كان عمر (رجل أعمال من نابلس)، يجلس في مكتبه قبل أيام عندما قُرع الجرس. كان الطارق شابا في العشرين من عمره طلب منه مرافقته إلى باب المكتب لمقابلة أشخاص يقولون إن لديهم مشكلة معه في العمل. بعد دقائق وجد عمر نفسه، تحت التهديد، في سيارة حديثة وسط أربعة مسلحين.
رسالة المسلحين الذين اقتادوه إلى أطراف المدينة كانت واضحة ومختصرة: «أنت رجل أعمال تعمل وتنتج المال، ونحن مقاتلون ندافع عن الوطن، أنت لديك المال ونحن في حاجة للمال لنشتري السلاح الذين ندافع به عنك وعن أهل المدينة. المبلغ المطلوب فقط خمسون ألف شيكل». عمر واحد من عشرات رجال الأعمال الذين يتعرضون للابتزاز من قبل مجموعات مسلحة تهددهم وعائلاتهم بأبشع النتائج إذا لم يذعنوا.
احد رجال الأعمال الذين اعتادوا على الخضوع للابتزاز توقف مؤخرا، وجاءت النتيجة قاسية: فقد تعرض الرجل وهو من نابلس ويدعى كارم سعد الدين لضرب مبرح الحق به أضراراً جسدية بليغة ما زال يعالج أثرها في الأردن. المقربون من كارم يقولون انه قرر البقاء في الأردن وعدم العودة. أمر آخر شبيه تعرض له محام بارز في نابلس يدير مؤسسة محاماة يدعى فواز صايمة. المحامي صايمة يرفض حتى مجرد الحديث عما تعرض له.
باسم خوري رئيس اتحاد الصناعات يقول إن ظاهرة ابتزاز رجال الأعمال تتزايد. خوري ذكر في لقاء عام في رام الله قبل أيام أن احد أصدقائه يتعرض لتهديد لدفع مبلغ 30 ألف دولار. كثير من رجال الأعمال يخشون حتى تقديم شكاوى ضد مبتزيهم. محافظ نابلس كمال الشيخ الذي صدر أخيرا قرار بتعيينه مديرا عاما للشرطة يقول انه زار شخصا تعرض للضرب على خلفية من هذا النوع في المستشفى، وانه رجاه أن يقدم شكوى، ويذكر أسماء من هددوه لكنه أبى.
كل ما قاله الرجل انه تعرض للضرب من أشخاص يريدون منه مبلغ عشرة آلاف دينار أردني. كمال الشيخ يقول إن الظاهرة موجودة لكن الناس تبالغ في حجمها مؤكدا في الوقت ذاته أن الشرطة مستعدة لمتابعة أي ملف يفتح في هذا المجال لكن الناس لا يتقدمون بشكاوى. الشيخ أضاف: «عرضت على احد التجار أن أوفر حراسة له ولبيته ولمحاله التجارية بعد تعرضه لتهديد من هذا النوع لكن الرجل رفض».
احدهم أفصح عن سبب عدم تقديم شكوى قائلا: «لمن تشكي، لأجهزة الأمن؟ وهل هي قادرة على حمايتك؟ أليس المسلحون جزءا من الأجهزة؟. رجل أعمال آخر قال انه تقدم بشكوى ضد مسلحين حاولوا ابتزازه ليفاجأ أنهم عرفوا بالشكوى قبل أن يغادر المقر، متهما رجال امن بالعمل لصالح هؤلاء المسلحين بدلا من القيام بدورهم في حماية المواطن وتطبيق القانون.
ظاهرة ابتزاز رجال الأعمال تبدو إحدى النتائج السلبية للانتفاضة التي وصلت منذ سنوات إلى طريق مسدود. الانتفاضة قادت إلى الحصار، والحصار يثبط الاقتصاد ويعيق نشوء أي حد من التنمية. باسم خوري يقول إن المجتمع الفلسطيني في حاجة إلى 40 ألف فرصة عمل سنويا مشيرا إلى أن ما يجري هو العكس حيث تلجأ مصانع جديدة للإغلاق والانتقال إلى دول مجاورة بدلا من فتح مشاريع جديدة.
الأعداد الكبيرة من القادمين إلى سوق العمل لا يجدون سوى الميليشيات وأجهزة الأمن خاصة في قطاع غزة التي تستوعب الحكومة 50 في المئة من قوة العمل فيه. وفي الوقت الذي يشهد فيه الاقتصاد الفلسطيني انهيارا تنعكس نتائجه على مجمل أوجه الحياة، يشهد الاقتصاد الإسرائيلي نموا غير مسبوق. الاقتصادي سمير حليلة يقول إن الفجوة الاقتصادية بين الفلسطينيين والإسرائيليين في تسارع مشيرا إلى أنها بلغت 6 أضعاف عند توقيع اتفاق «أوسلو» ووصلت أخيرا إلى 30 ضعفا؟؟.
لا احد يقدم مخرجا من الأزمة، لكن الكل يجمع على أن البداية تكمن في إقرار الفصائل بفشل الانتفاضة والتوجه إلى البناء بدلا من مناوشات عسكرية مع إسرائيل تقود إلى المزيد من الضحايا. الإحصاءات المتطابقة تشير إلى أن عدد الضحايا الفلسطينيين مقابل الإسرائيليين كانت 4-1 في بداية الانتفاضة، لكنها وصلت أخيرا إلى 70 فلسطينيا مقابل إسرائيلي واحد؟؟.
رام الله ـ محمد إبراهيم