تعد معظم أسواق المال العربية ذات نشأة حديثة نسبيا، أو أنها كانت منذ وقت غير بعيد أسواقا صغيرة الحجم بحيث لم تنل اهتمام المستثمرين الأجانب.وتشهد أسواق رأس المال في الشرق الأوسط ظروفا اقتصادية جيدة حيث العوائد المتحققة تزيد على أسعار الفائدة المترتبة على الودائع.
كما وتشهد الأسواق اليوم ظاهرة توجه المستثمرين المحليين إلى تحويل استثماراتهم الراكدة ضمن السوق المحلي إلى نقد. وبرأي بعض المحللين الماليين فقد شهد عام 2006 أدنى مستوى لأداء الأسواق المالية، إلا أنني لا أشاطرهم هذا الرأي، ففي أحسن الظروف لا يزال الحذر الصفة المسيطرة على حدس المستثمر، أن لم يكن الإحباط هو التعبير الأصح.
وخير مثال على هذا الأمر انه وعلى الرغم من الارتفاع الكبير في نسبة توزيع عوائد الأسهم، إلا أن التوجه العام لدى المستثمرين بقي ببيع الأسهم دون انتظار توزيع عوائد هذه الأسهم. واطرح كمثال قوي على عدم الاستقرار والتذبذب في حركة السوق، الازدياد الواضح في نشوء عدد كبير من أسواق المضارَبة قصيرة الأمد مقارنة مع العدد القليل من الأسواق طويلة الأمد نسبيا.
إن معظم الشركات في الشرق الأوسط تستثمر بقوة في أسواق الأسهم، كما تهيمن على قطاعات التطوير العقاري، الاتصالات، الخدمات المالية والاكتتابات العامة، ويصل الأمر إلى أن بعض تلك الشركات يفاخر بارتفاع قيمة استثمارهم في المحافظ الرأسمالية نسبة إلى رأس المال.
ويعود السبب في ارتفاع عوائد تلك الشركات في نهاية السنة المالية إلى الأرباح غير التشغيلية التي تنجم عن استثمار تلك الشركات في الشركات الأخرى المدرجة في الأسواق المالية. إلا أن هذا ليس حال السوق الآن نظرا لاختلاف ظروف السوق الراهنة عن الأعوام السابقة والتي شهدت طفرة منقطعة النظير في الأسواق المالية، ويمكن القول بان معظم الشركات المدرجة في الأسواق المالية أظهرت وضمن ميزانيتها الختامية للعام المنصرم العوائد التشغيلية، الأمر الذي أدى إلى الهبوط بمؤشر السهم بما يتجاوز50%، حيث أن الأرباح التشغيلية استخدمت لدفع عوائد نقدية لحملة الأسهم والتي بلغ نموها ما يزيد على 30%.
إن الظروف التي تشهدها المنطقة في تطور مستمر دون شك، ويظهر هذا الأمر جليا لدى إمعان النظر في مدى تبني الشركات المدرجة مبدأ حوكمة الشركات كما أورد تاليا:
1- إن الالتزام الواقع على الشركات المدرجة والمتعلق بمبدأ «الإفصاح» هو ممارسة صائبة بالنظر إلى معايير الأسواق حديثة النشأة.
2- إن شركات التدقيق المالي المعروفة عالميا أصبحت أكثر انخراطا، حيث التوجه العام نحو التزام الشفافية وتبني سياسة أفضل الممارسات.
3- أصبحت الإدارات حاليا أكثر اتصالا مع المستثمرين الباحثين عن المعلومات، فالإدارة يقع عليها عبء إحراز أعلى هامش من العوائد المالية، والخضوع للتدقيق العام يفرض ذلك أيضا ناهيك عن وسائل الإعلام والتي تلعب دورا اكبر في هذا المجال.
4- الإفشاء، الاحتيال والتلاعب أصبحت ممارسات تقع تحت طائلة الرقابة من قبل أسواق التداول وهيئات الرقابة المالية.
5- أخذت معظم الشركات الخاصة تدخل تقنيات و/أو أنظمة الرقابة الخاصة بحيث تستخدم لأغراض الرقابة الداخلية و/أو الخارجية و كجزء من انتهاج الشركة لسياسة أفضل الممارسات.
6- تقوم معظم الشركات الخاصة أيضا بإعطاء دور اكبر للإدارة في ممارسة الأعمال اليومية بعكس الاعتقاد الذي كان سائدا قديما بان المالك هو من يدير المؤسسة.
7- المشاريع ذات الصبغة العائلية والتي يتواجد العديد منها في منطقة الشرق الأوسط، تشهد إدراكا متزايدا والتزاما بمبدأ حوكمة الشركات، حيث يتم دعوة أفراد من خارج العائلة في العديد من الحالات لإدارة الشركة وشغل عضوية مجالس الإدارة.
ضمن هذا السياق نرى إن من الأهمية بمكان ذكر «الضبط الذاتي» و «حوكمة الشركات» باعتبارها رموزا هامة وعناصر رئيسة تلعب دورا كبيرا في الاكتتابات العامة، ومن الواضح أن العديد من الشركات ستنتهج هذا المسار مستقبلا وذلك تماشيا مع مقتضيات الحال ومؤشرات السوق.
ومن الملاحظ اليوم أن العديد من البنوك الاستثمارية تتجه بشكل متزايد نحو تأسيس فروع إقليمية متكاملة لها في نقاط مختلفة من العالم العربي ومن تلك البنوك على سبيل المثال لا الحصر فيها: (Citigroup Inc), (HSBC Holdings), (Deutsche Bank), (Goldman Sachs Group Inc), (Merrill Lynch & Co), (Morgan Stanley), (JP Morgan), (Credit Suisse Group ) وغيرها، ومن المهم جدا أن تحظى هذه البنوك الاستثمارية بفرص حقيقية مقابل الخدمات التي تقدمها في المنطقة، وهنا أورد بعض العوامل التي تؤثر بشكل رئيسي في القرارات الجوهرية لهذه البنوك العالمية:
1- الهجرة المستمرة لرؤوس الأموال من الاقتصاد الغربي إلى منطقة الشرق الأوسط:.
2- أسعار النفط والعوائد النفطية : لقد حقق العالم العربي عموما ومنطقة الخليج العربي على وجه الخصوص ما يزيد على 500 مليار دولار كعائدات نفطية خلال عام 2006.
3- الزيادة في الإنفاق الحكومي: أن هناك احتمالا لنمو الاحتياطي في الدول العربية نتيجة الاستثمارات الضخمة للدول الغنية بالنفط.
4- النشاط المتزايد لأسواق رأس المال، فالمملكة العربية السعودية مثلا تفتخر بالقفزة النوعية لعدد الأسهم المتداولة في أسواقها المالية خلال العام 2006 لتبلغ 96 مليار سهما مقارنة بالعدد المتواضع والبالغ 460 مليون سهم قبل عشر سنوات.
5- التوجه العام لدى الحكومات نحو التخاصية وبيع الأصول والشركات المملوكة لها : فالحكومة الأردنية على سبيل المثال قامت ببيع العديد من الشركات المملوكة لها من خلال برنامج مكثف للتخاصية وبحيث يشمل البرنامج مختلف القطاعات حتى الإستراتيجية منها كقطاعي الاتصالات و الطاقة.
6- التوجه المتزايد للشركات ذات الطابع العائلي للاكتتابات العامة للخروج عن الصبغة العائلية.
7- التطور المتسارع للقوانين والأنظمة والمتمثل بقوانين الشركات والأعمال التجارية في مختلف الدول.
8- استحداث فرص استثمارية جديدة حيث تتوجه العديد من الشركات لإعطاء الأجانب الحق بامتلاك نسبة معينة من أسهمها المدرجة في السوق، وهذا يساهم في زيادة كبيرة لعدد الأسهم المتداولة، وبحسب قناعتي الشخصية فإن أكثر الأسواق انفتاحا للمستثمرين الأجانب هي أسرع الأسواق انتعاشا نتيجة للفائدة الكبيرة التي تترتب على هذا الانفتاح.
9- الاكتتابات العامة الجديدة و المتزامنة مع الظروف الممتازة للسوق كما تم تفصيلها أعلاه.
إن هناك جدلا متفاوتا بين المشرعين حول السماح للشركات المبتدئة بطرح أسهمها للاكتتاب العام من عدمه، وذلك بين مؤيد ومعارض، وقد اتخذت دولة الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال موقفا واضحا بهذا الموضوع حيث يسمح للشركات التي تتمتع بسجل مالي جيد ولمدة ثلاث سنوات متتالية فقط بطرح أسهمها للاكتتاب العام.
وهنا أرى أن من الأهمية بمكان الإشارة إلى بعض عوامل النجاح الرئيسة التي تؤثر على الاكتتاب العام وهي تتمحور في ضرورة اختيار مدير اكتتاب ذو خبرة في هذا المجال ؛ التركيز على أهمية تماسك وتواصل وتركيز لجنة التأسيس ؛ ضرورة التأكد من ضم عدد كاف من المؤسسين ذائعي الصيت ؛ العمل على توسيع قاعدة المساهمين لتشمل المستثمرين المحليين والأجانب .
كما يجب التأكيد على ضرورة اختيار مستشارين و/أو مدققين ماليين و قانونيين من ذوي الخبرة في هذا المجال ؛ كما يجب التركيز أيضا على تحديد موعد الاكتتاب العام بدقة لتجنب التداخل أو التضارب مع شركات أخرى معروضة للاكتتاب بحيث ينعكس هذا سلبا على الاكتتاب العام، كما يشكل التواصل مع جمهور المستثمرين محليا، إقليميا ودوليا عن طريق وسائل الإعلام و العلاقات العامة و انجاز الهدف المنشود ضمن الإطار الزمني المحدد لهذه الغاية وباستخدام الموارد المتاحة محاورا أساسية للمساهمة في إنجاح الاكتتاب العام. ونهاية فاني أود القول أنه ونتيجة لازدياد عوامل الثقة وعناصر الجذب الاستثماري في المنطقة العربية فان من المتأمل تحسن أداء الأسواق المالية العربية في المستقبل القريب.
ـ خبير اقتصادي