص سلطة مركز دبي المالي العالمي بموجب قانون دبي رقم (9) لسنة 2004 في شأن إنشاء مركز دبي المالي العالمي، بينما يناط بسلطة دبي للخدمات المالية (DFSA) مهمة الإشراف على جميع التشريعات الخاصة بتنظيم الخدمات المالية والخدمات المساندة والمرتبطة بهذه الخدمات وذلك بموجب نفس القانون.
وكانت سلطة مركز دبي المالي العالمي قد قامت بعرض مسودة القوانين والنظم والإجراءات على موقعها الالكتروني، قبل طرحها على مجلس الإدارة وذلك بهدف الحصول على تعليقات المجتمع القانوني والمؤسسات المالية الدولية، حيث قام المجلس التشريعي في سلطة مركز دبي المالي العالمي بوضع هذه القوانين والإجراءات بما يتماشى مع القانون رقم (9) لسنة 2004، من خلال لجنة تشريعية تابعة للمركز وبالتشاور مع سلطة دبي للخدمات المالية (DFSA).
وتصدر الإجراءات والنظم التي تشمل «إجراءات الشركات في مركز دبي المالي العالمي DIFC Companies Regulations من قبل مجلس إدارة سلطة مركز دبي المالي العالمي بموجب السلطة الممنوحة له بموجب القانون رقم (9) لسنة 2004،
حيث تصف هذه الإجراءات، النظم والعمليات والخطوات الواجب اتباعها والتي تتوافق مع قانون الشركات لمركز دبي المالي العالمي رقم (2) لسنة 2004 الخاص بإنشاء وإدارة المؤسسات من الناحية القانونية والمسجلة في مركز دبي المالي العالمي، وتنظيم التعاون المتبادل بين هذه المؤسسات من والى المركز وكذلك تحديد الرسوم والتكاليف الأخرى التي تتضمنها مثل هذه النظم.
وتعد هذه الدفعة من مشاريع القوانين والتشريعات خطوة مهمة على طريق استكمال البنية التشريعية والقانونية التي تحكم مختلف الأعمال ضمن مركز دبي المالي العالمي. وأتى إعدادها في أعقاب صدور 4 قوانين تشريعية مالية و8 قوانين عامة/تجارية في 16 سبتمبر 2004 بموجب أمر محلي صدر عن المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم.
وشهد 20 سبتمبر (2004 أيضاً، بدء المركز في إصدار التراخيص للمؤسسات التي تقدمت بطلبات للعمل فيه، حيث كان بنك جوليوس باير السويسري للخدمات المصرفية الخاصة أول مؤسسة تحظى بترخيص للعمل في المركز، وتبع ذلك إصدار تراخيص لمؤسسات أخرى منها ستاندارد تشارترد وصندوق مجلس التعاون الخليجي للطاقة. وبالإضافة إلى ذلك قدمت شركات دولية بارزة من أمثال كريدي سويس، دويتشه بنك، أون وميريل لينش طلبات أو أعلنت عن نيتها التقدم بطلبات للحصول على تراخيص للعمل في المركز.
وتحظى كافة المؤسسات العاملة في المركز بمزايا نوعية عديدة تتراوح بين غياب الضرائب على الدخل والأرباح والملكية الكاملة للمشاريع، وعدم وجود أية قيود على حركة العملات الأجنبية، أو إعادة توطين رؤوس الأموال- الأرباح، إلى جانب التمتع بتسهيلات الدعم التشغيلي والمرافق الحيوية لاستمرارية الأعمال.
تبلور البنيان التنظيمي
وفي السياق ذاته، بدأ البنيان التنظيمي للمركز في التبلور والوضوح، فعلى غرار مراكز المال الدولية العريقة، تعد الهيئة التشريعية المستقلة (سلطة مركز دبي المالي العالمي للخدمات المالية) أساس مفهوم مركز دبي المالي العالمي، وتضم السلطة نخبة من الكفاءات التي تتمتع بخبرات طويلة في هيئات تشريعية رائدة في مختلف أنحاء العالم.
وتعد سلطة مركز دبي المالي العالمي للخدمات المالية (دي إف إس أيه) بمثابة هيئة تشريعية وإشرافية مستقلة، مسؤولة عن منح التراخيص وتنظيم أنشطة المؤسسات المالية ضمن مركز دبي المالي العالمي، وقد تم إنشاؤها اعتمادا على نماذج التشريعات الأساسية السائدة في نيويورك ولندن، كما أن نظامها التشريعي يتوافق مع المعايير السائدة في مراكز المال، وتماشياً مع ما هو سائد في المراكز المالية الدولية الرئيسية.
ورغم أن إطلاق مركز دبي المالي العالمي شكل في حد ذاته نقلة نوعية في تاريخ المنطقة التي ستغطيها خدماته، إلا أن بلوغ ما هو مطلوب ومخطط له من مهام وادوار، ليس بالأمر الهين والبسيط، حيث أنه من المطلوب منه أن يضطلع بدور حيوي في نمو اقتصاد المنطقة وازدهارها،
وان يقوم بتعزيز الروابط بين دول المنطقة نفسها والعلاقات التي تربط هذه الدول مع بقية دول العالم، كما أنه من المطلوب منه أن يسهم في استقطاب الاستثمارات من أنحاء العالم بأحجام غير مسبوقة إلى هذه المنطقة، مما سيتيح للشركات الإقليمية الحصول على رأس المال الذي تحتاج إليه لتحقيق النمو وتطوير أعمالها .
وبعبارة أخرى، تمثلت مهمة مركز دبي المالي العالمي في العمل كجزء من آليات تسيير النظام المالي العالمي، وأن يقدم سوقا مالية تخدم المنطقة الممتدة عبر المناطق الزمنية بين لندن والمراكز المالية الموجودة في الشرق والتي تغطي كلا من منطقة الشرق الأوسط وتركيا وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية وبالتالي تكملة النظام المالي العالمي وليس الدخول في منافسة مع هذه المراكز.
واختار القائمون على المركز نهج التدرج وعدم الركض وراء اتخاذ خطوات وقرارات متسرعة لمجرد البرهنة على أن الدولة تمتلك يافطة «المركز المالي العالمي» ولكنها في الواقع العملي أبعد ما تكون عن العالمية، وبالتالي، فهم أيقنوا أن بداية الطريق لبلوغ العالمية تكمن في الانطباعات والمدركات الواقرة في عقلية التاجر والمستثمر والسمسار بشأن بيئة التداول داخل المركز، وأنه من الممكن أن يهوي المركز إلى القاع، إذا ما تسرب الشك إليهم بأن اللوائح التنظيمية والمعايير ليست هي تلك الموجودة في البورصات العالمية.
وعليه، وضع القائمون على المركز إطارا تنظيميا يحكم تسيير عمل المركز وينهض على أرقي المعايير والمقاييس العالمية المطبقة في مراكز المال العالمية، بحيث يشعر المستثمر الدولي بأن بيئة الأعمال داخل المركز هي نفسها الموجودة في مراكز المال العالمية الأخرى، وأن بدايات المركز لا تحتمل أيه أخطاء أو تعثرات،
حيث ان أي خطأ مهما صغر أو كبر حجمه سيكون كفيلا بوأد المركز قبل أن يشتد عوده ويقوى وبالتالي، فانه كان لا بد أن يكون الإطار التنظيمي من الإحكام والقوة لمنع تفادي أية أخطاء أو ممارسات تؤثر سلبا على بيئة الأعمال داخل المركز .
وعليه، تمكن المركز من إرساء إطار تنظيمي موضع فخر واعتزاز من قبل القائمين عليه، ويقول هنا الدكتور عمر بن سليمان محافظ مركز دبي المالي العالمي »ان المركز حقق في غضون عام الهدف الرامي إلى تأسيس مركز مالي متكامل في دبي وفق أرقى المعايير العالمية،
وأن من أبرز إنجازات المركز في عامه الأول، إطلاق بورصة دبي العالمية التي تعد أول بورصة عالمية في المنطقة بالمعنى الحقيقي للكلمة، يضاف إلى ذلك تأسيس إطار عمل تنظيمي شفاف ومستقر بإشراف سلطة دبي للخدمات المالية وهي هيئة مستقلة حائزة على عضوية المنظمة الدولية لهيئات الأوراق المالية(IOSCO) وقد توج المركز هذه الإنجازات بإنشاء أول نظام قضائي عالمي مستقل في المنطقة ممثلاً في «محاكم مركز دبي المالي العالمي.
وهكذا تحول مركز دبي المالي العالمي وفي وقت قياسي إلى العالمية، وحصل على اعتراف دولي بمصداقيته ومؤاتيته لازدهار الأعمال، وقام بعقد اتفاقات مع جهات عالمية بهدف تطبيق أعلى درجات الشفافية والحكومة الرشيدة، وتعزيز الثقة بالقطاع المالي الإقليمي والإسهام في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتشجيع المصارف المحلية والإقليمية على توفير التمويل اللازم للشركات الصغيرة والمتوسطة.
ويبدوا أن الرحلة التي قطعها مركز دبي المالي العالمي لم تنته فصولها بعد، بل تنتظره الكثير من التحديات التي يجب أن يتعامل معها لكي يتحول إلى بؤرة نشطة لصناعة المال على صعيد المنطقة بأسرها، وذلك حتى يصبح كيانا قادرا ليس فحسب على البقاء والاستمرار، وإنما كذلك قادرا على مواصلة مسيرته متمتعا بمقومات الازدهار والانتعاش.
مدينة مالية
تدفقت المؤسسات المالية العالمية على مركز دبي المالي العالمي، وهو ما عكس التحول الذي طرأ على المركز، بحيث أضحى أشبه بالمدينة المالية، فهي تمتلك قوانينها ومحاكمها الخاصة بها، ويتابع قضاة هذه المحاكم تطبيق القوانين، حيث يوجد في المركز نظام المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف التي تمكن المركز من التعامل مع مختلف النزاعات التجارية ضمن حدود منطقته.
في حين يتمتع المركز ببنية تشريعية عالمية تتناول مختلف القوانين المتعلقة بتسيير الأعمال في المركز بما فيها القوانين التجارية، وتعزز هذه القوانين من إمكانات المركز كمنطقة حرة تتمتع باستقلالية تامة في الوقت الذي لا تتعارض فيه مع القوانين المحلية والاتحادية ذلك أن القوانين الاتحادية تنص على قيام مراكز مالية في إمارات الدولة تتمتع بسلطة مستقلة وقوانين.
خاصة كما ان اختيار المحامين للدفاع في المحكمة يتم وفق معايير محددة بحيث يكون المحامي مؤهلا للمرافعة في دولته، حيث ستكون المداولات في المحكمة باللغة الانجليزية، وتوفر قوانين مركز دبي المالي العالمي التي تم تشريعها للمحاكم نظاماً قضائياً يلائم طبيعة العمليات التي تجري في المركز.
وتعود أسباب هذا النمو الضخم بشكل أساسي إلى ما تشهده المنطقة من معدلات نمو اقتصادية قياسية وهو ما يتيح فرصا ضخمة للمؤسسات المالية. وبالتالي، جاء هذا المركز في توقيت مثالي بالنسبة للمؤسسات المالية، حيث أصبحت المنطقة تتطلع إلى نوعية من الخدمات المصرفية لم تكن متاحة من قبل للشركات.
وحفزت السيولة النقدية التي تزخر بها المنطقة الكثير من المؤسسات المالية العالمية على الانضمام إلى المركز هذا التقاطر على مركز دبي المالي العالمي وهو حالة السيولة النقدية التي صارت تزخر بها المنطقة نتيجة لارتفاع العوائد النفطية.ووفقا لتقرير مؤسسة التمويل الدولية، من المحتمل أن يزداد الانتعاش والرخاء الاقتصاديين في منطقة الخليج، بفضل قوة العائدات النفطية التي من المرجح أن تصل إلى 300 مليار دولا في عام 2006
وساهمت الدخول الضخمة التي تحققت في ظل أسعار نفط تجاوزت 60 دولارا للبرميل في ازدهار قطاع البناء والتشييد، وتحقيق أسواق الأسهم معدلات نمو صاروخية، وقدر التقرير أن العوائد النفطية التي بلغت 61 مليار دولار في عام 1998 من المتوقع لها أن تصل إلى 291 مليار دولار في عام 2005 و305 مليارات دولار في عام 2006.
كما أنه من المتوقع أن يصعد الناتج المحلي بنسبة 25% في عام 2005، وينمو الفائض التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 40%، ومن المتوقع أيضا أن ترتفع قيمة الصادرات التي تتألف أساسا من الغاز والنفط إلى 416 مليار دولار وهو ما يوازي مجموع الصادرات لكل من البرازيل وروسيا والهند. وفي السياق ذاته، من المتوقع أن تنموا فوائض الموازنات الحكومية لتصل إلى 21% من الناتج المحلي الإجمالي.
وبعض البنوك التي تتقاطر على مركز دبي المالي العالمي تمتلك خبرة عريضة بمجال الأعمال في الشرق الأوسط مثل ستاندارد شارترد، وهناك آخرون ليس لديهم تاريخ سابق في العمل في المنطقة مثل «مورجان ستانلي» و«ميريل لينش» و« إيه بي إن آمرو».
وتتعامل بعض البنوك مثل باركليز كابيتال واستاندارد شارترد وإيه بي إن آمرو مع السوقين المحلي والعالمي، فهي تحتفظ بمكاتب في مركز دبي المالي العالمي، وفي التوقيت ذاته، تمتلك فروعا تلتزم بالقوانين الإماراتية في أدائها للأعمال وتتصرف بشكل مستقل عن المكاتب الموجودة في مركز دبي المالي العالمي.
شخصية تحت المجهر
تمكن الدكتور عمر بن سليمان محافظ مركز دبي المالي العالمي من توطيد مكانة المركز بوصفه المركز المالي الأسرع نموا في العالم، حيث يحتضن الآن ما يزيد على 270 شركة تشتمل على العديد من الشركات المالية القيادية في العالم.
وقاد معالي الدكتور عمر بن سليمان، الذي تولي في وقت سابق منصب المدير العام لسلطة مركز دبي المالي العالمي، هذا النمو الضخم لمركز دبي المالي العالمي، وفي ظل قيادته، نجح المركز في توطيد مكانته كأول مركز مالي حقيقي في المنطقة، وتثبيت موقعه بوصفه المركز الأسرع نموا في العالم.
ويهدف مركز دبي المالي العالمي إلى الحصول على اعتراف عالمي بأنه مركز للتمويل المؤسسي، وبوابة لتدفقات رؤوس الأموال والاستثمارات عبر المنطقة الممتدة من وسط وشرق إفريقيا إلى شبه القارة الهندية. وقاد كذلك معالي الدكتور عمر بن سليمان رحلة صعود المركز إلى مصاف المراكز العالمية، وسجل نجاحاً باهرا بإطلاق أول بورصة عالمية في المنطقة وهي بورصة دبي العالمية.
وقبل انضمامه إلى مركز دبي المالي العالمي، تولى منصب الرئيس التنفيذي لمدينة دبي للإنترنت، وقاد تطور المدينة لتصبح مركزاً رئيسياً للشركات العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات، بعدما نجحت في استقطاب كبريات شركات الكومبيوتر العالمية على غرار «مايكروسوفت» و«أوراكل» و«آي بى إم» و«إس إيه بي» و« كيسكو» و« سوني اريكسون» و«صن مايكروسيستيم» و«سيمينز».
واستطاع معالي الدكتور عمر بن سليمان خلال فترة توليه قيادة مدينة دبي للإنترنت من تحقيق معدل نمو للمدينة زاد 100% خلال أقل من عام واحد، وتواصل هذا المعدل من النمو على مدار ثلاث سنوات متتالية. وفي الوقت نفسه، قاد معالي عمر بن سليمان العديد من الشركات التابعة لسلطة منطقة دبي الحرة للتكنولوجيا والإعلام «تيكوم»، وهي الكيان المسؤول عن تطوير قطاعات المعرفة كتلك الخاصة بتكنولوجيا المعلومات والإعلام والطاقة والتعليم.
ويتمتع الدكتور عمر بن سليمان بالكثير من الخصائص والمؤهلات الشخصية التي مكنته من تحقيق النجاح في المناصب العديدة التي تولاها، فهو يجمع بين خصائص المخطط الاستراتيجي، ومؤهلات القيادة الخلاقة والمبدعة، إلى جانب صفات أصحاب الأعمال.
حاز معالي عمر بن سليمان على شهادة الدكتوراه في علم القيادة، كما حصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال بفرنسا، وحصل كذلك على شهادة ماجستير في مجال التعليم، وقد تخصص خلال دراسته الجامعية في الهندسة الصناعية.
يتولي معالي الدكتور عمر بن سليمان العديد من المناصب والمسؤوليات، حيث أنه يتولي منصب رئيس شركة الاستثمار التابعة لمركز دبي المالي العالمي، كما يتمتع بعضوية لجنة التجارة والاقتصاد التي شكلها مجلس دبي التنفيذي،
وهو كذلك عضو مجلس إدارة مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب، وعضو مجلس إدارة سلطة منطقة دبي الحرة للتكنولوجيا والإعلام، وعضو مجلس إدارة منظمة القيادات العربية الشابة، وعضو مجلس إدارة مؤسسة اتصالات ( اتصالات )، ويتولي كذلك منصب الرئاسة الشرفية لمجموعة أعمال التأمين ( آي بي جي).
ملء الفراغ
ملأ مركز دبي المالي العالمي وبورصته الدولية فراغا عانى منه أصحاب الثروات العربية لعقود، وهو غياب وجود مركز مالي عربي يضع ضمن أولوياته خدمات إدارة الأصول والثروات، وهو ما جعل بوصلتهم تتجه تلقائيا إلى عواصم المال في الغرب، وذلك رغم الجدل المثار دوما حول ما درجت الأدبيات العربية على توصيفه «بالأموال العربية المهاجرة»، وعجت هذه الأدبيات بالمقولات التي تزج بأصحاب هذه الثروات في قفص الاتهام،
الأمر الذي رسخ القناعة لدي هؤلاء بأن إدارة ثرواتهم بعيدا عن هذه الأرض المترامية الإطراف، هو الضمان لشعورهم بالاطمئنان على أموالهم، وهكذا ظهرت فكرة توطين رؤوس الأموال العربية على إنها مجرد خيال محض لا تمت للواقع العملي بأية صلة. ورغم تباين التقديرات بالنسبة لحجم الأموال العربية المهاجرة والتي تتراوح بين 800 مليار دولار أميركي إلى 3 تريليونات دولار أميركي.
إلا أن الأهمية الكبرى لمثل هذه الأموال تكمن في حاجة الدول العربية إليها لتمويل مشروعاتها التنموية التي يعول عليها كثيراً في دفع عجلة التنمية في العالم العربي الذي يعاني من نقص شديد في معدلات الاستثمار، وما يرتبط بها من مضاعفات تؤثر سلبا على الخدمات العامة كالتعليم والصحة فضلا عن النقص الحاد في المشروعات التي من شأنها أن تساعد في محاربة البطالة والفقر.
دبي: مجدي عبيد



