طالب المدير العام لصندوق النقد العربي الدكتور جاسم المناعي الدول الخليجية بتفعيل سياساتها النقدية لكي تتعامل بشكل أفضل مع ارتفاع التضخم وتغير أسعار الصرف العالمية واختلاف وتباين الدورات الاقتصادية التي تشهدها الاقتصادات العالمية، كما طالب بالمزيد من تنظيم وتطوير الأسواق المالية لتأكيد دورها في تعبئة المدخرات لتمويل المشاريع والاستثمارات المنتجة بعيدا عن المضاربات، إلى جانب تحسين مناخ الاستثمار حيث أن درجة الحرية الاقتصادية والشفافية ومستوى الحكم الصالح والجدارة الائتمانية وتكاليف وإدارة الأعمال في هذه الدول لا تزال لا تشجع كثيراً على الاستثمار فيها.
وقال المناعي في ورقة حول «تأثيرات ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاديات العربية» إن ظاهرة الارتفاع الكبير في أسعار النفط التي تشهدها الاقتصادات الخليجية منذ بضع سنوات قد كان لها، بدون شك، انعكاسات كبيرة على الأوضاع والسياسات الاقتصادية في معظم إن لم يكن جميع الدول العربية. إن تأثير هذه الظاهرة لم يقتصر كما يبدو على الدول النفطية بل انسحب ذلك على الدول العربية غير النفطية.
إن تزايد الفوائض المالية بشكل غير مسبوق قد أثر على نمط الإنفاق والاستثمار كما أدى نتيجة للسيولة الكبيرة والمفاجئة إلى سخونة الاقتصاد وارتفاع مبالغ فيه في أسعار الأصول وفقدان السيطرة على استقرار الأسعار وارتفاع مقلق لمستويات التضخم.
وحددت الورقة أربعة جوانب مثل إيجابيات لارتفاع أسعار النفط على الاقتصادات الخليجية أهمها تحسين معدلات النمو الاقتصادي الذي يقدر بحوالي 6% خلال السنوات الثلاث الماضية مقابل نسبة لا تزيد عن 6,3% خلال التسعينات. كما أن ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي زاد من توفر فرص الاستثمار ومشاريع التنمية، وتخفيف معدلات البطالة، وفي بعض الحالات تحسين مستويات المعيشة.
وثانيا، أن الفوائض الجديدة في الإيرادات النفطية لم تذهب كلها في شكل مصروفات ونفقات جارية مثلما حصل في الفورة النفطية الأولى خلال السبعينات، بل أن الجزء الأكبر من الفوائض المالية وظف بشكل رئيسي في ثلاثة مجالات تعتبر إيجابية. وثالثا، ساهمت زيادة أسعار النفط في تعزيز المدخرات من خلال إنشاء صناديق الاستقرار المالي وصناديق الأجيال القادمة حيث يقدر أن الدول النفطية قد ادخرت حوالي ثلثي الإيرادات الإضافية التي تراكمت لديها منذ عام 2002. ومما يعكس المستوى المرتفع للادخار بالنسبة للدول النفطية نجد أن فائض الحساب الجاري لديها وصل إلى ما يزيد عن 21% من الناتج المحلي الإجمالي.
وأخيرا، فإن زيادة أسعار النفط عززت الاحتياطات الأجنبية لدى البنوك المركزية ولوحظ ارتفاع كبير في مستوى الاحتياطات الأجنبية للدول العربية خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث ارتفعت هذه الاحتياطات بمقدار الضعف حتى وصلت إلى ما يتجاوز 500 مليار دولار مع بداية العام 2006.
وبنفس الوقت ساهمت في تخفيض في مديونية القطاع العام، فقد انخفض الدين العام من حوالي 70% من الناتج الإجمالي المحلي في عام 2002 إلى 42% في هذا العام 2006. وفي حالة الدول النفطية فقد انخفض الدين العام من حوالي 50% من الناتج الإجمالي المحلي في عام 2002، إلى النصف تقريباً 25% في العام الماضي. وكان ذلك واضحاً بشكل خاص في حالة دول مثل اليمن والجزائر وسورية وعمان والسعودية والكويت.
ويؤكد الدكتور المناعي إن الظروف الحالية تمثل فرصة كبيرة لتنفيذ كثير من الإصلاحات الاقتصادية التي قد يصعب إجراؤها وتقبلها شعبياً عندما تكون الظروف الاقتصادية صعبة وليست على ما يرام. هذا، وبالرغم من تعدد الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة في هذه المرحلة إلا أن أمام هذه الدول الكثير من الخطوات المطلوب إنجازها.
حيث توجد حاجة إلى مزيد من تنظيم وتطوير الأسواق المالية العربية لتأكيد دورها في تعبئة المدخرات لتمويل المشاريع والاستثمارات المنتجة وتوفير فرص الاستثمارات المجدية والحرص على ألا تكون مجرد مكان للمضاربة والكسب السهل والسريع. ويتطلب هذا الأمر قواعد وإجراءات متطورة حتى نضمن توظيف المدخرات في الاتجاه الصحيح وحماية صغار المستثمرين من التلاعب وتسريب المعلومات وتضارب المصالح والحرص على فصل الجانب الرقابي عن عملية إدارة البورصات. كما يتطلب هذا أيضاً عدم السماح لشركات ومؤسسات وهمية من تداول أسهمها في البورصات.
كذلك ضرورة زيادة مستويات الإفصاح والشفافية حيث مازالت دول عديدة لا توافق على نشر تقرير صندوق النقد الدولي حول أوضاعها الاقتصادية والذي يتم إعداده وفقاً للمادة الرابعة الخاصة بالمشاورات الدورية مع الصندوق. كذلك فإن عرض ميزانيات الدول يتم حتى الآن وفي كثير من الحالات بطريقة مبهمة وغير شفافة. إن موضوع درجة الشفافية والإفصاح ينطبق على الشركات والمؤسسات وإن ثقافة تصنيف الجدارة الائتمانية لم تتطور بعد في منطقتنا، الأمر الذي يعكس نوعاً من التردد في التجاوب مع الشفافية والإفصاح المطلوبين.
كما شدد الدكتور المناعي على الحاجة إلى تفعيل السياسة النقدية لكي تتعامل بشكل أفضل مع ارتفاع التضخم وتغير أسعار الصرف العالمية واختلاف وتباين الدورات الاقتصادية التي تشهدها الاقتصادات الخليجية والعربية. إن تجربة الفورة المالية التي شهدتها هذه الدول أما ترتب عليها من سخونة الأنشطة الاقتصادية والارتفاع غير الطبيعي وغير الصحي لأسعار الأصول وبخاصة المالية والعقارية وما ترتب على ذلك من زيادة كبيرة في تكاليف المعيشة وارتفاع مستويات التضخم التي وصلت إلى 7%، يشير إلى الحاجة المتزايدة لإعادة النظر في وضع السياسة النقدية، وذلك لممارسة دورها الطبيعي في التعامل مع الدورات الاقتصادية ومكافحة التضخم وتحقيق استقرار الأسعار.
لقد ارتفع حجم الائتمان بشكل كبير خلال السنوات الثلاث الماضية من نسبة 36% إلى أكثر من 46% من الناتج الإجمالي المحلي. إن المفارقة الملفتة للنظر أنه في حالات الرواج الذي نحتاج خلاله إلى التخفيف من سخونة الاقتصاد، نجد أن منح الائتمان يتزايد بشكل مخيف في هذا الوقت الذي يشح فيه مثل هذا الائتمان الذي نكون في أمس الحاجة إليه خلال أوقات الكساد وضعف النشاط الاقتصادي. أما الملاحظة الأخرى في هذا الشأن، أننا لم نلمس مبادرات ل«تعقيم» الاقتصاد تجاه التدفقات المالية الهائلة التي ترتبت على ارتفاع الفوائض المالية وذلك حتى يمكن التخفيف من حدة ارتفاع الأسعار وفورة الأنشطة الاقتصادية خلال هذه المرحلة.
الملاحظة الأخيرة في هذا الصدد تتعلق باحتمال تدهور كبير في سعر صرف الدولار نظراً لتفاقم عجز الحساب الجاري الأميركي الذي وصل إلى مستوى غير قابل للاستمرار. إن مثل هذا الاحتمال إذا ما تحقق، فإن من شأن ذلك أن يزيد كثيراً من المستوى المرتفع الذي وصلت إليه معدلات التضخم حالياً.
وأخيرا يشدد الدكتور المناعي على الحاجة كذلك إلى مزيد من التحسين في مناخ الاستثمار حيث أن درجة الحرية الاقتصادية والشفافية ومستوى الحكم الصالح والجدارة الائتمانية وتكاليف وإدارة الأعمال في الدول العربية لا تشجع كثيراً على الاستثمار في العالم العربي. فوفقا لمؤشر مؤسسة Heritage Foundation للحرية الاقتصادية فقد وجدنا أن هناك 13 دولة من 20 دولة عربية تعتبر ضعيفة أو ضعيفة جداً في مجال الحرية الاقتصادية. ووفقاً لمعايير المنظمة العالمية للشفافية ومستوى الفساد، فقد وجدنا بأن هناك ست دول عربية فقط وضعها مقبول، والباقي دون المستوى.
أما فيما يخص مؤشر الحكم الصالح الذي أعده البنك الدولي فقد احتلت الدول العربية مراتب متواضعة. كذلك على صعيد الجدارة الائتمانية فقد وجدنا أن هناك حتى الآن عددا قليلا من الدول العربية يتمتع بدرجات استثمارية. أما فيما يتعلق بظروف وبيئة الأعمال فسواء تعلق الأمر بالإجراءات أو الحد الأدنى من رأس المال المطلوب لمباشرة أي أعمال أو إجراءات التوظيف والفصل أو قوانين الإفلاس وغيره، فإن بيئة الأعمال في الدول العربية تعتبر مكلفة وغير مشجعة. لذا لا ينبغي أن نستغرب من ضعف جاذبية الدول العربية لرؤوس الأموال والاستثمار، الأمر الذي يتطلب أن نعطي هذا الوضع الاهتمام اللازم في الإصلاحات المطلوبة.
تأثيرات ارتفاع فاتورة المحروقات
كان لارتفاع أسعار النفط تأثيرات سلبية أيضاً، وقد حددها المدير العام لصندوق النقد العربي في التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل كبير أدى إلى تدهور المستوى المعيشي لكثير من الأفراد. لكن تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة يتعدى في الواقع تدهور المستوى المعيشي للأفراد. ولعل الأمر أثر سلبية في هذا الأمر أن ارتفاعات الأسعار وزيادة التضخم قد أضعف من القدرة التنافسية لكثير من دول المنطقة في سعيها على اجتذاب الاستثمارات والشركات والأعمال.
كما كان لذلك الارتفاع دور في المضاربات في الأسهم والعقارات حيث ان زيادة السيولة بشكل كبير أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في التعامل بالأصول المالية والعقارية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعارها بشكل غير طبيعي نتج عنه فيما بعد حركات تصحيحية حادة ومؤلمة كما نشهدها اليوم في عدة بورصات عربية.
ومن التأثيرات السلبية الأخرى لارتفاع أسعار النفط هو ما تعانيه الدول العربية غير النفطية من ارتفاع فاتورة استيراد المنتجات النفطية الأمر الذي اضطر بعضها إلى رفع أسعار المحروقات مما ترتب عليه ردود فعل اجتماعية غاضبة. كذلك بروز حالات تدل على تراخي جهود الإصلاح، حيث ان زيادة النفقات الجارية خاصةً فيما يتعلق بالأجور والرواتب والمنح والإعانات قد تضعف سياسات الترشيد وتقلل من أهمية الانضباط المالي وتزيد من هيمنة القطاع العام.
المنامة ـ حسن العالي
