لا غرابة أن تبرز قضية كيفية تحسين مستوى دخل الفرد في الصدارة مع ارتفاع العوائد النفطية لدول الخليج العربية. فمن حق المواطنين التساؤل عن نصيبهم من تلك الزيادات، وهو شغل أساسي للحكومات أيضا، حيث أن قام العديد منها بالفعل بزيادة الرواتب وتقديم المزيد من أشكال الدعم للسلع الأساسية.
علاوة على توفير المزيد من الخدمات التي تمس المواطنين. ومع ذلك تبقى قضية تحسين مستوى دخل الفرد ذات إبعاد اقتصادية أعمق، خاصة إذا ما أردنا أن تأخذ عملية التحسين هذه صفة الاستدامة وأن تكون حصيلة طبيعية للتطور الاقتصادي في هذه البلدان.
من هذا المنطلق، يمكن القول بصورة عامة إن التأثير على مستوى الدخل الحقيقي للفرد يمكن تحقيقه من خلال زيادة معدل الاستثمار، أو الانخفاض في معدل نمو السكان. ولكن ينبغي التأكد بأن هذا التأثير سيبقى مؤقتاً فترة المسار الانتقالي لعملية النمو فقط. وعليه يمكن الإشارة إلى انه كلما كانت الفجوة بين حالة التوازن ونقطة عملية تراكم رأس المال كبيرة في اقتصاد معين، أدى إلى السماح للاقتصاد المذكور إلى النمو بمعدل أسرع ـ إذا تم توفير متطلبات ذلك النمو.
فعلى سبيل المثال، سنغافورة وكوريا وقبلها اليابان استطاعوا تحقيق معدلات نمو سريعة بسبب ان مواقع حالات التوازن الخاصة بهم كانت عالية مقارنة بمواقعهم الحالية. أما الدول الفقيرة فإنها تنمو ببطء بسبب العكس. وعليه القول بأن أولوية استراتيجية النمو في اقتصاد معين تتمثل في تحديد مستوى دخل الفرد المرغوب فيه والممكن تحقيقه ضمن فترة زمنية طويلة ربما تصل إلى 25 سنة ومن ثم يتم مناقشة سيناريوهات معدلات النمو المطلوبة للوصول إلى ذلك المستوى.
وتتمثل رؤية الخطة الاقتصادية الاستراتيجية لسنغافورة ـ التي تم وضعها في أوائل التسعينات ـ في تحويل الاقتصاد السنغافوري من وضع الدولة النامية إلى الدولة المتقدمة. ولقد شكلت رؤية الخطة الاقتصادية الاستراتيجية، في الواقع امتدادا للتوجهات التي اعتمدها تقرير الهيئة الاقتصادية في نهاية الثمانينات.
ولقد أوضح تقرير الخطة الاقتصادية الاستراتيجية إلى حاجة سنغافورة إلى التخطيط لما وراء هذا الهدف ـ أي الوصول إلى مستوى دخل الفرد في سويسرا ـ على أساس طريقة الهدف المتحرك مع مستويات الدخل في الدول الصناعية المتقدمة.
وضمن هذا السياق، فلقد تم وضع سيناريوهين: الأول متفائل والآخر متشائم. فعلى أساس السيناريو المتفائل، فإن سنغافورة ستلحق بمتوسط دخل الفرد للولايات المتحدة في عام 2030. أما على أساس السيناريو المتشائم، فإنها ستلحق بمستوى دخل الفرد في هولندا في حدود 2020 وتشير الدلائل إلى أن سنغافورة قريبة من أن تحقق رؤيتها الاقتصادية التي وضعتها في أوائل التسعينات في اللحاق بمستوى دخل الفرد في الولايات المتحدة.
وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول بأن استراتيجية النمو في سنغافورة اعتمدت على فكرة اللحاق بمستوى الدخل في الدول المتقدمة خلال فترة طويلة نسبياً خاصة وانها تصل إلى عام 2020 ـ 2030 مما يبعث بعض الشك في تحقيقها، ولكن يبقى القول بأن اعتماد المنظور طويل الأمد يرجع إلى أن بعض المقاييس المطلوبة لنجاح الخطة تعتمد على انجاز برامج تعليمية واجتماعية وإدارية.
وهذه البرامج تتطلب فترة طويلة حتى يتم انجازها. فعلى سبيل المثال، يتطلب رفع مستوى التحصيل التعليمي لقوة العمل من 40% إلى 90% خلال ما يقارب 30 سنة. وعليه، فانه اذا لم يتم تنفيذ هذه السياسات ضمن فترة طويلة فإن نجاح الخطة الاقتصادية يكون من الصعب تحقيقه. إضافة إلى ذلك، فانه ليس كل عناصر الخطة الاقتصادية الاستراتيجية يتطلب تحقيقها انتظار كامل الفترة مما يعني إمكانية الحصول على منافع مباشرة على المدى القصير والمتوسط لبعض برامج الخطة المذكورة.
وفي بحث له حول هذا الموضوع، يقول الأمين العام لمركز الدراسات والبحوث البحريني الدكتور عبد الله الصادق إن الاقتصادي الأميركي «روبرت سولو» من جامعة حةش الأميركية ـ والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1987 ـ قدم النموذج الأساسي في النظرية النيوكلاسيكية للنمو الاقتصادي.
ويشير هذا النموذج إلى ان مستوى الناتج للفرد ـ ويمكن ان نطلق عليه مستوى الدخل للفرد ـ في اقتصاد معين على المدى البعيد هو دالة في معدل الاستثمار لرأس المال، ومعدل النمو لقوة العمل، ومستوى التكنولوجيا، وعليه، فإن مستقبل الدخل للفرد يمكن التنبؤ به إذا استطعنا أن نضع التقديرات الخاصة بمستقبل معدل الاستثمار، معدل نمو السكان، ومستوى الإنتاجية الكلية.
وفي ضوء ما ذكر أعلاه حول تجارب بعض الدول الآسيوية مثل سنغافورة يمكن القول بأن الطريقة المناسبة في مناقشة استراتيجية تحسين دخل الفرد في دول المجلس هي في الأخذ بفكرة اللحاق بالدولة المتقدمة ضمن مجموعة الدول الصناعية المتقدمة وذلك على أساس وضع أهداف محددة لمستوى دخل الفرد ومن ثم رسم سيناريوهات معدلات النمو.
أما الطريقة الأخرى والتي تعتمد على أساس معدلات النمو الاقتصادية فهي على أهميتها ليست دائمة متاحة لصعوبة تقدير معدلات النمو المطلوبة. إضافة إلى ذلك فإن الدلائل التطبيقية للنمو تشير إلى ان الدول التي تصبح أكثر متقدمة تبدأ معدلات نموها بالانخفاض. فعلى سبيل المثال، شهدت اليابان منذ الستينات معدل نمو يفوق 10% سنويا لسنوات عديدة ولكن انخفض هذا المعدل مع بداية التسعينات.
لقد شهدت اقتصاديات دول مجلس التعاون معدلات استثمار عالية نسبياً منذ منتصف السبعينات مما أدى إلى تحقيق انطلاقة اقتصادية كبيرة، وتحققت بالتالي معدلات نمو عالية نسبياً قبل ان تبدأ في التباطؤ منذ منتصف الثمانينات وان ظلت تتراوح حول 6 ,4% سنوياً في فترة التسعينات. والسؤال الأساسي: ما هي الرؤية الاستراتيجية لمستوى الدخل الحقيقي للفرد الخليجي.
إن المستوى الحالي لدخل الفرد الحقيقي في دول المنطقة يتعرض لضغوط تجاه الأسفل في ضوء متغيرات البيئة الدولية والإقليمية المحيطة بالاقتصادات الخليجية. وعليه، فإن أهم التحديات المباشرة التي تواجهها السياسة الاقتصادية بدول المجلس هي في المحافظة على المستوى الحالي لمتوسط دخل الفرد من الانخفاض ووضع رؤية استراتيجية لرفع مستوى الدخل الحقيقي للفرد ضمن فترة تصل إلى 2025. فعلى سبيل المثال، هل يمكن الحديث عن مضاعفة مستوى الدخل الحقيقي للفرد مع عام 2025.
ومن المفيد التنويه هنا أن الاقتصادات الخليجية تعتبر من الاقتصادات الصغيرة على أساس المستوى الحالي لقيمة الناتج المحلي الإجمالي ولكونها اقتصادات صغيرة فإنه ينبغي أن تنمو أسرع من الاقتصادات الكبيرة سواء على «المستوى الإقليمي أو الدولي للحاق بمستوى الدخل في تلك الاقتصادات.
ولقد قدمت تجارب النمو في دول شرق آسيا الدليل الواضح على ذلك. وعليه يمكن القول ان نهضة اقتصادية جديدة لا بد ان تعني تحقيق مستوى دخل حقيقي إلى الفرد بدول مجلس التعاون الخليجي بشرط أن يبنى ذلك وفقا لاستراتيجيات تنموية واضحة، ولقد باتت تجارب الكثير من الدول في متناول اليد بكل تفاصيلها ومنهجياتها بحيث لم يترك عذرا لنا لعدم الاستفادة منها.
كاتب اقتصادي