في بدايات الثمانينات تعرفت على الموسيقى الكلاسيكية من باب الفضول، والفضل في ذلك يعود إلى كولن ولسن. وإذا كان جيل «السناتر والمولات والشبكة العنكبوتية وفرسان مواقع الشات» لا يعرفونه فهو مؤلف كتاب «اللا منتمي» واحد من أمتع الكتب التي قرأتها في حياتي واعدت قراءتها عدة مرات.

ومازلت اذكر بحثي عن مؤلفات بروكوفييف وتشايكوفسكي وبرامز وفاغنر الموسيقية الوارد ذكرها في مؤلفات ولسن الأخرى، التي اقتنيتها كلها فيما بعد وكنت اقرأها بدأب وشغف كبير، في احد محلات باعة الأشرطة الموسيقية في الشارع العام في مدينة العين أغلق فيما بعد او تحول إلى محل لبيع مواد بناء.

كنت اشعر بسعادة غامرة وانأ استمع واكتشف هذا العالم الرائع المسمى بـ «الموسيقى السيمفونية الكلاسيكية»، نقرات البيانو المرهفة لرحمانينوف، ومقطوعات شيطان الكمان باغانيني، وأنات التشيلو الحزينة التي طالما كانت رفيقة وحدتي في الأيام الخالية.

في البداية عانيت من صعوبة البقاء ساكنا لمدة طويلة مستمعا بتركيز شديد إلى كل (حركة) تداعب الروح وتلامس الوجدان والمشاعر بطريقة عذبة آسرة لم أكن قد جربتها من قبل. لم أكن استمع إلى هذه الموسيقى مع أصدقاء أو أمام احد من أفراد العائلة، بل كنت غالبا ما استمع إليها منفردا في غرفتي، أو في السيارة، خاصة في ساعات الصباح الأولى وأنا متجه إلى عملي وكان في منطقة نائية خارج مدينة العين.

كان لهذه الطريقة في الاستماع فائدة كبيرة في الحقيقة في عملية «ترويض» النفس على الاستماع والتعرف بعمق أكثر على كنوز هذا النوع من الموسيقى بدون ادعاء معرفة أو تبجح أمام الأهل والأصدقاء، بأن «الأخ مثقف» ويستمع لنوع غريب من الموسيقى غير التقليدية الشائعة «الهشك بشك تحديدا».

وهذا في الحقيقة دعم فيما بعد تربية ذائقتي الموسيقية، وشدني أكثر إلى الإيغال في بحور هذا العالم الرائع الذي لا قاع له ولانهاية، فتعرفت بعدها على عالم فن الأوبرا، قبل أن أجرب حضور حفلات أوبرا في معظم الدول التي زرتها والمعروفة بعنايتها بهذا النوع من الفنون كلما سنحت الفرصة.

وإذا كان لكولن ولسن الفضل في تعرفي على هذا العالم، فالفضل الأكبر يعود إلى كتاب آخر قرأته، ولكنه هذه المرة لكاتب عربي وهو المايسترو يوسف السيسي عنوانه «دعوة إلى الموسيقى»، عرفت من خلاله أن الموسيقى انهار تروي الأرض والناس.

ودماء تدفع الحياة في قلوب البشر، وسرا يحكم الروح، ووحيا يرتفع بالإنسان ويجعل منه حكمة وعبقرية ووحدة، ومازلت اردد تساؤله المشروع في مقدمة كتابه: كيف يمكن أن يكون الإنسان عظيما أو مجيدا أو حاكما لمهنة أو حرفة بدون أن يكون متذوقا للموسيقى؟

aalsanjari@yahoo.com